هل حقا مات الجنرال أوغستو بينوشيه؟ فعلى الرغم من أنه ما من شك بأن جسده، الذي شبع موتا، لم يعد يدنس بتنفسه هواء بلادي، إلا أني أخشى من ألا تمحى صورة الطاغية، الذي أساء حكم تشيلي طوال ما يزيد على ثلاثين عاما، من هذه الأرض أبدا.
وحتى تطرد روحه الشريرة نهائيا، فإن الضرورة كانت تقتضي أن يشمل ذلك كل عملية من عمليات التعذيب والاختطاف والسرقة والقتل التي لا تعد ولا تحصى والتي ستلاحقه في المحاكم التشيلية وأن يجبر بينوشيه على النظر، مرة تلو الأخرى، في وجوه أقارب الرجال والنساء الذين جعلهم في عداد المفقودين وأن تخف بطريقة أو أخرى وطأة الألم المضاعف والمتعذر إصلاحه الذي أنزله بالناس.
كما كانت تقتضي الضرورة أن يبقى الطاغية في دائرة الموت وذلك أفضل من أن يبكي موته ثلث متواطئ وعنيد وشمولي من سكان تشيلي ويذهب بعيدا إلى حد المطالبة بحداد وطني وأن يظل وحيدا وباردا في حضرة الموت مأسوفا عليه فقط من قبل أقرب أقربائه وأعز أصدقائه.
لكن الريبة والتأثير اللذين لا يزالان يحدثهما هذا الطاغية الميت بشكل افتراضي حتى بعد موته قد شوها إلى حد كبير الفطرة السليمة للجمهورية وتمكنا بالطريقة ذاتها من التشويش على أخلاق السياسيين التشيليين ودفع الحكومة التشيلية إلى اتخاذ قرار غير مشرف ومخزٍ بأن تشارك وزيرة الدفاع فيفياني بلانلوت بشكل رسمي في مراسم التشييع.
علما بأننا نتحدث عن وزيرة في حكومة ترأسها امرأة تدعى ميشيل باشليه، التي كان الجنرال الطاغية قد سجنها وأدخل الرعب إلى قلبها وقتل والدها. نتحدث عن وزيرة دفاع في تشيلي ديمقراطية تشارك في إلقاء التحية على إرهابي دولي قضى على ثلاثة وزراء دفاع في حكومة سلفادور الليندي، على الرجل الذي قتل خوسيه توها في سجن تشيلي وأورلاندو ليتيلير في شارع في واشنطن والقائد الأعلى للجيش التشيلي كارلوس براتس غونزاليس في حي مهجور في بوينس أيريس.
لكن على الرغم من إشارات بقائه غير المطمئنة هذه وجبروت الجنرال الذي يصل إلى ما هو أبعد من موته، إلا أني أشعر بأن شيئا قد تغير بشكل جوهري في البلاد. ذلك الشيء تعرفه آلاف مؤلفة من التشيليين الذين احتفلوا بطريقة عشوائية بنبأ مغادرة الجنرال بينوشيه لهذا العالم كما لو أن الأمر لا يتعلق بحالة انقراض، وإنما بحالة ولادة .
أولئك الناس، الذي رقصوا في شوارع سانتياغو رددوا كلمة واحدة بلا انقطاع وهي كلمة شبح . ذهب الشبح، هكذا قال أحد الرجال وهكذا قالت امرأة أخرى وهمس بها البعض وآخرون والجميع. الشبح.. الشبح ،لا لم يعد شبح بينوشيه يخيم علينا، كما لو أن ألف شيطان من شياطين المصائب كانوا قد كنسوا من أرض الوطن،
كما لو أننا فهمنا أنه لم يعد هناك مزيد من الخوف ولا مزيد من مروحيات الليل ولا مزيد من الأشباح القذرة والمدنسة. بالنسبة لأولئك المحتفلين وغالبيتهم من الشباب هناك شيء قد تحطم إلى الأبد في اللحظة التي توقف فيها عن الخفقان قلب أوغستو بينوشيه الداكن وغير التائب.
فلقد أمضوا حياتهم ولقد أمضينا حياتنا ونحن نتخيل هذه اللحظة وهذا اليوم الذي تتراجع فيه حلكة الليل ويبقى الوطن نظيفا. تلك اللحظة التي لا نستطيع فيها تحميل الطاغية المسؤولية عن كل ما يسير على نحو سيئ وكل ما يتقوقع وكل ما هو محزن ومخيب للآمال. تلك اللحظة التي لم يعد لدينا بعدها بينوشيه كأفق منحرف وفاسد.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ربليون»
