باتت الشواطئ في كاليفورنيا خالية من التدخين، وفي سنغافورة رفعت السلطات المعنية هناك الحظر الذي كان مفروضاً على استهلاك العلكة حتى يتمكن المدخنون من مضغ النيكوتين، بحيث أصبح موضوع التبغ والتدخين أحد الموضوعات الرئيسية في الأجندة السياسية لبلدان كثيرة خارج منطقة الاتحاد الأوروبي وداخلها. وفيما يلي محاولة لتسليط الضوء على واقع حظر التدخين في جميع أرجاء المعمورة، وذلك من خلال إلقاء الضوء على أهم التجارب التي تشهدها بعض البلدان.
في الأرجنتين ومنذ 40 عاماً خلت، تملك شركات التبغ متعددة الجنسية القول الفصل في تحديد المعايير الخاصة بالسيطرة على التبغ، علماً بأن الأرجنتين بلد لديه مصالح اقتصادية كبيرة في محصول هذه المادة وفي جمهور مستهلكيها، الذين بلغت نسبتهم في عام 2000 نحو 4 .40% من البالغين و2 .30 % من المراهقين. ومع ذلك، فإن تدخين السجائر ليس مسموحاً، منذ 1 أكتوبر 2006، في الأماكن العامة المغلقة في بوينس أيريس باستثناء المحلات التي تزيد مساحتها على 100 متر مربع والتي تخصص مناطق منفصلة خاصة بالمدخنين، فضلاً عن أنه منذ يناير 2007 لا يسمح بوضع إعلانات السجائر في الأماكن العامة بالعاصمة. وتعتبر أستراليا نموذجاً يحتذى به فيما يتصل بمبادرات محاربة التدخين وتقليص بقعة انتشار هذه العادة السيئة، إذ أن الإعلانات الخاصة بالتبغ محظورة وعلبة السجائر تكلف مستهلكها نحو عشرة دولارات وليس بالمستطاع التدخين في المطارات والمكاتب العامة والمطاعم والمراكز التجارية والصحية والأماكن العامة وحتى بعض الشواطئ.
ومنذ الأول من يناير 1995، يتعين أن تحمل هذه المنتجات الضارة تحذيرات باللونين الأسود والأبيض تشغل 25% من الجزء العلوي من الغلاف ومعلومات مفصلة تشغل 33% من الجزء الخلفي من علبة السجائر. كما أن هذا البلد وضع قيد التنفيذ مبادرات مختلفة ومبتكرة قد تجعل السيارات والبيوت أماكن خالية من التدخين. لكن وعلى الرغم من أن التدخين بات محظوراً في أماكن سيدني العامة وضواحيها، إلا أن المنطقة الجنوبية من البلاد لا تزال في انتظار تعميم تجربة الحظر هذه.
أما في بنغلاديش، فإن التدخين محظور في الأماكن العامة منذ 13 مارس الماضي والأشخاص الذين لا يلتزمون بهذا الإجراء ويدخنون مثلاً في المدارس والمكاتب والمكتبات والمستشفيات والمطارات فإنهم يعاقبون بدفع غرامة قدرها 50 تكا (حوالي نصف دولار) وهو مبلغ مرتفع مقارنة مع الأجر اليومي للعامل في مجال الزراعة الذي يقدر بنحو 60 تكا يومياً. كما أن هذا الإجراء يحظر الإعلانات الخاصة بالتبغ ومنتجاته في دور السينما والصحف والتلفزيون. وتقدر منظمة الصحة العالمية أن نصف الرجال في بنغلاديش وخمس النساء يستهلكون هذا المخدر بطريقة ما من طرق استهلاكه (التدخين، المضغ...).
وعلى الرغم من أن البرازيل هي ثاني منتج عالمي للتبغ، حيث تنتج أكثر من 658 ألف طن سنوياً، إلا أنها عرضت أمام مكتب الأمم المتحدة في نيويورك الأدوات اللازمة لتصحيح «معاهدة الإطار لمراقبة التبغ في منظمة الصحة العالمية»، لكن معارضة شركات صناعة التبغ وضغوط مزارعي التبغ قد حالت، حتى الآن، دون أن يقر مجلس الشيوخ هذه المعاهدة، علماً بأن علب السجائر في هذا البلد تحمل تحذيرات كبيرة الحجم حول مخاطر التدخين.
وفي بلغاريا، فإن استهلاك التبغ ممنوع في المستشفيات والمدارس والمتاحف والمراكز والمسارح وسائقي الحافلات وسيارات الأجرة لا يستطيعون التدخين أثناء العمل والمكاتب يجب أن تحتوي على صالات خاصة بالمدخنين. وفي 17 ديسمبر الماضي لمع نجم مملكة صغيرة مجاورة للهند تدعى بوتان عندما فتحت ثغرة في كتاب الشهرة بجعل نفسها أول بلد في العالم يمنع بشكل كلي بيع التبغ ومنتجاته وإمكانية التدخين علناً، بحيث يبدو أن مواطني بوتان لا يستطيعون التدخين إلا في بيوتهم وإذا ما أرادوا تصدير التبغ فيتعين عليهم دفع ضريبة 100%.
كندا لديها أدنى معدلات التدخين في العالم، فلقد بينت دراسة أجريت عام 2002 أن 21% من الكنديين الذين تزيد أعمارهم على 15 عاماً يدخنون وتعتمد على تعليمات صارمة في أماكن العمل وفي معظم الأماكن العامة وفي عام 2001 ألزمت السلطات الكندية شركات صناعة التبغ بوضع تحذيرات مصحوبة بالصور على علب السجائر على أن تشغل 50% من الجانب الأمامي والخلفي، وبذلك شكلت كندا أحد البلدان الطليعية في هذا المضمار وحالتها تصلح مثالاً لبقية البلدان، فضلاً عن أن ثماني محافظات، على رأسها بريتش كولومبيا، تتهيأ لرفع دعاوى قضائية على شركات التبغ أمام المحاكم.
كوريا الجنوبية قدمت نموذجاً فريداً من نوعه عندما قام المنتسبون إلى وزارة الصحة في أبريل 2005 بالتعهد بعدم العودة إلى التدخين، فضلاً عن أن الوزارة افتتحت مستوصفاً يقدم المعالجة مجاناً، ومن الجدير ذكره أن هذا البلد لديه أعلى معدل من المدخنين بين بلدان منظمة التعاون والتطوير الاقتصاديين، إذ تبلغ نسبة المدخنين من الرجال فيها 62%، كما أنه يعتبر من أكثر البلدان التي فيها محلات صغيرة لبيع السجائر في العالم، محل واحد لكل 319 شخصاً، علماً أن الحكومة قد أقرت معاهدة الإطار الخاصة بمحاربة التدخين التي ترعاها منظمة الصحة العالمية.
بالنسبة إلى كوبا، التي تعتبر أشهر بلد ينتج السيجار في العالم، فإن الوضع لا يختلف كثيراً، حيث حظرت السلطات المعنية منذ 6 فبراير الماضي التدخين في الأماكن العامة المغلقة، بما فيها المكاتب والمسارح وحافلات نقل الركاب وسيارات الأجرة والقطارات والمدارس ومناطق معالجة الأغذية والملاعب، فضلاً عن أنه يحظر بيع السجائر للأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 16 عاماً.
من جهتها، أعلنت الصين في أغسطس 2005 عن إقرار معاهدة الإطار ومنعت بيع التبغ ومنتجاته عن طريق آلات بيع السجائر، لكن في مقابل ذلك، فإن مدينة شنغهاي تعتبر أكبر متحف للتبغ في العالم. ولقد حاصرت الصين، من جانب آخر، الاستثمارات الأجنبية الجديدة متذرعة بوجود حالة إشباع تجارية، ومع ذلك فإن هذا البلد الذي يباع فيه 8 .1 مليار سيجارة سنوياً يسمح بأن تتعاون أمم أخرى في تحسين تقنيات استغلال ورقة التبغ واستيرادها، مثل ورق السجائر ومواد أخرى.
أما في حالة الولايات المتحدة، فإن ولاية كاليفورنيا أصبحت في يوليو 1998 أول ولاية خالية من الدخان وفيها الآن أشد تشريعات محاربة التدخين صرامة وأعلاها تكلفة في العالم والتي تمنع التدخين حتى في السجون، مثلما هو محظور في المطاعم والحانات والأماكن المغلقة وبشكل عام داخل المحلات. وكذلك على الشواطئ وفي الشوارع يستطيع المدخنون إشعال سجائرهم فقط إذا كانوا على بعد ستة أمتار على الأقل من أي مبنى عام.
ومنذ يناير 2005 يحظر التدخين في المتنزهات في سان فرانسيسكو، فضلاً عن أن كاليفورنيا كانت أول ولاية تعلن أن دخان السجائر في البيئة هو عنصر مسمم للهواء. وفي نيويورك يحظر التدخين في الحانات والنوادي الليلية والمطاعم منذ مارس 2003 والضريبة على السجائر ارتفعت هناك بشكل ملحوظ، ولقد أثرت جميع هذه المبادرات في معدل الاستهلاك بين جمهور الأشخاص البالغين، الذي انخفض إلى 11% بين عامي 2002 و2003.
وبالإضافة إلى كاليفورنيا ونيويورك، فإن هناك العديد من الولايات الأخرى الخالية من الدخان، كما تجري الآن محاولات في واشنطن وأماكن أخرى لمحاصرة استهلاك السجائر في الشارع، ويعتبر حظر التدخين في السيارات التي يسافر فيها صغار السن إحدى المبادرات المشجعة التي تحظى بشعبية كبيرة في العديد من الولايات.
ما عرضنا له آنفاً لا يشكل إلا جزءاً من المبادرات المبتكرة في بلدان العالم المختلفة، وذلك على طريق تحقيق طموح ربما يبدو الآن خيالياً وهو أن يعيش الإنسان كل إنسان وفي أي مكان بعيداً عن آفة التبغ ومنتجاتها الضارة.
ترجمة: باسل أبو حمدة

