أكد وزير الخارجية الإيراني منوشهر متقي أن بلاده لا تفضل خيار المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة، غير أن واشنطن ليست في وضع يسمح لها الآن بشن أي عملية عسكرية قد تدفعها إلى أزمة جديدة مع دافعي الضرائب الأميركيين، على حد تعبيره.
وفي حوار أجرته معه مجلة «دير شبيغل» الألمانية مؤخرا، قال متقي إن التاريخ يثبت دائما صحة وجهة نظر إيران في التعامل مع القضايا الخارجية، مؤكدا أن بلاده تنظر إلى تخصيب اليورانيوم، باعتباره حقا لا يمكن التخلي عنه. وتطرق الحوار إلى المفاوضات التي دارت بين طهران وواشنطن في العراق والتي وصفها متقي بأنها كانت جيدة بشأن الملف العراقي إلا أن هناك أمورا غير قابلة للحل حتى الآن متعلقة بالملف النووي الإيراني. وفيما يلي جانب من الحوار:
* تتزايد المخاوف في كل أرجاء العالم من إمكانية أن يتفاقم الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران حول برنامج طهران النووي ليتحول إلى صراع مسلح جديد. هل يخالجك الشعور ذاته بالقلق؟
ـ هناك صراع قائم بين طهران وواشنطن منذ 28 عاما. فلتنظر إلى الحرب في العراق وإلى المنهجية الأحادية التي تتبعها الولايات المتحدة. وقد ثبت أن نظرتنا للأمور هي التي يمكنها أن تسود حتى في بعض أجزاء من الولايات المتحدة نفسها.
ونحن الآن قد جلسنا للتفاوض على مائدة واحدة مع الولايات المتحدة في بغداد وتمثلت إحدى رسائل هذا الاجتماع في الآتي: هناك سبل سياسية ودبلوماسية للخروج من الأزمة، وأنه لا يوجد حل عسكري لها. وعلى الرغم من ذلك هناك بعض الخلافات غير القابلة للحل عندما يرتبط الأمر بالصراع حول برنامج إيران النووي.
* أليس من الخطأ أن تستهينوا بإصرار الولايات المتحدة؟ لقد مر صدام حسين بمثل هذا الأمر ورآه رأي العين.؟''
ـ نحن لا نستهين بالولايات المتحدة ولا نستهين بالشعب الإيراني.
* هل هذا يعني أنكم ستكونون مستعدين لهجوم على منشآتكم النووية؟
ـ الولايات المتحدة ليست في وضع يسمح لها بالدخول في أزمة أخرى مع دافعي الضرائب الأميركيين. بالتأكيد أوضح الأميركيون أكثر من مرة أنهم يبقون على جميع الخيارات مفتوحة. ونحن منذ البداية قد أعددنا أنفسنا للحل التفاوضي وكذلك للمواجهة. وبالطبع نحن نفضل الخيار الأول. فنحن نكره الحرب. ولكننا في الوقت ذاته نرى المقاومة باعتبارها التزاما من جانبنا.
* هل يعتبر برنامج إيران النووي مهماً لدرجة تجعلكم تخاطرون بالدخول في حرب من أجله؟
ـ كل دولة في العالم لديها أهدافها وينبغي أن تكون قادرة على تحقيق تلك الأهداف. في 5 مارس 1957، أي منذ 50 عاما بالتحديد، قمنا بتوقيع اتفاقية مع الولايات المتحدة تمنحنا حق إنشاء مصانع طاقة نووية. أول عبارة في هذه الاتفاقية تنص على أن الاستخدام السلمي للطاقة الذرية يمثل أحد الحقوق الأساسية لأي دولة في العالم. ونحن ننظر للأمر باعتباره حقا لا يمكن التفريط به.
* المجتمع الدولي كان بالتأكيد يمكن أن يصدق ما تقولونه لو لم تكن إيران قد خدعت مرارا وتكرارا مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من قبل.؟
ـ بالتأكيد هناك بعض قضايا متعلقة بالماضي لا تزال بلا إجابات. وعلى الرغم من ذلك فإن عملنا الحالي الخاص بالبرنامج النووي يتسم بالشفافية التامة. فليست هناك بالفعل أي تجاوزات متعلقة بالبرنامج. ولكن هناك بعض المخاوف المرتبطة بالمستقبل. نحن مستعدون للإجابة عن أية أسئلة إضافية تتعلق بالماضي وسنقدم كل التطمينات والضمانات لما يمكن أن ينشأ من مشكلات في المستقبل.
* حق الفيتو في الأمم المتحدة لا يبدو أنه يحتل جزءا من هذه التطمينات. فهم يؤيدون العقوبات.؟
ـ كل دولة عليها التزام يتمثل في احترام قرارات الأمم المتحدة. غير أن مجلس الأمن لا ينبغي له أن يعرض شرعيته للخطر من خلال القيام بسلوك غير قانوني أو الانصياع لضغوطات تمارسها بعض الدول الأعضاء. هناك سابقة تاريخية في هذا الصدد. إن إيران بصدد استكمال تأميم صناعة النفط لديها. وقد كانت بداية عملية التأميم عنوانا لأحد نقاشات مجلس الأمن منذ 50 عاما.
حيث كان يُرى هذا التأميم بوصفه تهديدا على الأمن والاستقرار في تلك الآونة، الأمر الذي كان سخيفا بالطبع. وفي الصراع النووي، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن يتعلق بنوعية الجرم الذي بسببه يمكن لإيران أن تعاقب. إن تخصيب اليورانيوم هو أحد الحقوق الجوهرية لأي دولة في العالم.
* هل يمكنكم التفكير في المفاوضات الخاصة بنقل تخصيب اليورانيوم إلى دولة أخرى، باعتباره أحد أشكال التسوية؟
ـ إذا نظرنا إلى تاريخ المعاهدات مع الدول الأخرى، سيتملكنا شك كبير حيال هذا الأمر.
* هل تلمح هنا إلى رفض روسيا الحالي مدكم بالوقود الخاص بعمل مفاعل بوشهر؟
ـ لا يمكننا أن نستثمر مليارات الدولارات في مفاعلاتنا النووية ثم نعتمد على مساعدة دول أخرى كي تأتي لتمدنا بالوقود.
* كيف ترى الحل لهذا الصراع؟
ـ أولا يجب أن يتم توضيح شكل الطريق المؤدية إلى المفاوضات. فإذا حدث وأحال مجلس الأمن عملية التعامل مع برنامج إيران النووي إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية مرة أخرى، فإننا بدورنا يمكننا إحالة المصادقة على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي إلى البرلمان...
* ..... ما يعني السماح لمفتشي الوكالة بالقيام بعمليات تفتيش في أي وقت؟
ـ يحدث هذا فقط في حال سحب الملف من مجلس الأمن. الخطوتان يجب أن تتما في وقت واحد وذلك على الرغم من أننا نشك في أن أمرا كهذا يمكن أن يحدث، إلا أننا سننظر إلى مثل تلك الخطوات باعتبارها محاولة لبناء جسر بين موقفي الطرفين.
* ولكن طهران تفكر أيضا في وقف صادرات النفط إلى الغرب في حال فرضت عقوبات جديدة عليها. فهل ستستخدمون النفط كسلاح؟
ـ تأمين الحصول على ما يلزمنا من طاقة هو أمر يمثل دائما عنصراً رئيسياً في سياساتنا.
*لقد ألغى الرئيس الإيراني زيارته إلى الولايات المتحدة لحضور جلسة مجلس الأمن في نيويورك. هل تملكك شعور داخلي بالراحة جراء هذا الأمر؟
ـ لماذا؟ لقد كان حديث الرئيس الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بناءً للغاية. فقد اقترح أن تقوم حكومات أو شركات خاصة من دول أخرى بالاستثمار في البرنامج النووي الإيراني.
* هل يمكن أن يكون هناك برنامج نووي بهذه الشفافية؟
ـ أنت تتحدث عن بناء جسور ولكن بسبب ما يدلي به من أحاديث نارية فإن الرئيس الإيراني الآن يشتهر بأنه يدمر تلك الجسور.
* يحدث أيضا أننا نواجه تصريحات على لسان هؤلاء ممن ينكرون حقنا في استخدام الطاقة النووية تحت أي ظروف.؟
ـ نحن نرى مثل هذا الأمر باعتباره محاولة لتجريدنا من حق أساسي لا يمكن التخلي عنه، وهذا هو الثمن الوحيد الذي لن ندفعه على الإطلاق. فرئيسنا دائما يدعم الحوار.
ترجمة: حاتم حسين ــ عن «دير شبيغل»
