إذا قدر للرئيس الأميركي جورج بوش أن يشن حرباً استباقية على إيران، فإن نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب الأميركي ستتحمل كامل المسؤولية الأخلاقية عن تلك الحرب.
ذلك لأن بيلوسي هي من وافقت بهدوء على إسقاط بند من مشروع قانون التمويل الذي يبلغ قيمته 100 مليار دولار والمتعلق بالعراق، وهو بند كان من شأنه أن يفرض على الرئيس بوش أن يسعى إلى نيل موافقة الكونغرس قبل شن أي حرب جديدة على إيران.
وقد جاء استسلام بيلوسي في لجنة المخصصات.
ما الذي حدث، ولماذا؟
كتب ديفيد إسبو وماثيو لي من وكالة أسوشيتد برس يقولان: «إن الديمقراطيين المحافظين إضافة إلى المشرعين القلقين من التأثير المحتمل على إسرائيل قد جادلوا من أجل إحداث تغيير في الإستراتيجية».
وقالت عضوة مجلس النواب الديمقراطي عن ولاية نيفادا شيلي بيركلي، في مقابلة معها إن هناك خوفاً جائحاً في إسرائيل فيما يتعلق بإيران، التي أعربت عن العداوة التي لا هوادة فيها للدولة اليهودية.
وذهبت إلى القول عن البند الذي تم إسقاطه إنه: ربما سيقصي أهم أداة لدى الولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بإيران.
وقال غاري أكيرمان من صحيفة نيويورك: «لا أعتقد أن فكرة القيام بإسقاط ذلك البند فكرة حكيمة إذا كنتم تحاولون جعل الناس يحسنون التصرف ويقومون بالتطبيع بطريقة متحضرة».
ويقول جون نيكولز من صحيفة ذا نيشن، إن قرار بيلوسي بإسقاط بند يمنع بوش من شن هجوم على إيران من دون الحصول على موافقة الكونغرس «يرسل أسوأ إشارة ممكنة إلى البيت الأبيض».
وكتب نيكولز يقول: «لقد أخطأت رئيسة مجلس النواب بصورة خطيرة ودراماتيكية. و زلتها الكارثية هذه من شأنها أن تطاردها هي والكونغرس لأعوام مقبلة».
ولا يبالغ نيكولز فيما ذهب إليه.
وإذ كان بوش يشن حرباً على إيران، فيمكنه القول بصورة يمكن تصديقها إن الكونغرس والديمقراطيين منحوه الضوء الأخضر. ذلك أن بيلوسي، عن طريق إسقاط بند يقول إن بوش لا يملك السلطة، لشن هذه الحرب، إنما تسلم بحكم الأمر الواقع بأنه يتمتع بهذه السلطة. وبوش وتشيني ليسا بحاجة إلى أن يساورهما القلق فيما يتعلق بالكونغرس.
فقد أعطيت لهما إشارة الانطلاق لشن حرب على إيران.
هكذا فإن بيلوسي وزملاءها أجهضوا جهداً من الحزبين كلاهما بذل لضمان أنه إذا ذهبنا إلى الحرب مرة أخرى، فإننا نقوم بذلك بطريقة دستورية، ونقوم بذلك معاً.
ليس هناك في ذلك البند ما كان من شأنه أن يمنع بوش، باعتباره القائد الأعلى، من الرد على هجوم إيراني أو الانخراط في مطاردة حامية الوطيس لعدو وجد في العراق. ولم يكن ذلك البند ليمنعه من تهديد إيران، لأنه كان سيفرض عليه المجيء إلى الكونغرس، قبل شن حرب شاملة.
والآن فإن بيلوسي، في الواقع، تركت لبوش السلطة الكاملة لتدمير المنشآت النووية الإيرانية. وهذا الأمر برمته يعود إليه وإلى تشيني.
ألهذا السبب انتخبت أميركا كونغرس ديمقراطي؟
كتب نيكولز يقول: «لماذا استسلمت بيلوسي»؟ الجواب: أنها كانت «تحت الضغط من بعض الأعضاء المحافظين من حزبها، ومن أعضاء جماعات الضغط المرتبطة بجماعات المحافظين الجدد الذين يريدون حرباً مع إيران ولجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية».
توافق صحيفة واشنطن على هوية من دفع نانسي بالترهيب إلى التخلي عن أي مطلب بوجوب مثول بوش أمام الكونغرس قبل إطلاق العنان لطائرات بي 2 للهجوم على آرك، وناتانز، وبوشهر.
قوبلت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب مؤخراً بعبارات الاستهجان عندما انتقدت المجهود الحربي خلال خطاب ألقته أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية ـالإسرائيلية، وأُرغمت القيادة الديمقراطية، رداً على المخاوف من المشرعين المؤيدين لإسرائيل، أن تسقط من مشروع قانون متعلق بالمخصصات العسكرية بنداً تم إعداده لإضعاف قدرة الرئيس بوش على الرد على التهديدات من إيران.
هذا الحدث، الذي في إطاره تخلى الديمقراطيون الليبراليون عن جهد من جانب الحزبين كليهما يطالب من بوش بالالتزام بالدستور قبل المضي بنا إلى حرب ثالثة في الشرق الأوسط، يفصح بجلاء عن هوية من له الموقف المسيطر في الكابيتول هيل، عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط.
تتلقى بيلوسي عبارات استهجان من قبل اللوبي الإسرائيلي، ومن ثم تعود مسرعة إلى الكابيتول هيل وتعطي بوش الضوء الأخضر لشن حرب على إيران، لأن هذا ما يطالب به هذا اللوبي.
وبالنسبة للمرشحين الرئاسيين، فإنه من الصعب إيجاد مرشح واحد يرغب بالوقوف والقول: إذا كان بوش يخطط للمضي بنا إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط، فإنه يتعين عليه أولاً أن يأتي إلى الكونغرس كي يحظى بالتفويض. وإذا ذهب إلى الحرب من دون هذا التفويض، فإن ذلك سيجعله مؤهلاً للعزل من منصبه.
يعود الجميع إلى تبني مقولة «كل الخيارات مطروحة على الطاولة»، وهي طريقة أخرى لقول:«إن القرار عائد إلى بوش».
إن الفساد الذي يستشري في كلا الحزبين مذهل. كان الجمهوريون عادة هم حزب الدستور ويهتفون: «لا حروب غير معلنة أخرى! لا حروب رئاسية أخرى!».
كان الديمقراطيون عادة هم حزب الشعب، والشعب لا يريد هذه الحرب. ولا يريد حرباً أخرى. لقد اقترعت الجالية اليهودية بنسبة 88 % للديمقراطيين في نوفمبر الماضي، و77 % منهم يعارضون الحرب في العراق.
هكذا يقول استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب. غير أنه لأن اللوبي الإسرائيلي هز سلسلته، فإن رئيسة مجلس النواب الأميركي خلصت إلى أنها وحزبها سيتركان الحرب المقبلة لبوش.
لا بد وأن سام رايبرن يتقلب في قبره الآن.
ترجمة: كوثر علي ـــ عن «أنتي وور»
