يستمد هذا الكتاب أهميته من أنه ربما كان الكتاب الأول من نوعه الذي يتصدى لمعالجة موضوعه بكامله، فهو يتناول 230 عاماً يمتد عبرها تاريخ علاقات الولايات المتحدة بالشرق الأوسط، من هنا فإنه يسد فراغاً لا موضع للتشكيك فيه في المكتبة العالمية، لكنه في الوقت نفسه لا يمكن إلا أن يكون محبطاً حقاً ليس للقارئ العربي وحده الذي لابد له من أن يعد نفسه لمواجهة تعقيدات الرؤية الصهيونية التي لا تفارق ذهن المؤلف،
وإنما لأي قارئ على الإطلاق، فالصفحات الأربعمئة الأولى من الكتاب هي رهن بجولات الرحالة والمبشرين الأميركيين في الشرق الأوسط، وبالتالي فهي لا تعني بشكل حقيقي من يهتم بالأفق السياسي للعلاقات الأميركية بالشرق الأوسط، وعندما يتحول المؤلف إلى الجانب السياسي في المرحلة من الحرب العالمية الثانية، فإنه لا يقدم جديداً يذكر، وإنما يقدم تلخيصا للوقائع من وجهة نظر صهيونية صارخة. وعلى الرغم من ذلك فإن الكتاب يظل مهما باعتباره قراءة لعلاقات الولايات المتحدة بالمنطقة من المنظور الإسرائيلي، وهو شيء لا ينبغي أن يغيب عن نظر القارئ العربي للحظة، فالمؤلف باحث بمركز شاليم الإسرائيلي، وقد حصل على درجات علمية في دراسات الشرق الأوسط من جامعتي كولومبيا وبرنستون، وعمل محاضراً زائراً في جامعتي هارفارد ويال. وأورين ليس جديداً على قارئ «البيان»، فقد سبق لنا إلقاء الضوء على كتابه «حرب الأيام الستة» يونيو 1967، وتشكيل «الشرق الأوسط»، ورأينا كيف أنه يجتذب القارئ بمعلومات ووثائق لم يعرفها القراء من قبل، لكنه في الإطار الشامل للتحليل لا يتردد في تشويه الحقائق بما يخدم الرؤية الصهيونية لتطورات الأحداث.
ولسوف نرى أن هذا المنهاج هو نفسه الذي يتبعه أورين في العديد من منعطفات الكتاب الذي نناقشه هنا.- تصفيق وحجارة: ربما لم يقدر لكتاب أن يحظى بتصفيق المصفقين وحجارة الغاضبين في آن على نحو ما حدث لكتاب مايكل أورين الذي نناقشه هنا وعنوانه الكامل هو «القوة والإيمان والخيال.. أميركا في الشرق الأوسط من 1776 إلى الوقت الراهن». ولا شك أن أول المصفقين للكتاب سيكون الناشر بالضرورة، أي دار نورتون العتيدة، التي ستقدم الكتاب للقارئ على أنه يروي القصة المتميزة لعلاقات أميركا التي امتدت 230 عاماً مع الشرق الأوسط. وقد اعتمد المؤلف في سردها على نطاق عريق من الوثائق الحكومية والمراسلات الشخصية ومذكرات التجار والمبشرين والرحالة، وهو يعيد بناء القنوات التي من خلالها تفاعلت أميركا مع هذه المنطقة المهمة من العالم، ومن خلال تمييز الموضوعات المتواترة في ارتباط أميركا بالشرق الأوسط وتتبع مسارها على امتداد قرنين يكشف عن الاستمرارية التي يتسم بها هذا الارتباط طويل الأمد.
ويتعالى التصفيق إلى أقصاه عندما تشير دار نورتون إلى أن الكتاب «عمل أصيل على نحو عميق أنجزه أحد أفضل المؤرخين». أصداء هذا التصفيق لن تخفت قبل أن يقدم لنا الناشر إشادات بالكتاب بأقلام والتر راسل ميد من مجلس العلاقات الأميركية الذي يرى في الكتاب «انجازا فريدا» والمؤرخ البريطاني نيال فرجسون الذي يقول عن الكتاب إنه «تاريخ أنجز بحثه بعمق وكتب على نحو رائع»، والمؤلف روبرت بولوك الذي لا يتردد في القول عن أورين إن: «بحثه الدؤوب يستبعد التاريخ الممتزج بالدعاية على كل الأصعدة». لكن هذا التصفيق تصفعه حجارة النقد الصارم، وربما كان من أكثر الحجارة التي وجهت إلى أورين دقة في الإصابة في الصميم ما كتبه الناقدان رونالد ويلاجريفين عبر موقع «بارنز أندنوبل» المتخصص في عروض الكتب، حيث لا يترددون في القول عن كتاب أورين: «إن الكثير للغاية من حقائقه لا تعدو أن تكون محض خيال، والإشارة التي يبديها إلى القس جورج بوش الذي ألف كتاب (وادي الرؤية) باعتباره أحد أسلاف الرئيس جورج دبليو بوش هي من بنات أفكاره.
وهو جون سميث باعتباره مؤسس طائفة المورمون، بينما جرى تأسيسها على يد جوزيف سميث الابن. ومثل هذه الأخطاء تجعل القارئ يضع موضع التساؤل ما يسميه بالحقائق. وهذا العمل ينبغي أن يوضع في قسم الروايات بالمكتبات، فبحثه فقير إلى حد البؤس، وعلى الرغم من أنه مكتوب بصوت حجة في موضوعه فإنه ليس بالقريب من الدقة فيما يطرحه».
وبدورها لا تتردد مجلة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة في الذهاب إلى القول إن أورين باعتباره مؤرخاً هو حكواتي أكثر مما هو منظر كبير، وهكذا فإن كتابه إذا شئنا اعتباره دراسة للدوافع المعقدة والمتناقضة لسلوك أميركا في الشرق الأوسط هو كتاب محدود القيمة.
وهي تشير إلى أن ثلاثة موضوعات تبرز من الحكايات التي يرويها لنا أورين، والموضوع الأول هو أنه منذ الآباء المؤسسين فصاعداَ حاول الأميركيون تغيير الشعوب العربية والإسلامية سياسياً وروحياً واقتصادياً لتحقيق الاتساق بين هذه الشعوب وبين المبادئ الليبرالية والمسيحية، وثانياً أنه منذ عهد بعيد كان الكثير من الأميركيين مهووسين بفكرة تسهيل وصول اليهود إلى فلسطين واستقرارهم فيها،
وثالثاً إنه منذ العهد الكولونيالي حتى اليوم فإن الكثير من الأميركيين، وربما معظمهم نظروا إلى المسلمين نظرة سلبية، ويحاول أورين إظهار أن هذه الموضوعات كانت السمات السائدة لتقاليد السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط.
إذا تركنا التصفيق جانباً، وأبعدنا الحجارة أيضاً، فإننا سنجد تقويماً موفقاً للكتاب في المقال الذي كتبه ماكس هاستنجز تحت عنوان «أحلام مهشمة» في الملحق الثقافي لصحيفة «التايمز» اللندنية، حيث يقول إن هذا الكتاب يبدو موفقاً إذا اعتبرناه تاريخاً للرحلات، غير أن المؤلف يصبح أقل نجاحاً لدى اقترابه من تناول المراحل الحديثة من موضوعه.
الأسئلة الأكثر أهمية
لا يبتعد القارئ كثيراً عن الدقة حين يتصور أن جوهر موضوع هذا الكتاب هو الصدام بين الفانتازيا الأميركية المتعلقة بالشرق الأوسط والواقع في هذه المنطقة من العالم، وهو صدام لا يتردد المؤلف في القول إنه استمر بلا هوادة عبر ما يزيد على قرنين من الزمان.
وفي مواضع عدة من الكتاب يشدد المؤلف على أن أميركا جلبت إلى الشرق الأوسط من الخير ما يفوق كثيراً ما جلبته من الضرر، وهي رؤية من الواضح أن من يتأملون الوضع في أفغانستان والعراق ولبنان وفلسطين والصومال لن يجدوها مقنعة بحال.
ربما كان جوهر المشكلة يكمن في أنه بينما يذهب معظم الأساتذة والطلاب الموضوعيين في دراسات الشرق الأوسط إلى أن تحرك الغرب في هذه المنطقة من العالم باتجاه تحسين العلاقات يمر بتفهم الثقافات المحلية، أياً كان الموقف منها وليس فرض ثقافات ورؤى وقيم غريبة عنها، وبتواصل الحوار على أرضية من الاحترام المتبادل، بينما كانت الرؤية الأميركية متميزة منذ البداية ووصلت إلى نقطة اللاعودة بتبني أميركا لإسرائيل كحليف استراتيجي.
هنا يلفت ماكس هاستنجز نظرنا إلى نقطة بالغة الأهمية، فهو يشير إلى أن أورين يقتطف ما قاله جندي أميركي في إيران في عام 1944 متسائلاً: «ما الذي نفعله في هذه الحفرة القذرة؟»، ويشير هاستنجز إلى أن جوقة من الأميركيين رددت هذا التساؤل عبر أجيال في الشرق الأوسط. ويختتم هاستنجز ملاحظته هذه بالقول: «إنا هذا يمضي بعيداً في تفسير السر في فشل أميركا غالباً على هذا النحو في المنطقة».
إن هذا التساؤل الغاضب من الجندي الأميركي إياه في عام 1944 لا شك أنه يتردد على ألسنة كثير من مواطنيه في أفغانستان والعراق وسواحل الصومال والعديد من المواضع في المنطقة، ولكن الأسئلة الأكثر أهمية، والتي يعنينا أن نناقشها هنا ترد في مقدمة الكتاب، وعلى وجه التحديد في الصفحة السادسة منه، وهي ترد على لسان جون ليريارد يقدمه لنا المؤلف باعتباره الأميركي الأول الذي يشق طريقه إلى الشرق الأوسط.
هذه الأسئلة، التي لا شك أنها ترددت في ذهن ليريارد وهو يغادر لندن في 30 يونيو 1788 في طريقه إلى مرسيليا ومن ثم إلى القاهرة استعداداً للإيغال في النيل نحو منابعه، كان قوامها: ما الذي يتوقع أن يجده هناك بخلاف الصعوبات والعداء؟ ما هي أوجه التشابه في التاريخ واللاهوت والثقافة التي يمكن أن يجدها هناك؟ أي نوع من المستقبل المشترك يمكن أن تصنعه أميركا والشرق الأوسط معاً على الرغم من عدم الاتساق الظاهري بينهما؟ لاشك في أن هذه الأسئلة كانت وثيقة الصلة بما كان ليريارد يوشك على الانطلاق في غماره، غير أن الأميركيين واصلوا طرحها منذ ذلك اليوم.
كثيرون هم الذين وصفوا رحلة ليريارد بأنها «عبور إلى المجد» وهو نفسه العنوان الذي اختاره المؤلف لمقدمة كتابه. ولكن من المهم أن نتذكر ما قاله المغامر الأميركي فيما السفينة التي أقلته ترسو على شاطئ مصر، حيث هتف: «أنظروا! إنني أضفي طابعاً جديداً على العالم وموضوعاً جديداً لأدب السيرة»، وكان حرياً به أن يضيف أنه يقدم بداية للخطى الأميركية الأولى على درب الشرق الأوسط.
أصل الحكاية
يشير مايكل أورين في تصديره للكتاب إلى مجموعة من التحديات كان عليه التصدي لها في غمار تأليفه لها، وأولها هو المتعلق بالتحديد الدقيق لما يعنيه الشرق الأوسط، وهو يبادر إلى القول إنه تبنى مفهوم «الشرق» كما تم تكريسه في التقاليد الفكرية الغربية قبل القرن العشرين، حيث كان المراد هو المنطقة الممتدة من الأناضول وتراقيا الغربية إلى شمال افريقيا ومصر ومن شبه الجزيرة العربية إلى الخليج، وذلك بالإضافة إلى الممتلكات العثمانية في أوروبا، وان كانت هذه المناطق الأخيرة قد أصبحت أقل شرقية بعد استقلالها.
التحدي الثاني هو تحديد بنية الدراسة التي يضمها الكتاب، وهو التحدي الذي استجاب له المؤلف من خلال التشديد على تحديد المؤثرات المحورية في ضلوع أميركا فيما يجرى في الشرق الأوسط وتتبع الموضوعات الأساسية. ويوضح المؤلف ان ما يقصده بالموضوعات الأساسية ينصرف إلى ما يلي:
ـ القوة: وهي تشير إلى متابعة أميركا لمصالحها في الشرق الاوسط من خلال العديد من الوسائل، منها الوسائل العسكرية والدبلوماسية والمالية، والقوة تصف قرار الرئيس الأميركي ماديسون بإرسال السفن الحربية الأميركية ضد الجزائر في 1815 وجهود الرئيس لينينكولن في 1863 للحيلولة دون تدخل مصر في المكسيك.
ـ الإيمان: وهو يشير إلى تأثير الدين في تشكيل المواقف والسياسات الأميركية تجاه الشرق الأوسط، حيث تبنى بعض المبشرين الأميركيين فكرة نقل اليهود إلى فلسطين حتى قبل ان يرى البرنامج الصهيوني النور. ـ الخيال: كانت فكرة الشرق الأوسط مثيرة وجذابة بالنسبة للأميركيين بما يحويه أفق هذه المنطقة من اهرامات ومآذن وواحات وجمال وتلال رملية ومفاهيم رومانسية تستلهم مادتها من «ألف ليلة وليلة» والأساطير الفارسية.
ويلفت نظرنا ان المؤلف يحرص على استهلال حكاية علاقات أميركا بالمنطقة ابتداء مما يعرفه المؤرخون بـ «حرب السنوات السبع» أي صدام أميركا مع قادة المغرب العربي وهو الصدام الذي قاد إلى الاشتباك المسلح بين الجانبين، مع ان الحقيقة هي ان العلاقات الأميركية بالمنطقة تعود إلى ما قبل ذلك بصورة واضحة.
وعلى امتداد الصفحات الاربعمئة الأولى من الكتاب يقدم المؤلف مسرداً ممتدا برحلات الرحالة والمغامرين الأميركيين في مختلف أرجاء الشرق الأوسط، وهما مادة تقع في الفصول من الأول وحتى السادس، فلا يبقى للقارئ المعنى بالوجه السياسي للعلاقات بين أميركا والشرق الأوسط إلا ان يتابع ما يقدمه المؤلف في الفصل السادس الذي يحمل عنوان «النفط والحرب والصعود» والفصل السابع الذي يحمل العنوان الدال «البحث عن السلام الأميركي».
وأول ما يلفت نظرنا في مادة هذين الكتابين أنها مادة مخيبة للآمال إلى أبعد الحدود، على الأقل آمال من يبحث عن مادة جديدة وعن أفق بحثية أصيلة، فما يقدمه المؤلف هنا لأبعد وأن يكون تلخيصاً لكتب أخرى عديدة تناولت هذه الرحلة من علاقات أميركا بالشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.
غير اننا لانعدم ان نجد في تضاعيف هذه المادة، التي يقدمها المؤلف وكأنه في سباق للوصول إلى موعد محدد لمثول الكتاب للطبع، لانعدم ان نجد ملاحظات جديرة بالوقوف عندها وتأملها طويلاً. دعنا نبدأ بأصل الحكاية، كما يقولون، حيث نلاحظ ان الخارجية الأميركية في العشرينيات كانت تلتزم موقف اللامبالاة التامة من الشرق الأوسط بالمعنى الذي حدده المؤلف.
لكن الموقف ما كان يمكن إلا ان يتغير في ضوء الحرص الأميركي على تحطيم الاحتكار الأوروبي لنفط الشرق الأوسط، وقد كان هذا هو على وجه الدقة السبب الأول والمباشر لنشاط الحكومة الأميركية في المنطقة اعتباراً من عام 1921، حيث قام وزير التجارة الأميركي آنذاك هربرت هوفر بتجميع الشركات النفطية الأميركية السبع الكبرى في كونسرتيوم واحد قوي، تمهيداً لمنافسة الشركات الأوروبية على نفط الشرق الأوسط.
هذه الخطوة المهمة شكلت ضغطاً كبيرا على الشركات الأوروبية، التي استجابت للضغط بمرونة، فدعت الأميركيين إلى المشاركة في تشكيل جديد، هو شركة نفط العراق. وهكذا فإنه مقابل تخلي الأميركيين عن «حقهم» في التنقيب خارج اطار عمل الكارتل الجديد حصلوا على 75, 23% من كل البترول المستخرج من الشرق الأوسط.
هذه الصيغة شكلت انتصاراً كبيراً للدبلوماسية الأميركية وطفرة هائلة بالنسبة للنفط الأميركي، فهي ترضى وتلبي الاحتياجات الأميركية المتزايد إلى النفط من دون ان تثقل واشنطن بأي مسؤوليات سياسية في الشرق الأوسط. وقد كشف النقاب عن الثروات النفطية الهائلة المحتجبة تحت رمال العراق في أكتوبر 1927، عندما أطلق المنقبون في شمالي مدينة كركوك دفقاً نفطياً كان من القوة في اندفاعه إلى عنان السماء بحيث قتل اثنين منهم.
ولكن ذلك لم يمنع تدفق الأسئلة الملحة حول النطاق الجغرافي لعقد شركة نفط العراق والحدود الدقيقة للشرق الأوسط. فهل يغطي الاتفاق العراق وسوريا وفلسطين على سبيل المثال؟ أم أنه يشمل شبه الجزيرة العربية كذلك؟
السيد 5%
لمواجهة مثل هذه النوعية من الأسئلة الدقيقة وما يترتب عليها من قضايا شائكة لجأ رؤساء شركة نفط العراق إلى شخصية ستغدو شهيرة في تاريخ النفط بالمنطقة إلى كالوست س. غولبنكيان، رجال الأعمال والمالكي الأميركي الأصل الذي ستعرفه أجيال عدة باسم «السيد 5%»وذلك لأنه أفلح في أن يؤمن لنفسه الحصول على خمسة في المئة من أسهم شركة نفط العراق.
في غمار أداء الرجل لمهمته هذه جلب خريطة للشرق الأوسط وبالاستعانة بقلم أحمر براق اللون وضع خطاً متطاولاً يضم في إطار تركيا وشبه الجزيرة العربية والأراضي الخاضعة للانتداب. وقال في معرض الإيضاح: «تلك هي الإمبراطورية العثمانية التي عرفتها في 1914. وأنا ينبغي أن أعرف ذلك، فقد ولدت فيها، وعشت فيها، وخدمت فيها.
اتفاقية الخط الأحمر هذه، في جوهرها، استبعدت الجميع ما عدا أعضاء شركة نفط العراق من القيام بعمليات استكشاف النفط في الشرق الأوسط. ولا شك في أن ذلك كان بمثابة أنباء كارثية بالنسبة للملك عبدالعزيز بن سعود.
فقد كان في ذلك الوقت يعاني من ضغوط مالية ناجمة عن انخفاض عدد الحجاج إلى بيت الله الحرام الذين يشكل انفاقهم العمود الفقري لمالية المملكة، ومع ذلك؛ فقد تردد في جعل المهندسين البريطانيين التابعين لشركة نفط العراق يقومون بمسح أراضي المملكة بحثاً عن النفط والمعادن الأخرى، فالعاهل الذي جمع بين الحكمة وبعد النظر والبراعة في المناورة كان يؤثر التعاون مع بلاد تحترم سيادة المملكة ومع تقنيين لا صلة لهم بجدول الأعمال الإمبريالي الأوروبي.
فكرة الحل لهذا الموقف الدقيق جاءت في فبراير 1931 من هاري سانت جون فيلبي، الذي كان يقدم خدمات استشارية للمملكة والذي كان على تمام الوعي باحتياجاتها وأيضاً بإمكانية تحقيق فوائد شخصية مذهلة، وقد كان حصل بالفعل على الوكالة الحصرية لبيع سيارات فورد في المملكة الأمر الذي حقق له ثروة طائلة وعلاقات وثيقة بدوائر مهمة في الصناعات الأميركية.
هكذا تمت دعوة الأميركي تشارلز كرين الذي ربطته علاقات وثيقة بالمنطقة إلى تمويل دراسة جيولوجية للمملكة يجريها مهندسون أميركيون وهو الأمر الذي وافق عليه كرين فوراً خلال زيارة للرياض وصلت إلى خاتمة ناجحة في 3 مارس 1929 وتلقى في ختامها ترخيصاً بإجراء المسح الأميركي لأراضي المملكة وهدية هي جوادان من جياد الملك عبدالعزيز بن سعود.
اختار كرين للقيام بمهمة المسح مهندساً سبق له العمل في اليمن هو كارل تويتشل، الذي انطلق في مستهل مهمته في فبراير 1932 من جدة وقطع 400 ميل في داخل البلاد، وكان أول موعد له مع النجاح هو تحديد منجم قديم للذهب قرب المدينة، وبدء التشغيل فيه مجدداً بما يحقق أرباحاً، لكن العائد ما كان ليحل المشكلات المالية للمملكة. واصل تويتشل جهوده وقطع 600 ميل أخرى وصولاً إلى الخليج دون أن يعثر على مورد واحد يستحق العناء، بل انه لم يتوصل إلى الماء.
في الأول من يونيو من ذلك العام، كانت شركة «سوكول» الأميركية قد توصلت إلى اكتشاف النفط فجأة في البحرين. وبدا من المنطقي افتراض أن النفط موجود في الساحل السعودي القريب من البحرين. وهكذا سارع بالعودة إلى الولايات المتحدة والتقى ممثلي شركة نفط العراق، لكن الشركات الأميركية التي كانت ملتزمة بالعمل جماعياً في التنقيب عن النفط في شبه الجزيرة العربية بحكم اتفاق الخط الأحمر، رفضت تبني مشروعه بصورة مستقلة.
وحدها كانت شركة «سوكول» على استعداد للمخاطرة، فاصطحب تويتشل محاميها لويد هاملتون وعاد إلى جدة في فبراير 1933، وسعى على الفور للحصول على امتياز ملكي للتنفيذ في إقليم الإحساء وعلى وجه الدقة في الشريط الساحلي المقابل للبحرين.
كان وزير المالية السعودي آنذاك عبدالله سليمان هو الذي بدأ التفاوض مع الأميركيين من جهة ومع شركة نفط العراق من جهة أخرى، حيث نشب ما يعرف بحرب المزايدة، وهي حرب انتصر فيها الأميركيون لأغرب سبب يمكن تصوره، وهو استعدادهم للدفع بالذهب، على حين أحد الانجليز على الدفع بالروبيات، كما أنهم لم ينسوا الموافقة على دفع مكافأة سنوية قدرها ألف جنيه لفيلبي الذي كان مستشاراً لشركة «سوكول».
المذهل حقاً أن الذهب الذي دفعه الأميركيون جاء من بنك أميركي، فقد كانت تلك هي سنوات الكساد العظيم وكانت الحكومة الأميركية تفرض حظراً على تصدير الذهب إلى خارج أراضيها بأي شكل وتحت أي ظروف.
هكذا فإنه في جدة، وفي 25 أغسطس 1933 وتحت رقابة عبدالله سليمان الصارمة دفع الأميركيون للخزينة السعودية 35000 جنيه ذهب أي ما قيمته اليوم 5,15 مليون دولار، وقدموا قروضاً يبلغ إجماليها مليون جنيه، ليبدأ منعطف في العلاقات بين واشنطن والرياض ربما كان هو الأفق الذي لا تزال هذه العلاقات تنطلق تحته حتى اليوم، ولتتواصل قصة لعلها الأكثر غرابة في تاريخ المنطقة.
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين



