ينتمي هذا الكتاب إلى تلك النوعية النادرة من الكتابة التي تمتد بين الاستطلاعات الصحافية المعمقة وأدب الرحلات ولكنه في الوقت نفسه يعتبر تأريخاً لمسيرة الكاتب المهنية الطويلة. فالمؤلف رياض الريس صحافي وكاتب عربي مخضرم، جمع بين العمل الصحافي الميداني في أرقى تقاليده وبين الإضافة المميزة للكتابة السياسية والتاريخية التحليلية الدقيقة التي تفتقر إليها المكتبة العربية.ينقلنا الريس عبر صفحات هذا الكتاب إلى محطات أسفاره العديدة في طرق الدنيا المتشعبة، عندما كان السفر ممتعاً وصعباً في آن والعالم رحباً، فيجعلنا نعيش معه متعة الاكتشاف ورهبة المغامرة. وهو يريد بذلك أن يطلعنا على الجانب الآخر من التاريخ كاشفاً أسرار عالم لن يتعرف إليه اليوم من لم يسافر على طرقاته بالأمس.

كان الحر يلفح في تلك الصحراء الذهبية الواسعة ولم يكن الوقت صيفاً. كل شيء كان يوحي بأن كثبان الرمال تتحرك تحركاً لم يألفه الغرباء القادمون إلى تلك البلاد. قبل ذاك كان لا شيء يتحرك. حتى أشجار النخيل لم تزد عدداً، والسكون يحيط بالظلال الفضية وهي تغرق كل مساء في المياه الزرقاء الداكنة. كانت النار وقتها، تأكل جنوب الجزيرة العربية من عدن إلى لحج ومن حدود المهرة في حضرموت حتى مسقط وظفار.

وكان الحرّ فعلاً لا يطاق.

عدن تحترق. الإرهاب يجتاح اليمن، وأصوات الرصاص وانفجار القنابل والهاون من سوق الملح في صنعاء حتى حي الشيخ عثمان في عدن غدت لازمة صوتية يسمعها كل من يطأ تلك الأرض ولو لساعات معدودات. النار، الخوف، الرعب، كلمات امتزجت بمفردات ثابتة: الاستعمار، الاستقلال، الوطنية، الثورة، الحكم. كل هذا القاموس أصبح له، ربما للمرة الأولى، مدلوله الحقيقي.

وكانت الشمس فعلاً قاسية.

وكان الزمان مطلع الستينات.

كنت قادماً في حينه من حضرموت، «سقف الجزيرة العربية»، إلى الخليج العربي، حاملاً قلماً وكاميرا، أزور مدناً خرافية في زحمة أحداث السياسة.

قطعت مئات الأميال بالطائرة، ومئات أخرى باللاندروفر، عبر طرق أكلها البحر، وطرق ضاعت معالمها في الرمال.

وكان ذلك الزمان قبل نصف قرن تماماً. كم هو بريء!

بعد ذلك بفترة قصيرة وقفت في يوم ربيعي رائع من مايو 1966، على شرفة قصر حاكم مكاو، الكولونيل أنطونيو لوبيز دوس سانتوس، وكان يودع أشهره الأخيرة كحاكم لأقدم مستعمرة في العالم آنذاك، أسأله عن الحاكم الحقيقي للأميال الستة المربعة من «الوطن البرتغالي» على الأرض الصينية.

ضحك دوس سانتوس وقال: الناس في مكاو وهونغ كونغ يستمعون إلى إذاعة كانتون كل صباح ـ وهي أقرب مدينة صينية إلى المستعمرتين ـ ليعرفوا ماذا ينصحهم ماو تسي تونغ، وهذا الصباح نصحهم بالسباحة، فلذلك ترى الآلاف يسبحون على الشواطئ. وتطلعت من شرفة القصر المطل على الجانب الغربي من مصب نهر كانتون (اللؤلؤ)، فرأيت شواطئ مكاو وقد امتلأت بالرجال والنساء والأطفال. ولما رأى الحاكم البرتغالي الدهشة مرسومة على وجهي، ابتسم من جديد وقال: أصبحت السباحة هوساً عند أكثر الصينيين. أتسألني بعد هذا من يحكم مكاو؟ راديو كانتون طبعاً. عندما ودّعت حدود الصين كانت مجموعة قصائد ماو تسي تونغ في جيبي، والطائرة تقلع بي من هونغ كونغ لتعيدني إلى بيروت. سحبت الشعر من جيبي، وقلبت صفحاته، وقرأت:

مَنْ أراد أن يفهم الصين عليه أن يحني رأسه ويترجل! وكان الزمان منتصف الستينات.

مهمة في فيتنام

في يناير من العام 1966، اقترحت على كامل مروة ـ خلال عملي في «الحياة» معلّقاً ومحرراً للشؤون الخارجية ـ أن أسافر إلى فيتنام. وكانت مجرد فكرة، إذ لم يسبق لصحافي عربي أن زار مسرح الحرب هناك، أو وصل إلى قلب آسيا.

وفي الأسابيع الثمانية التي قضيتها هناك موزعاً بين كل المناطق التي استطاعت المواصلات أن توصلني إليها، عشت أيضاً الأزمة السياسية في فيتنام الجنوبية التي انفجرت إبان وصولي، والتي كانت حرباً أخرى خفية. وأتيح لي أن أقابل وأرى وأسمع، أبطال المسرحية الدامية التي كانت تدور في أدغال آسيا.

وكانت الرؤيا بالعين المجردة، تفوق أية رؤيا.

بعد ذلك بسنوات تذكرت رحلتي إلى سنغافورة وجنوب شرق آسيا، عندما التقيت مصادفة في صيف 1997 في لندن بشاب فارع الطول، ضخم الجثة، عريض المنكبين. فما كان منه إلا أن تقدم نحوي وقال: أنت فلان؟ فلما رددت بالإيجاب، قال: ألم تعرفني؟ أجبته معتذراً متأسفاً: كلا. قال: أنا غالب القعيطي. ولما لم تبدر أية إشارة مني تدل على أنني عرفته بالفعل، قال: أنا سلطان الدولة القعيطية الذي أجريت معه حديثاً لجريدة «النهار» عندما التقينا في المكلا بحضرموت في العام 1967، قبل الجلاء البريطاني عن اليمن الجنوبي بأشهر قليلة.

فجأة لمعت في ذهني مجموعة صور، ظننت أنها ضاعت في غياهب الذاكرة. تذكرت ذلك اليوم الشديد الحرارة والرطوبة في أقصى مكان في سقف شبه الجزيرة العربية. كانت المكلا في تلك الأيام، قبل ما يزيد على نصف قرن، تذكّر بمرفأ من مرافئ القراصنة في القرن الثامن عشر. وكان ما يسمى بقصر السلطان، يذكّر ببيت من البيوت الهندية القديمة والمتداعية. وكان غالب بن عوض القعيطي، آخر سلطان للدولة القعيطية من مجموعة سلاطين ما كان يسمى بالجنوب العربي الذي كان يتألف بدوره من عدة محميات تديرها بريطانيا.

وكان في ذلك الوقت شاباً نحيلاً جداً في الثامنة عشرة من عمره، خجولاً، يحمل في يده عصا من البامبو الهندي المطعّم. بدا لي حينها مرتبكاً وهو يتحدث إليَّ بصوت منخفض لا يكاد يسمع، عن نشأته في حيدر آباد في الهند، وأن أمه هندية، وهي ابنة عم نظام حيدر آباد، أحد مهراجات الهند المسلمين، وكيف ولد وعاش وتلقى العلم في حيدر آباد، حيث تعلم الأوردية والهندية والإنجليزية التي يتكلمها بطلاقة، والقليل من العربية، التي لا يستطيع كتابتها إلا بشكل ركيك.

كان الزمان أواخر الستينات. وكان أيضاً جميلاً.

أيام أسفاري في طرق العالم، وتسكعي بين مدينة وأخرى، كنت أحمل إلى جانب قلمي، كاميرا، أو مجموعة كاميرات تلازمني في كل رحلاتي. في بداياتي الصحافية كنت متحمساً كأي صحافي شاب مندفع إلى توثيق تحقيقاتي بالصور التي ألتقطها. ولم أحترف التصوير الصحافي لأنني أدركت بعد سنوات من حمل «عدّة التصوير» التي هي مجموعة كاميرات وعدسات وأفلام مختلفة، أنني لا أصلح لهذه المهمة، لأنني لا أملك موهبة العين الثاقبة واليد الثابتة والبال الطويل. وقد حسمت هذه المسألة إثر حادثة وقعت لي أبان الثورة اليمنية في العام 1966.

كان ذلك في صنعاء في 28 أكتوبر من العام 1966، وبصدفة عجيبة كان عام مولدي التاسع والعشرين. في ذلك اليوم شهدت أول عملية إعدام بالرصاص في تاريخ اليمن، تحت راية الأمم المتحدة، في ميدان التحرير داخل سور صنعاء. فقد تمّ أمامي إعدام سبعة أشخاص هم الهادي عيسى ومحمد الرعيني وحسين الأهجري وحسين العواجي وعبد الحميد الرياشي وعلي محسن هارون ومحمد أحمد العميسي، وكلهم زعماء قبليون ووزراء ومسؤولون في حكومة الرئيس المشير عبد الله السلال الموالية للمصريين. وكان سياف الدولة من أيام الإمام يحمل المحكومين من مصفحة قريبة مكبلين بالسلاسل ويلقيهم على الأرض حيث كان النقيب سعيد ريحان يطلق النار عليهم من مدفع رشاش في الظهر أو في الرأس. أما التهمة فكانت الخيانة.

وكنت أنا الصحافي الوحيد الموجود فيما عدا ثلاثة صحافيين مصريّين حضروا خصيصاً لتغطية عملية الإعدام بطلب من الاستخبارات المصرية. كما أن السلطات المصرية صادرت الفيلم الذي صورته أنا وأتلفته، بينما سمحت للمصريين بالتصوير. وبعد الإعدام هجمت الجماهير على الجثث وسحلتها في الشوارع إلى مقر الجانب السعودي في لجنة السلام. ثم عُلقت الجثث على باب السور.

اهتزت الكاميرا كثيراً في يدي وأنا أصور ـ أو أحاول التصوير. كنت مرعوباً وخائفاً لا أعرف كيف أصوب الكاميرا بين زخات رصاص السيّاف والجثث المتراكمة أمامي والدماء تفور منها، وأنا على بعد خطوات منها. كنت قلقاً أفكر بالسبق الصحافي وكيف سأوصل هذه الصور إلى «النهار».

انتهت عملية الإعدام بأقل من ربع ساعة. ووسط هياج الجماهير المتفرجة، تقدم مني ضابط مصري له ذراع اصطناعية وطلب مني تسليمه الأفلام التي صورتها والكاميرا. وأتلف الأفلام أمامي وأعاد لي الكاميرا. وسألته عن اسمه فقال لي أنا العميد القاضي. ولما لاحظ أنني أمعن النظر في يده المقطوعة قال لي: لقد فقدتها قبل سنة هنا في حرب اليمن.

ولم أعرف إن كنت قد نجحت في تصوير عملية الإعدام إنما عرفت أنني خسرت السبق الصحافي. ولم تنشر صور الإعدام التي التقطها المصريون حتى الآن، ربما ما زالت محفوظة في ملفات حرب اليمن لدى الاستخبارات المصرية. وقتها فقط أدركت أن التصوير الصحافي ليس مهنتي.

هذا كتاب أسفار صحافي في الحاضر، وليس رحلة في الماضي. لكن الصحافي العربي القادم إلى آسيا وإفريقيا لا يستطيع الهرب من التاريخ. فلا يمكن فهم أو تفسير كل ما يقع اليوم من أحداث في هاتين القارتين، إذا لم يتم ربطه مباشرة بالتاريخ.

وليس هناك لمنطقة في العالم، كما لآسيا أو أفريقيا من ارتباط عضوي متصل وعميق بالتاريخ. فكل حدث فيهما، كبُرَ أم صَغُر، مردود باستمرار إليه. وكل حجر فيهما إذا قلبته، له حكاية. وكل وجه إذا حاكيته له رسم. حتى الرياح التي حملت إليهما التجارة، حملت معها التاريخ. ولا فكاك للكاتب العربي الزائر من السباحة في بحرين: بحر العرب وبحر الإسلام.

بهذه الحمولة بدأت رحلتا هذا الصحافي إلى آسيا الوسطى وشرق أفريقيا، في خريف 1992 وشتاء 1997. الأولى إلى سمرقند وبخارى وخوارزم، والثانية إلى نيروبي عاصمة كينيا ومنها إلى مومباسا وضواحيها على الساحل الشرقي من البلاد. ومن هناك إلى زنجبار. بعد زنجبار كان المسير إلى دار السلام عاصمة تنزانيا، وبعدها أروشا في الداخل الغربي لتنزانيا وبعد ذلك نحو سفوح جبل كليمينجارو ومنها إلى نيروبي طريقاً للعودة.

الصور التي حملتها كانت في مجملها قاتمة، وإن كانت جميلة ومحرّضة، وفي أحيان كثيرة، حزينة.

تنقلت في حياتي الصحافية، على مدى نصف قرن، بين مدن تاريخية ومدن خرافية، ووقفت على أطلال قلاع وهمية وفي ساحات ثورات مجهضة، ومررت بثكنات شهدت انقلابات فاشلة، وعبرت بوادي وواحات جفّت ينابيعها ومات نخيلها. كانت مهمتي أن أتنقل من لا مكان إلى كل مكان.

نقطة البداية

اليمن ـ تعز

الزمان: سبتمبر العام 1966

الدروب إلى اليمن في حينه كانت مقفلة، وكانت صعبة، وكانت طويلة. ولم أشعر في عمري بأن خيالي قد قصر مرة واحدة، إلا عندما وصلتُ تعز. لقد ردم الواقع، في لحظات، الهوة العميقة التي كانت تفصل بينه وبين الخيال. وقوض الحلم بصفعة واحدة.

النصف الثاني من القرن العشرين ـ ومن ضمنه حوالي أربع سنوات من قيام الثورة ـ لم يفتح أكثر من كوة صغيرة على اليمن. ولم تكن النافذة التي يطل منها اليمن على العالم إلا طائرة صغيرة قديمة من طراز »دي ـ سي ـ 3« كان قد اشتراها الإمام أحمد قبل أكثر من عشر سنوات، كانت في ذلك اليوم كل ما يسمى بالخطوط الجوية اليمنية.

وكانت هذه الطائرة اليتيمة تحمل المسافرين مرة أو مرتين في الأسبوع ـ حسب الظروف ـ من أسمرة في إثيوبيا إلى الحديدة أو تعز أو صنعاء؛ كيفما تيسر لها الركاب. فالسلطات البريطانية في الجنوب، كانت قد أغلقت الحدود مع اليمن من عدن، عقاباً لليمنيين أو للعدنيين على حوادث العنف المسلح ضدها. والأحباش أوقفوا الطيران الإثيوبي إلى اليمن، لخلاف الشركة الإثيوبية مع الحكومة اليمنية. والسفر من القاهرة في حينه كان غير مرخّص به، إلا إذا كان مهمة رسمية، بعد أن توقف الطيران التجاري بين القاهرة وصنعاء منذ أكثر من سنة. والحرب الأهلية مستعرة. ولم يبق في الميدان إلا «إير جيبوتي»؛ وهي عبارة عن طائرة قديمة من طراز «داكوتا»، وطيار فرنسي هرم من مخلفات حرب الهند الصينية، تطير في الأسبوع مرة من جيبوتي إلى تعز.

وكان على الصحافي القادم من بيروت أن يختار إما أن يطير من أسمرة على «اليمنية» أو من جيبوتي على «الجيبوتية». وركبت الطائرة اليمنية اليتيمة من أسمرة إلى صنعاء. وبعد ساعتين ونصف الساعة، هبطت الطائرة في صحراء الحديدة ـ أو مطارها كما قيل لي ـ لأن هناك ركاباً سينزلون في الحديدة. وأقلعت الطائرة من جديد بعد ساعة ولكن إلى تعز لا إلى صنعاء، لأن الركاب الباقين سينزلون في تعز، وليس هناك راكبٌ غيري يريد السفر إلى صنعاء.

إذن فلتكن تعز. ولتذهب صنعاء ـ ولو مؤقتاً ـ إلى جحيم وقت آخر. وهكذا كان: لملمت نفسي من بين الأمتعة التي تكدست مع الركاب في الطائرة، وقفزت من فوق سلال الخضار وصرر الثياب، ودخلت اليمن من الباب الوحيد المفتوح أمامي.

في الرقعة الصحراوية الكبيرة التي كانت ممتدة أمامي، التي اسمها تعز، وأمام مدخل بناء مظلم قديم من مخلفات العهد العثماني؛ يستخدم كمركز للأمن العام والجمارك، تذكرت أمين الريحاني.

فيلسوف الفريك

كان بيني وبين فيلسوف الفريك (الريحاني) حوالي 45 سنة، هو زار اليمن عام 1922، وأنا أزوره عام 1966. وإذا بيننا حوالي نصف قرن من الجمود، وكأن الزمن لا يتحرك، وكأن السنين لا تعني لأحد في اليمن شيئاً.

كنت قد حملت معي من بيروت «ملوك العرب»، كتاب أمين الريحاني الشهير عن رحلته إلى الحجاز واليمن وعسير والنواحي المحمية في أوائل العشرينات. ولم أكن قد قرأته من قبل. وبين بيروت وأديس أبابا وأسمرة وتعز، كنت قد أجهزت على الكتاب وعرفت اليمن من خلال صحافي ذكي «وريبورتر» قدير اسمه أمين الريحاني، لا فيلسوف الفريك. ولم أستطع أن أنسى أمين الريحاني طوال الأيام العشرة الأولى التي قضيتها في اليمن.

تعز عاصمة الجنوب والمدينة الكبرى المفضلة في كل اليمن. جبل «صبر» يطل عليها من فوق ويحاصرها وقد تغطّت قممه وجروده وسفوحه بشجر القات، حتى قيل إن القات الذي يأتي من «صبر» هو أفضل أنواع القات وأجوده.

ومن جبل «صبر» وعبر تعز ورّد اليمن القات أهم صادراته إلى عدن والجنوب اليمني. وكان أكثر ما يقلق العدنيين في حينه أن إغلاق الحدود قد حرمهم من القات اليمني الجيد، مما اضطرهم إلى استيراد القات الرديء والغالي من الحبشة. وكانت أشجار البن في يوم مضى تغطي كل هذا الجبل، عندما كانت زراعة القهوة أهم من «تخزين» القات.

ووطئت قدمي أرض اليمن ـ بل أرض الجزيرة العربية للمرة الأولى. وكانت بداية قصة الحب.

وكان لا بد لصنعاء أن تنتظر، ولو طال السفر.

ترى ماذا جاء يفعل صحافي من بيروت في تعز؟

هذا السؤال كان مرسوماً بوضوح على وجه ضابط الأمن وهو يقلب جواز سفري. فهو لم يسمع عن صحافي من لبنان جاء اليمن، إلا واحداً حضر لأيام قليلة بعد الثورة مباشرة عام 1962. فليكن، وعلى الرحب والسعة. واتسعت ابتسامة ذلك الوجه اليمني الصبوح وهو يختم جوازي.

كان الوقت ظهراً. وفي اليمن يبدأ الناس في التململ بعد الساعة الثانية عشرة ظهراً، مستعجلين انتهاء وقت العمل وبدء فترة الغداء ومن بعدها فترة «التخزين» أي مضغ القات، ليصاب كل شيء بالشلل في تلك الساعة.

حمل أمتعتي إلى التاكسي شاب في وسطه خنجر كبير، مما اضطرني أن أعطيه ما اعتقدت أنه أجر زائد.

ـ إلى أين؟ كان السؤال.

إلى الفندق، أم أن هناك أكثر من فندق واحد، كان الجواب.

ـ لا، «فندق الأخوة» فقط. إنه أحدث ما عندنا.

وأقلع التاكسي عبر الطريق المعبّد إلى تعز. ولاحظت أن السائق يمضغ شيئاً ويكوّره في فمه، ثم يشرب من زجاجة ماء إلى جنبه. وشعرت أيضاً بأنه بدا مستعجلاً وأن السرعة التي كان يسير فيها لا تنسجم كثيراً مع الطريق. ولم أكبت فضولي طويلاً فسألته، وقد بدت مشارف تعز أمامنا، عن السبب الذي يستدعي كل هذه العجلة. فتطلع إليَّ، وكنت إلى جانبه، وقال لي بمنتهى الجدية: إن الوقت قد تعدى الظهر وأن عليه أن يلحق حفلة «التخزين». ولم يزدني شرحاً. ولم أزده استيضاحاً.

وتطلعت ورائي. على امتداد أرض المطار الصحراوية في تعز كانت طائرات (الميغ) المصرية بألوانها الفضية تلمع في بريق الشمس. بعضها يطير، وبعضها يهبط بين خيام كثيرة وأكواخ خشبية كانت مبعثرة في كل مكان وكأنها تشكل بداية تكوين معسكر كبير. وكان لقائي الأول مع القوات المصرية في حربها الطويلة في اليمن.

على قمة جبل عال، حيث بدت تعز كأنها مدينة مصنوعة من الورق، كان يقبع «فندق الأخوة» مفخرة السياحة في اليمن ذلك الوقت. فهو الفندق الوحيد الذي فيه حمام ودوش. ولو كنت قد زرت اليمن قبل الثورة، لاضطررت أن أبقى في دار الضيافة، وهو عبارة عن بيت قديم لا تستطيع أن تغادره إلا بإذن الإمام.. فأنت سجين هناك برضا الإمام. فهو الذي يقرر مدة إقامتك وموعد سفرك. لذلك كان «فندق الأخوة» في تعز متعة الضيافة وقمة الحرية.

البحث عن المحافظ

كان همي الأول أن أبحث عن محافظ تعز. فهو المسؤول الرسمي الأول هناك. وكان محافظ تعز في تلك الأيام هو عبدالغني مطهر ـ لا أدري أين هو الآن ـ لقد أردت أن أمسك بأول خيط رسمي في اليمن. سألت عنه، فقالوا لي: في القصر. ألقيت حقائبي في الفندق وذهبت إلى القصر قبل أن تغلق الظهيرة أبوابه، وكنت أظن أن القصر قصراً. وإذا به بيتٌ قديمٌ من الطين أمامه عشرات اليمنيين المسلحين بالبنادق والمتمنطقين بأمشاط الرصاص والخناجر متحلقين حول راديو. تلك الأيام كانت أيام إذاعة «صوت العرب».

وسألت عن المحافظ، فقالوا لي: فوق. وصعدت إلى فوق وسط درج لولبي مظلم، ضيق وقذر. ولم أكد أصل إلى فوق وأرى النور من إحدى النوافذ حتى أخذت أشعر بأن صدري قد بدأ يضيق. كان المحافظ جالساً في غرفة ذات نوافذ واطئة وضيقة، وراء طاولة خشبية قديمة مغطاة بحرام أخضر وحوله عشرات من اليمنيين بكامل أسلحتهم متجمهرين حول طاولته وبأيديهم أوراق صغيرة يدفعونها كلهم معاً إلى المحافظ لتوقيعها.

ولفت نظري أن أكثر الأوراق مستطيل الشكل وأن الكتابة كانت في الجزء الأسفل من الورقة. ولما استوضحت ذلك فيما بعد، قيل لي إنها عادة من أيام الإمام، إذ كان لا يجوز أن يوقع الإمام على العرائض والطلبات تحت توقيع المواطنين. فكان يُترك الجزء الأعلى من الأوراق لتوقيع الإمام. وما زالت هذه العادة دارجة.

وظننت بادئ الأمر أن عبد الغني مطهر موظف بسيط. لكنه فاجأني بأنْ قدّم نفسه على أنه المحافظ. ولعل مفاجأة المحافظ بأنني صحافي قادم من لبنان كانت أكبر. لكن الظهر كان قد دهمنا وموعد «التخزين» أهم من حديث مع صحافي لو كان قادماً من لبنان، فإلى موعد في المساء.

إذا كان لا بد من صنعاء ولو طال السفر، فإن الطريق إلى صنعاء كان لا بد من أن يمر في الحديدة. حملتني الطائرة اليمنية القديمة نفسها إلى الحديدة بعد أيام. وكان فندق «الأخوة» الآخر ينتظرني هناك. وكان الحر لا يطاق، والتكييف اختراع لم يصل بعد إلى اليمن. والحديدة ذلك الميناء القديم على البحر الأحمر أحر مكان عرفته في كل أسفاري. وهناك رأيت وللمرة الأولى الناس تمشي في الشوارع وهي حاملة على أيديها مناشف صغيرة لتمسح بها العرق المنهمر طوال الليل والنهار.

وظلت صنعاء تلح. وكان الطريق بين الحديدة وصنعاء، الطريق المعبد الوحيد في كل اليمن. كان معجزة من البناء. وكان أقدم المشاريع الصينية في اليمن. بنته الصين في عهد الإمام عام 1960، مستخدمة لشقه وتخطيطه وتزفيته مهندسين ورؤساء ورش صينيين. إلا أن اليد العاملة كانت يمنية كما معظم مواد البناء. وخلال عملية إنجاز الطريق حصل حادث أودى بحياة أحد المهندسين الصينيين، فأقيم له ضريح على نسق «الباغودا» الصينية أصبح بمثابة محطة لكل خارج من صنعاء ولو متنزهاً.

والطريق بين صنعاء والحديدة كان يستغرق حوالي خمس ساعات. وكان على المسافر أن يصل إلى أي من البلدين قبل الساعة السادسة مساء، لأن السفر ممنوع بعد المغيب.

فالناس لم تتعود السفر ليلاً في اليمن والطريق غير آمن على الرغم من وجود عشرات المعسكرات المصرية على امتداده.

وبدت مشارف صنعاء بعمارتها المميزة وسورها القديم ـ الذي هدم للأسف فيما بعد ـ كأنها مدينة أسطورية لا يمكن أن تشاهدها إلا في رسوم الكتب القديمة المجنحة. كانت أجمل المدن. كانت تستأهل طول السفر. كانت تستحق الانتصار في الحرب.

ولأنني تمنيت أن تطول الأيام العشرة التي قضيتها في زيارتي الأولى لليمن، لم يكن أحد من الذين أردت مقابلتهم في صنعاء على عجلة من أمره. فالصحافي الذي جاء من بيروت ليكتب عن أخطر ما تتمخض عنه ثورة اليمن يستطيع الانتظار. ما وجه العجلة في الموضوع؟