حاجتنا ماسة إلى الكوادر العلمية القادرة على مواكبة التغيير والتطور العلمي والتقني الذي يتسابق مع الزمن لدرجة يصعب معها التنبؤ بما هو آت، وهو ما يدعو مناهجنا وطرائقنا العلمية والتربوية إلى إيجاد طالب كوكبي التكوين، يمتلك مهارات البحث العلمي، ويطلع على مختلف علوم عصره.

من أجل ذلك يحتل المعلم موقعا متميزا بين العناصر الفاعلة المؤثرة في بناء شخصية المتعلمين وإعدادهم للمستقبل، فيما يجري في عصرنا الراهن من تداول مفاهيم اقتضاها التطور الحديث في مختلف الحقول لاسيما منها العلم والطب والتكنولوجيا والتربية بما فيها من مفاهيم جديدة وقديمة تعبر عن ممارسات وأساليب حديثة في العمل التربوي. من هنا تنبع أهمية ما انتهت إليه ثانوية محمد بن راشد آل مكتوم في دبي من إعداد كتاب تصدره قريبا حول دراسات في أساليب التعلم ومصطلحاته لمساعدة الميدان التربوي لتغيير بعض أساليب التعلم في مدارسنا وتطوير بعضها الآخر، تتيح به للمعلم فرصا حقيقية للابتكار والبحث والتجديد في عمله، واكتساب مهارات العصر، وللطالب فرصة اكتشاف إمكاناته وقدراته الذاتية وبذلك يتنوع التعليم بعيدا عن الشكل التقليدي ويمضي نحو أنواع من التعليم تستجيب بصورة أسرع للحاجات الجديدة بحسب مؤلف الكتاب محمد صبري أحمد مدرس الرياضيات بالمدرسة.

من بين الأساليب كما يذكر الكتاب «استراتيجية فن السؤال» حيث يتوقف نجاح الحوار بين قطبي العملية التعليمية على مضمون أسئلة المعلم وطابعها، لأن سؤاله هو المحرك المهم في عملية التعليم، والسؤال الناجح يتطلب مهارة في اختياره وصياغته وإلقائه بصورة شائقة تجذب انتباه الطلبة وتحرك تفكيرهم، كما يتطلب المهارة والذوق ومعرفة ميول المتعلمين وقدراتهم، ما يستلزم توافر بعض الشروط في السؤال ليكون الحوار جيدا، ومنها أن يكون واضحا موجز الصياغة، وأن تكون ثمة علاقة منطقية بين السؤال المطروح وما سبقه من الأسئلة من جهة ومع الموضوع من جهة أخرى، لتشكل أسئلة المعلم نظاما متكاملا يكفل سير الدرس في توافق وسرعة متناسبين مع مدارك الطلبة ومعارفهم وقدراتهم،

وان يستلزم الجواب عن السؤال جهدا وإعمال فكر، وأن يطرح المعلم الأسئلة على طلبته جميعهم دون استثناء، ثم ينتقي منهم واحدا بهدف إتاحة الفرصة أمامهم ليشغلوا أذهانهم ويفكروا بالجواب، وأن يكون السؤال محددا من حيث المضمون والشكل، ويثير لدى المتعلمين فكرة واحدة أو يثير أفكارا عامة متقاربة، تقود بدورها إلى جواب متوقع، ومن هنا يجب أن يصاغ السؤال بلغة سليمة ويلقى بلهجة مناسبة، وألا يحتمل أكثر من تأويل واحد حتى لا تكون له أكثر من إجابة واحدة. وان يوزع المعلم الأسئلة على الطلبة عشوائيا، ليقضي على الجيوب السلبية غير المشاركة في النشاط التعليمي، ويبقى الطلبة مشدودين إلى الدرس، وبهذا يكفل تفاعلا بين طرفي العملية الرئيسيين، الطلبة والمعلم، فيما يجب أن يلقي المعلم السؤال على طلبته مظهرا ثقته بقدرتهم على الإجابة مشجعا على التفكير ومستنهضا همتهم.

التفكير المنطقي

ومن بين أساليب التعلم «التعلم بالاكتشاف» الذي تتجلى أهميته من خلال فوائد عدة منها: مساعدة المتعلم في تتبع الدلائل وتسجيل النتائج حتى يتمكن من التعامل مع المشكلات الجديدة، إلى جانب ما يوفره له من فرص للتوصل إلى استدلالات باستخدام التفكير المنطقي سواء أكان استقرائيا أم استنباطيا،

والتشجيع على التفكير الناقد والعمل على المستويات العقلية العليا كالتحليل والتركيب والتقويم، وتعويد المتعلم على التخلص من الاستسلام للآخر ومن التبعية التقليدية، وإتاحة اكتشاف المعلومات، والمساعدة على تنمية الإبداع والابتكار، وزيادة رغبة الطالب بالتعلم من خلال ما يوفره من تشويق وإثارة يشعر بها المتعلم أثناء اكتشافه المعلومات بنفسه.

وثمة عدة طرق تدريس لهذا النوع من التعلم حسب مقدار التوجيه الذي يقدمه المعلم إلى طلبته منها: الاكتشاف الموجه، والاكتشاف شبه الموجه، والاكتشاف الحر.

دور المعلم في عملية التعلم بالاكتشاف تكمن في تحديد المفاهيم والمبادئ التي سيتم تعلمها وطرحها في صورة تساؤل أو مشكلة، وإعداد المواد التعليمية اللازمة لتنفيذ الدرس، وصياغة المشكلة على هيئة أسئلة فرعية تنمي مهارة فرض الفروض لدى المتعلمين، وتحديد الأنشطة أو التجارب الاكتشافية التي سينفذها المتعلمون، وتقويم المتعلمين ومساعدتهم على تطبيق ما تعلموه في مواقف جديدة.

ويجب أن يضع المعلم في حسبانه العوامل ذات الصلة بالموقف أو المشكلة قبل أن يقرر استخدام هذه الطريقة أو تلك نظرا لأن بعض المبادئ قد تكون معقدة إلى درجة تكون فيها طريقة الاكتشاف فيها غير فعالة، ويهتم بإجابات الطلبة واقتراحاتهم غير المتوقعة،

ويتيح لهم فرصة التأكد من صحة استنتاجهم أو اكتشافهم بالتطبيق، كأن يقول لهم: إن هناك ميزتين للتعلم بالاكتشاف، هما: امتلاك قدرة أكبر على استعادتها، ومن الممكن تحقيق هذين الهدفين على نحو أفضل، إذا ما استخدمت المعلومات بعد أن يكتشفها الطلبة مباشرة.

تصنيف وتمييز

وإجمالا فدروس التعلم بالاكتشاف تزيد من قدرة الطلبة العقلية ليصبحوا قادرين على النقد والتوقع والتصنيف والتمييز، وهذه القدرة تساعدهم على استعمال أساليب البحث والاكتشاف، وبالتالي تؤثر ايجابيا في نواح أخرى من حياتهم وتزيد من شغفهم بالتعلم نتيجة الحماس الذي يعيشونه أثناء البحث.

الكتاب أشاربين صفحاته إلى أن تنمية الإبداع تتطلب التدريب والتعليم وإتاحة الفرص للتعلم تتطلب بيئة تعليمية تتسم بالحرية والتسامح والبهجة،حتى يسمح للطلبة بتفسير الملاحظات وتكوين الفروض والوصول إلى نتائج جديدة واستدلالات واقعية من خلال الحوار والنقاش والبحث واكتشاف علاقات جديدة بين الأفكار وتحويلها إلى أحداث مهمة وتقديم مقررات الدراسة على شكل مشكلات تعليمية تتطلب حلولا متنوعة وإعطاء الطلبة فرصا للتفكير

فيما يصادفهم من مشكلات وتشجيعهم على طرح الأسئلة وحثهم على النشاط التعاوني والمناقشة والحوار والنقد واحترام الأفكار الجديدة وتشجيعهم على الاستقلالية وتوفير جو خلاف مبدع والاهتمام بتطبيق ما يدرسونه من معلومات وظيفية واعتبار المكتبة محور النشاط التعليمي ومركز التعلم واعتبار الكتاب المدرسي أحد مصادر التعلم وتوسيع العناية بمختلف أنواع الأنشطة والسماح بالاختلاف في الرأي وتأويل النص واستخدام المجاز والخيال الابتكاري.

والتربية للإبداع كما يرى مؤلف الكتاب مناسبة لكل الطلاب على اختلاف مستوياتهم التعليمية، والتعليم قد يطلق سلوك الطالب الإبداعي، وقد يخمده، فالتعلم للإبداع يشعره بالمشكلات عند جمع المعلومات وإعادة تركيبها بطريقة تساعده على تحديد الصعوبات والتعرف إلى بعض العناصر المفقودة والبحث عن الحلول المتنوعة ووضع التخمينات وجمع المعلومات وصياغة التعبيرات وصولا إلى الأهداف المنشودة.

وهنا لابد للمعلم من ربط جديد الخبرات وقديمها معا وتحديد المراجع والمواد التعليمية التي تساعد في تنفيذ مواقف التعلم والاستفادة من إمكانات المؤسسة التعليمية والموارد المتاحة والجهود الذاتية وإسهامات الآباء والمجتمع المحلي، وتساعد في ممارسة الأنشطة داخل المعامل والملاعب والمكتبات على أن تتاح الفرص أمام كل طالب للتعلم في حرية مسؤولة،

وتتنوع أسئلة الاختبارات لاسيما امتحان الكتاب المفتوح، وتعرض المادة على شكل مشكلات ليس لكل منها حل واحد، ويشجع الطلاب على التجريب والمرونة والتخيل، واستثارة المتعلمين باستمرار واتقان مهارات التفاوض وثقافة الحوار وسيادة العلاقات الإنسانية الحميمة داخل قاعات الدرس.

الاستفادة من التعليم الافتراضي

مؤلف الكتاب يعتقد أنه علينا النظر في إمكانية الاستفادة من التعليم الافتراضي في مختلف المراحل الدراسية، مشيرا إلى انه إذا نظرنا إلى مستوى التعليم في المرحلة الثانوية مثلا نجد أن هذا النوع من التعليم يمكن استثماره مكملا للتعليم الاعتيادي حيث نجد أنه من الممكن ترتيب فصول افتراضية للطلاب ذوي الإعاقة الجسدية ممن لا يتمكنون من الإتيان للمدرسة يوميا، وترتيب فصول أخرى للطلاب المنتظمين على مستوى الدولة لمراجعة المواد العلمية بعد كل فصل دراسي.

وتساءل: لماذا لا تكون هناك مكتبة افتراضية مشتركة لجميع مدارس الدولة، ولماذا لا تكون هناك أدوات تقنية تربط المدارس معا ليستفيد منها الطلبة جميعهم؟، مرتئيا أنه على مستوى التعليم الجامعي ليس لمجالات الاستفادة من التعليم الافتراضي حدودا، فإذا ما طرحت الجامعات العربية برامج لنيل الشهادات العلمية عن طريق التدريب الافتراضي أتاحت الفرصة للشباب العاملين لاستكمال دراستهم والحصول على درجة علمية دون أن يتركوا وظائفهم أو يسافروا إلى مقر الجامعة.

فصول عالية التقنية

تطوير الفصل الدراسي يحتل اهتماما واسعا من فعاليات التعليم الحر كما يعرض الكتاب، لافتا إلى أن من أهم الأساليب المطروحة في هذا المجال استخدام الفصول عالية التقنية،وitech class room وهي قاعات مزودة بوسائل تكنولوجية عالية كأجهزة الحاسوب المتصلة بشبكة الانترنت وشاشات عرض ودوائر تلفزيونية مغلقة أو متصلة بالأقمار الصناعية، تتيح للمحاضر إلقاء محاضرته وهو في مكتبه ليستمع إليها كثير من الطلبة في عدة أماكن مختلفة في الوقت نفسه، كما تمكن من عقد مؤتمرات الفيديو بين الفصول المتناظرة في جامعات أو مدارس مختلفة.

فالطالب الذي هو الهدف الرئيس للعملية التعليمية لم يعد ذلك الطالب النظامي بمفهومه التقليدي، بل تجاوزه إلى مفهوم اعم وأشمل، فالتعليم الحر يهدف إلى توسيع قاعدة متلقي العملية التعليمية، لتشمل مختلف الفئات وذلك بترسيخ قاعدة التعليم المستمر

يحيى عطية