أكد رئيس الوزراء الفرنسي دومينيك دو فيلبان في حوار أجرته معه صحيفة «فاينانشيال تايمز»، مؤخرا، أن الولايات المتحدة الأميركية لن تستطيع بمفردها التعامل مع المشهد العراقي بعد التدهور الشديد الذي آل إليه الوضع هناك على حد تعبيره. وقال إن العالم لم يعد يعيش حقبة زمن القطب الواحد لأن هناك أشياء كثيرة تستطيع دول أخرى إنجازها بشكل أفضل من الأميركيين، وفيما يلي مقتطفات من الحوار:

* ما الذي يجب فعله حيال الموقف في العراق؟

ـ نحن أمام لحظة فارقة على المسرح الدولي. نحن لسنا في حقبة القطب الواحد وفي الوقت نفسه لم ندخل بشكل كاف في الحقبة متعددة الأقطاب، وذلك ببساطة لأننا لا نملك الوسيلة اللازمة لوجود إدارة دولية حقيقية يمكن من خلالها التوصل إلى عمل دولي يخدم السلام والعدل والتنمية. إنه أمر جد عاجل أن يتفهم الجميع هذا الأمر الذي يتمثل في أن هناك أمورا لا تستطيع الولايات المتحدة أن تفعلها وحدها وربما هناك أشياء يستطيع غيرها فعلها بشكل أفضل منها. ففي بعض الحالات يتبين أن مسألة وجود إدارة دولية لشؤون العالم هو أمر يصب في مصلحة كل دول الكرة الأرضية، بما فيها الولايات المتحدة.

الموقف في العراق فعلا يغلب عليه الطابع الوحشي القاسي. والولايات المتحدة فشلت هناك. فلقد قُتل أكثر من 3000 جندي أميركي منذ 2003. وقُتل 000,12 مدني عراقي في 2006. وقد شهدنا هجمات دموية للغاية خلال الأيام الأخيرة، قُتل خلالها مئات المدنيين. السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو كيف يمكن وقف هذا التصاعد. أتصور أنه من المهم للغاية أن نعمل جميعا في اتجاه واحد للوصول إلى مرحلة جديدة. لقد قلت في 2003 وقلناها جميعا بكل قوة مع الرئيس شيراك إنه لا يجب أن يكون هناك حل عسكري للقضية العراقية. وما قلناه في 2003 يُثبت صحته ما يجري اليوم.

أرى أن هناك نقاشا موسعا يجري في بريطانيا والولايات المتحدة حول كيفية الخروج من هذه الورطة. والحل يتمثل في أن تكون هناك ردة فعل متدرجة نشترك فيها جميعا. يجب علينا التحرك على جميع المستويات حتى نكون مؤثرين فيما نفعله. المستوى الأول يجب أن يتمثل في تعبئة داخلية في العراق، بحيث تتحمل الأطراف الداخلية هناك المسؤولية.

يجب علينا أن نبدأ عملية مصالحة وطنية في ذلك البلد، ما يعني منح فرصة لكل طرف، وهو ما لا يحدث على الأرض حاليا. الجميع يجب أن يشتركوا في عملية إنقاذ وإعادة اعمار العراق. المرحلة الثانية يجب أن تكون على المستوى الإقليمي. كل من لديه مصالح في المنطقة من الطبيعي أن تكون له مصلحة في استقرار العراق. هل هذا ما يجري الآن؟ لست متأكدا. ومن ثم فإننا بحاجة إلى دعم الحوار مع الدول المجاورة للعراق.

يتعين علينا أن نوجد أجواءً تسمح لتلك الدول بأن تكون لها مصلحة في التوصل إلى سلام في العراق وفي المنطقة. بوسعنا أن نرى اليوم بشكل واضح أن هناك دولا كثيرة لديها مصلحة في عدم استقرار العراق والمنطقة بشكل عام. ومن ثم فإنه يتعين علينا التحرك. كل دولة منا تتمتع بثقل وقوة يجب استخدامهما بشكل مشترك، ولكن يجب أن يكون هناك هدف واحد.

التعبئة الثالثة يجب أن تتم على المستوى الدولي. ومن وجهة نظري الشخصية أرى أنه من هذه النقطة يجب أن تنطلق عملية إنقاذ وإعادة اعمار العراق. الموقف يجب أن يكون واضحا للجميع. نحن بحاجة إلى أن يكون هناك تصور لا غموض فيه لعملية خروج القوات الأجنبية وإعادة السيادة للدولة العراقية.

وريثما يتم توضيح هذا الأمر، في ضوء مراحل وأهداف الانسحاب الكلي، فإن الأمور لن تتحسن. على حد علمي، لا يمكن حل أي قضية دبلوماسية في العالم من دون وجود جدول زمني واضح. فعندما تريد حل أي أزمة في العالم، فأنت لن تحقق أي تقدم من دون أن تضع جدولا زمنيا. إن المجتمع الدولي ينقصه الطموح والتضامن، ولكن الأهم من ذلك كله هو أنه ينقصه هدف محدد له جدول زمني واضح.

أعتقد أننا، أي المجتمع الدولي والولايات المتحدة، في موقف جيد حاليا يسمح لنا بتغيير الوضع في العراق. الأمر لا يعكس أي رومانسية أو سذاجة من جانبي، ولكنني أعتقد أنه من الممكن اليوم التوصل إلى حل. الجميع يرى اليوم المخاطر المترتبة على تدمير العراق وما يتسبب فيه الإرهاب وما نجنيه من الحرب الأهلية المستعرة في العراق والعواقب الوخيمة للصدام بين السنة والشيعة على كل العالم. إنني أعتقد أن العالم لم يدرك بعد حقيقة الوضع وأعتقد أيضا أننا لم نعط أنفسنا الوسيلة اللازمة لتجنب الأزمة العراقية.

هناك أصوات قادرة على حسم الأمور في اتجاه تحسين الوضع في العراق. ولكن مثل هذا الأمر يجب أن ينبع من الإدراك بأن نقطة الانطلاق يجب أن تتمثل في وضع جدول زمني واضح لعملية سحب القوات الأجنبية. المبدأ الأساسي للعالم اليوم يتمثل في احترام الهوية والسيادة. وإذا بدأنا من هذه النقطة يمكننا تغيير دفة الأمور عن طريق التوصل إلى مصالحة وطنية حقيقية وبدء حوار إقليمي وعقد مؤتمر دولي حول العراق يمكنه إعادة الأمور إلى نصابها.

ولكن طالما وُجد هناك قلق وشك حول سيادة العراق وطالما أن هناك تلك الحالة من عدم الاستقرار، فإننا لن نخرج من دائرة العنف مطلقا. مهما كان مستوى القوات الأجنبية في العراق، فإن التدهور في الأوضاع سيستمر. الأمر ليس له علاقة بالكم هنا. إنها مسألة مبادئ. يجب أن يفهم الجميع هنا أن المبادئ هي أساس العلاقات الدولية. ولهذا السبب فإن الموقف الدولي معقد.

إن الاعتراف بالآخر وهويته وسيادته هو أمر حيوي لا يمكن تجاهله. ومن ثم فإن أهم عوامل عدم الاستقرار في العراق هو شعور العراقيين بعدم شرعية الوجود الأجنبي. هذا هو أساس الأزمة. وإذا لم يتم إصلاح هذا الأمر فإنه لن يتم حل الأزمة العراقية. هذا هو الحاجز الذي يجب التخلص منه.

؟ ولكن ماذا عن نتائج انسحاب القوات الأجنبية من العراق؟

ـ الأمر السيئ في هذا الصدد هو غياب العمل والسعي وراء إجابة عن هذا السؤال. ما تقوله أنت هنا لا يتعارض مع ما أقوله. أنا لا أقول إن القوات الأجنبية يتعين عليها أن ترحل غدا. فأنا أقول إننا بحاجة إلى وضع جدول زمني ينص على موعد لسحب القوات وعلى موعد نبدأ فيه عملية المصالحة وعلى موعد يبدأ فيه الحوار الإقليمي. وإذا لم نحدد هذا الأمر فإنه لن تكون هناك قوات أميركية وبريطانية في العراق، ولن يحدث أي شيء سوى مزيد من القتل والأزمات.

لماذا؟ لأنه لا يوجد أحد يتحمل المسؤولية، بل إن هناك البعض ممن يفاقمون الأزمة ويزيدونها سوءاً. منْ الذي لديه مصلحة اليوم في حل الأزمة العراقية؟ هناك أطراف كثيرة لا تود أن ترى حلا لما يجري في العراق. في المنطقة، تلك الأطراف تتمثل في قوى الإرهاب وكل من يلعب على المواجهات بين الشعوب وكل من يستفيد من عدم الاستقرار الإقليمي ومن لا يريد أن ينجح المجتمع الدولي في حل مشكلة الشرق الأوسط والذي هو سعيد بما يجري في لبنان.

ترجمة: حاتم حسين ــ عن «فايننشيال تايمز»