يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى أن أميركا أرادت من خلال دعمها لإسرائيل، حليفتها في الشرق الأوسط، في حربها الأخيرة على لبنان أن تقضي على ذراع إيران القوية في المنطقة والمتمثلة بحزب الله، وفي الوقت نفسه إنقاذ نفسها من المستنقع العراقي الذي علقت فيه.
ولكن فشل إسرائيل في تحقيق أهداف تلك الحرب زاد من تعقيد الوضع الذي وجدت أميركا نفسها فيه وقوى من شكيمة العناصر المعادية لها في المنطقة، وكان قد سبق ذلك وصول حركة حماس الفلسطينية إلى السلطة بعد انتخابات تشريعية نزيهة، وهو ما مثل ضربة قوية لاستراتيجية الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. كتب الصحافي الأميركي «تشارلز كروتامر» في الواشنطن بوست بتاريخ 4 أغسطس 2006 ما يلي: «ستمثل هزيمة حزب الله، لو حصلت، خسارة كبيرة لإيران، وليس فقط على الصعيد النفسي وإنما أيضا من وجهة نظر استراتيجية. إنها ستخسر امتدادها في لبنان، وستخسر إمكانيتها الأساسية في زعزعة الاستقرار والتدخل في صميم الشرق الأوسط. وسيبيّن ذلك أن إيران قد ذهبت إلى أبعد من قدراتها عبر محاولة فرض نفسها باعتبارها القوة الإقليمية العظمى. إن الولايات المتحدة قد فعلت الكثير كي تؤمن النصر لإسرائيل وتحقق ذلك كله.
لقد اعتمدت على قدرة إسرائيل في إنجاز تلك المهمة وأصيبت بخيبة أمل». وكتب «توماس فريدمان» في نيويورك تايمز بنفس التاريخ 4 أغسطس يقول: «على الحكومة أن تقبل الآن بأن أي إنسان كان مقتنعاً، بما في ذلك أنا، بأهمية النجاح في العراق، عليه أن يقبل بحقيقة أنه ولأسباب تتعلق ببوش أو بالعرب، لم يتم هذا النجاح وأننا لا نستطيع أن نتابع أكثر في التضحية بأرواح جديدة. لكن الحل الآخر الأفضل هو ترك العراق. ذلك أن أسوأ الخيارات، أي الخيار الذي تباركه إيران، هو أن يستمر نزيفنا وأن نعرّض أنفسنا لخطر الهجوم من قبل إيران إذا ضربنا منشآتها النووية.
علينا أن نتعامل مع إيران وسوريا من موقع قوّة ولذلك علينا أن نقوم بتشكيل ائتلاف عريض. فنحن نحتفظ منذ مدة طويلة باستراتيجية وحيدة الجانب لكنها لا تعطي ثمارها في العراق، وسيكون من الأكثر صعوبة إقامة مثل ذلك الائتلاف المطلوب وسوف يصبح أعداء الحرية أكثر قوة». هكذا إذن يلاحظ اثنان من أشهر الصحافيين الأميركيين، وفي عز الحرب في لبنان، وكانا قد دعما المشروع الإمبريالي لإدارة بوش في الشرق الأوسط، أن سفينتها تعاني من الضياع. وبالتالي، ومع الفشل الإسرائيلي خلال صيف 2006، لم يعد هناك أي شك أن ما قاله الكثيرون منذ فترة طويلة هو بصدد التحقق، ومفاده أن إدارة جورج دبليو بوش سيتم النظر إليها في التاريخ على أنها كانت الفريق الأكثر تعاسة الذي قاد سفينة الامبراطورية الأميركية العملاقة.
دبلوماسية «الكاوبوي»
اكتسب جورج دبليو بوش وأعمدة إدارته شهرتهم في الذاكرة الجماعية على أنهم حفّارو قبور الطموحات الإمبريالية الأميركية في فترة ما بعد الحرب الباردة. ذلك أنهم قد قاموا بأكبر عملية إسراف للشروط الاستثنائية الملائمة للامبراطورية الأميركية منذ بداية انهيار الامبراطورية العالمية الأخرى عام 1989. لقد أخفقوا في اقتناص الفرصة التاريخية الوحيدة التي وصفها الصحافي «كروتامر» نفسه بأنها «لحظة القطب الواحد». لكنهم لم يستفيدوا من تلك اللحظة لأنهم كانوا يستلهمون أفكارهم من نفس الصلف الاستعماري الذي اتسم به «كروتامر» و«فريدمان» ونظراؤهما.
وتتم الإشارة هنا إلى مقال رئيسي في مجلة «تايم» الأميركية نشر عشية حرب إسرائيل الجديدة في لبنان وجاء فيه ان « دبلوماسية راعي البقر قد انتهت» مع ملاحظة حقيقة واضحة وهي أن «عقيدة بوش قد أخفقت في الموضع الرئيسي الذي أرادت الولايات المتحدة أن تطبقها فيه». وأضافت: «رغم أنه ليس هناك في البيت الأبيض من يشكك بصورة واضحة بقرار بوش في شن الحرب ضد العراق، فإن عددا من المستشارين يعترفون الآن أن الثمن كان باهظا فيما يتعلق بالموارد العسكرية وبدعم الجمهور وبمصداقية الولايات المتحدة في الخارج.
إن الإدارة تدفع كل يوم الفاتورة بينما تحاول مواجهة أزمات أخرى. كما غدت متابعة السياسة الهجومية التي يقول بها بوش شبه مستحيلة في اللحظة التي تحاول فيها الولايات المتحدة أن تجد وسيلة للخروج من المشكلة العراقية. وفي جميع أنحاء العالم يراقب أصدقاء الولايات وخصومها ما يجري في العراق، بل ويحصلون على امتيازات من الصعوبات التي تواجهها القوة العظمى. وإذا كانت الإطاحة بصدام حسين قد شكّلت قمة الهيمنة الأميركية، فإن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت تراجعا تدريجيا في قدرة واشنطن على جعل العالم ينصاع لإرادتها».
لكن النقد الأكثر شدّة في إطار ما جاء في المقال جرى تقديمه كالتالي: «قد يتضح أن العراق، كما يتأكد على الأرض، ليس هو المختبر الأول فحسب وإنما الأخير أيضا للحرب الوقائية. وبدلا من ردع قادة طهران وبيونغ يانغ، فإن الصعوبات التي يواجهها الاحتلال الأميركي يمكنها بالأحرى أن تشجّع هذه الأنظمة على الاستمرار في جهودها من أجل الحصول على الأسلحة النووية مع الحد من الإمكانية العسكرية للولايات المتحدة فيما يتعلق بردعها عن ذلك».
ترافقت تلك الملاحظة ذات المرارة الشديدة في مقال مجلة «تايم» مع الأمل الذي كان يخالج نفوس شريحة كبيرة من حلفاء الولايات المتحدة أو محمييها أو زبائنها الآخرين الذين كانوا جميعهم، باستثناء الحكومة الإسرائيلية، يعتقدون أن هناك توجها خارجيا أميركيا جديدا هو بصدد الحصول بعد استبعاد الأكثر تشددا بين المحافظين الجدد عن إدارة بوش وعلى رأسهم بول وولفويتز وقبله ريتشارد بيرل.
وكان التعديل الحكومي الذي رافق بداية فترة رئاسة بوش الثانية، ورغم استبعاد «رئيس الواقعية» كولن باول الذي لم يكن له في الواقع سوى تأثير محدود في الإدارة، قد بدا وكأنه يؤكد «بداية نهاية المحافظين الجدد» كما كان قد أعلن عن ذلك بعض أنصار كلينتون قبل عامين.
مع ذلك يشير المؤلف إلى أن ما أعلنه مقال «تايم» على أنه نهاية «دبلوماسية راعي البقر ـ الكاوبوي»، أي بمعنى إعادة التوجه الاستراتيجي عبر النفوذ المتنامي لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، إنما تبين أنه لم يكن سوى أمنيات لا يدعمها الواقع وذلك كما أظهرت الأحداث اللاحقة، عندما أطلقت إسرائيل أشرس حرب في تاريخها ضد لبنان. لقد تكشّف أن دبلوماسية «راعي البقر» قد جرى استبدالها فقط بدبلوماسية «راعية البقر» ـ كوندوليزا ـ الشبيهة تماما لها.
وإذا كان من الصحيح القول ان كوندوليزا رايس قد قدّمت أقصى ما تستطيع من أجل تجميل وجه السياسة الخارجية لإدارة بوش، كما يرى المؤلف، فإنها لم تقم بالمقابل بأي تغيير جوهري. ذلك أنها كانت أحد أعمدة الإدارة منذ البداية وتتقاسم معها نفس جنون العظمة ونفس الطموحات الجموحة التي تدغدغ أحلام بقية الفريق الحاكم.
وتحددت مهمتها الرئيسية كوزيرة للخارجية في سد الثغرات العديدة في هيكل سفينة السياسة الخارجية للإدارة الأميركية. ولكنها كانت مهمة مستحيلة بشكل واضح. إذ أن السفينة هي بصدد الغرق أكثر فأكثر في مياه المستنقع العراقي الأسود.
حدود القوة الأميركية
هناك مقولة شائعة مفادها ان «القوة العظمى الأميركية» قادرة على هزيمة أي جيش نظامي في العالم، وهي القوة العظمى التي يتجاوز إنفاقها العسكري ما تنفقه أكثر من 200 دولة التي تشكل بقية العالم، والتي تتجاوز ميزانيتها العسكرية بالتالي وحدها المنتوج الإجمالي الداخلي لجميع البلدان الأخرى باستثناء البلدان الأربعة عشر ذات الاقتصادات الكبرى التي تلي الولايات المتحدة في الترتيب العالمي.
لكن هذه القوة العظمى أثبتت مرة أخرى أيضا أنها عاجزة عن السيطرة على الشعوب المتمردة للبلدان الفقيرة. ولم تفعل كثيرا كل وسائل القتل والفتك التي يمتلكها البنتاغون، إذ لا يمكن السيطرة على السكان إلا عن طريق البشر مثلهم وحيث لا تستطيع الآلة أن تحل محل الإنسان. وهذه إحدى مواطن قوة الأنظمة الدكتاتورية التي تستطيع تعبئة شعوبها كما تريد دون خشيتها من دفع ثمن مرتفع من حياة الجنود.
وقد دلّت تجارب التاريخ على أن الولايات المتحدة لم تستطع السيطرة على فيتنام رغم أن نسبة الجنود الأميركيين للسكان كانت أكبر مما هو الحال في العراق. وإذا كان من الصحيح القول ان القوة العسكرية الأميركية هي أقوى بكثير مما كانت عليه في زمن حرب فيتنام، فإن الأمر هو كذلك في جميع الجوانب إلا من حيث القوات. الواقع هو أن عدد القوات الأميركية قد تضاءل منذ نهاية حرب فيتنام ونهاية الحرب الباردة.
وقد أخطأ البنتاغون في حسابه أنه يستطيع أن يستعيض عن الموارد البشرية بالآلات المتقدمة. ولم يكن ما يسمى الثورة في الشؤون العسكرية سوى الدخول في عصر الحروب «ما بعد البطولية» كما ينقل المؤلف عن خبير في المسائل العسكرية. وفي الواقع كانت الولايات المتحدة قد حققت انتصارا بطريقة «ما بعد بطولية» على جيش صدام حسين، لكن إحكام الرقابة على العراقيين بطريقة «ما بعد بطولية» ـ أي تجاوز العنصر البشري ـ يمثلّ امتحانا مغايرا تماما».
إن الولايات المتحدة تفقد سيطرتها أكثر فأكثر على العراق منذ حربها عام 2003، وهي التي ظهرت في البداية وكأنها قادرة على إحكام سيطرتها على المتمرّدين المسلحين ضدها بواسطة عدد محدود من القوات الأميركية الموجودة في البلاد. وإذا كان جيش أي احتلال غير قادر على السيطرة على كل كيلومتر مربع من أماكن وجود القوات المسلّحة المحلّية بشكل طبيعي فإنه لا تبقى سوى وسيلة واحدة للتخلص من المتمردين الذين يتنقلون في وسطهم الشعبي «مثل الأسماك في الماء»، حسب تعبير ماو تسي تونغ.
هذه الوسيلة تكمن بالطبع في «إفراغ الحوض من مياهه». أي إمّا بإبادة السكان، كما كان قد بدأ يعمل ذلك الجيش الروسي في جمهورية الشيشان، أو ترحيلهم إلى معسكرات الاعتقال، كما فعلت فرنسا الاستعمارية في الجزائر، أو الطريقتين معا كما فعلت الولايات المتحدة في فيتنام، لكن من دون أن تذهب إلى النهاية، إذ لم يسمح لها الرأي العام الأميركي نفسه بذلك.
لقد واجهت واشنطن وضعا أكثر خطورة في العراق، ولم تستطع إدارة بوش، كما كانت تأمل، أن تنال تعاطف أغلبية العراقيين، بما في ذلك العرب الشيعة. ولذلك تبنّت سياسة «فرّق تسد» وحاولت أن تزيد من العداء بين المكونات الثلاثة الرئيسية للشعب العراقي أي السنة والشيعة والأكراد. هكذا شجّعت انزلاق العراق نحو الحرب الأهلية، مما زاد من المشهد العام لعجزها عن ضبط البلاد.
ويتم التأكيد هنا على أن الطريقة التي استطاع فيها «العراقي الضعيف» أن يكبّل حركة «الأميركي القوي» قد زادت كثيرا من جسارة إيران، الدعامة الأخرى «لمحور الشر» كما حدده جورج دبليو بوش في مطلع الحملة الإمبريالية التي أطلقها في معمعة ما بعد 11 سبتمبر 2001.
ولا شك أن الموقف المتحدي الذي تتبناه إيران حيال واشنطن إنما قد تعزز عندما لاحظت أن لأميركا «ساقين من الفخار». ويرى المؤلف أيضا أن أحد الأوراق الرابحة لإيران تتمثل في تحالفها مع حماس، أي الحركة الأكثر شعبية في العالم الإسلامي السني.
وإن هذا النجاح قد تعزز عندما ساند، محمد مهدي عاكف، رئيس الإخوان المسلمين في مصر، علنا التصريحات المعادية لإسرائيل للرئيس الإيراني أحمدي نجاد عام 2005. ثم إن وصول حماس إلى السلطة إثر انتخابات يناير 2006 شكّل ضربة كبيرة للاستراتيجية الإقليمية لواشنطن.
إسرائيل تهب للنجدة
بعد أربعة قرون من التحالف الاستراتيجي بين متعهّد الملاكمة الأميركي والملاكم الإسرائيلي، قامت واشنطن، على قاعدة قناعتها أن الجيش الإسرائيلي لا يُهزم أمام أعدائه العرب، بإطلاق شركائها ضد أولئك الذين تعتبرهم شركاء إيران: أي حماس وحزب الله.
لكن ما بدا أن واشنطن تجهله هو أن سمعة إسرائيل قد تشوهت كثيرا بعد فشلها الواضح في السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة وبعد انسحابها القسري من لبنان عام 2000 بعد 18 سنة من الاحتلال. ذلك الانسحاب الذي شبهه الكثيرون بانسحاب الولايات المتحدة من سايغون عام 1975.
هكذا كانت إسرائيل قد عرفت إذن «فيتنامها» في لبنان، وهكذا أيضا تبنّى الاستراتيجيون العسكريون الإسرائيليون، كما فعل نظراؤهم الأميركيون بعد هزيمة فيتنام «سياسة عسكرية ما بعد بطولية»، أي تعتمد على التفوق في أسلحتهم أكثر مما هو على قدرة قواتهم على القتال الأرضي.
وتتم الإشارة هنا إلى أن إسرائيل عندما قامت بغزو لبنان عام 1982 جابهت بشكل أساسي المقاتلين الفلسطينيين الذين لم يكونوا أبدا مثل «السمك في الماء» إذ كان الكثير من اللبنانيين يرونهم عبئا بسبب سلوكياتهم الصلفة والبائسة. لكن الأمر مختلف تماما بالنسبة للمقاومة اللبنانية التي تطورت منذ عام 1982 والتي استطاع حزب الله أن يلعب فيها دورا رئيسيا. لقد واجه الجيش الإسرائيلي هذه المرة مقاومة مسلّحة شعبية حقا وتمتلك حقوق تموينها.
هكذا واجهت إسرائيل معضلة عدم إمكانية تجفيف «حوض الماء» وقتل «الأسماك»، مثلما واجهت الولايات المتحدة من قبلها في فيتنام، ووجدت نفسها مرغمة على انسحاب يعادل الهزيمة، إذ لم تكن قادرة على تأمين الشروط المطلوبة للانتصار.
وبالإضافة إلى الاعتقاد بعدم إمكانية قهر الجيش الإسرائيلي وتفوقه والغرور الممزوج بالهواية وعدم الاحتراف لدى رئيس الوزراء اولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتس، كانت هناك أخطاء إسرائيل الكبرى عندما اعتقدت أنها يمكن أن ترغم حزب الله على الاستسلام وأن تدفع اللبنانيين إلى حافة الحرب الأهلية بأخذها لبنان كله «رهينة» وبتدمير البنى المدنية وإلقاء الآلاف من أطنان القنابل عليه.
وكانت إسرائيل قد مسحت عن قصد قرى وأحياء كاملة مما يذكّر ببعض أعمال القصف التي شهدتها الحرب العالمية الثانية، أو عملية قصف الفلوجة عام 2004، إنما على صعيد أكبر ومشهود أكثر. وبدت الحرب الإسرائيلية الجديدة على لبنان وكأنها انتقام من أولئك الذين أرغموها على الانسحاب غير المشروط من أراض احتلتها.
ويؤكد المؤلف على قوله إن السلوك الإجرامي الذي لجأت إليه القوات المسلحة الإسرائيلية في لبنان تجاوز بنظر المعاهدات الدولية التي تحدد جرائم الحرب، تلك الجرائم التي اقترفتها الولايات المتحدة مباشرة وعلى صعيد كبير أثناء عملياتها ما بعد فيتنام، أكان ذلك في العراق أو في يوغسلافيا السابقة.
ويبدو الهجوم الإسرائيلي على لبنان بهذا الشأن على غرار ما تفعله واشنطن عندما تقوم بتحويل الأفراد الذين تتمنّى «استجوابهم» إلى خارج المناطق التي تمنع فيها التشريعات الأميركية اللجوء إلى التعذيب، أي إلى بلدان لا تمنع حكوماتها الحليفة التعذيب.
وضمن إطار نفس الذهنية عهدت واشنطن لإسرائيل بمهمة قتال حزب الله، كعملية مركزية في الهجوم الإقليمي المضاد لإيران في المنطقة، أي باعتبار أن إسرائيل تستطيع أن تنفّذ عملية استئصال لمنظمة متجذرة بعمق لدى السكان الذين تتواجد بينهم ودون أن تلاقي مشاكل كبيرة. واعتقد الإسرائيليون كذلك أنهم قد يكونون بمنجاة من نقد «المجموعة الدولية»، والتي تعني لهم «اسما مستعارا» للقوى الغربية.
ويلاحظ هنا أنه على الرغم من أن استغلال مثل هذا الموقف يتضاءل كل مرة تتجاوز فيها إسرائيل عتبة جديدة من الشراسة، فإن استغلاله يبقى فعّالا رغم كل شيء. إذ ان أية دولة أخرى غير إسرائيل تقوم بالهجوم على بلد مجاور وترتكب فيه عنوة جرائم حرب مكثّفة في الزمن بالطريقة التي تصرّفت فيها إسرائيل بلبنان خلال صيف 2006، كان يمكن أن تثير ضدها حركات احتجاج أقوى وأشمل بما لا يقاس مع أشكال اللوم الباهتة أو الخجولة التي تمّ توجيهها لإسرائيل فيما يخص تجاوزها «البسيط» للحدود.
رغم هذا كله، لم يحقق الهجوم الإسرائيلي الشرس أي نجاح، بل على العكس لقد تكشّف عن صدق ما ذهب إليه الكاتب «زين ستيرنهيل» بأن الحرب التي خاضتها إسرائيل في لبنان كانت «الأقل نجاحا»، وختم ما كتبه بما يلي: «إنه لمن المخيف التفكير بأن أولئك الذين قرروا الدخول في تلك الحرب لم يتصوروا نتائجها وعواقبها المدمّرة في جميع الميادين الممكنة تقريبا، وخسائرها السياسية النفسية، والضربة الكبيرة التي وجهتها لمصداقية الحكومة، وأيضا، قتل الأطفال عبثا.
ثم إن الاستخفاف الذي برهن عليه الناطقون الرسميون أو شبه الرسميين من الحكومة، بما في ذلك المراسلون العسكريون، في مواجهة الكارثة التي عانى منها اللبنانيون أدهش شخصاً مثلي كان قد فقد منذ فترة طويلة أوهام الشباب».
ثمن الحروب الاستعمارية
لم يؤد العدوان الإسرائيلي الشرس إلى نشوب حرب أهلية في لبنان، بل نجح في إعادة لحمة اللبنانيين طيلة الفترة التي كانت القنابل تسقط فيها على الأرض اللبنانية. وبعيدا عن إرغام حزب الله على وضع سلاحه جانبا وتسليمه فإن هذا العدوان حوّل الحزب إلى القوة الأكثر بروزا في مواجهة إسرائيل منذ حرب 1967 وهزيمة مصر، كما جعل من حسن نصر الله «البطل العربي» الأكثر شعبية منذ جمال عبد الناصر.
بل إن الهوة لم تزدد بين الشيعة والسنة، كما كانت ترمي أهداف واشنطن، بل إن العديد من الأئمة ورجال الدين السنّة دعّموا صراحة وبقوة حزب الله. وشجب العراقيون بالإجماع العدوان الإسرائيلي، بينما قام مقتدى الصدر أحد ألد أعداء واشنطن وصديق طهران بتنظيم مظاهرة عارمة شبيهة بتلك التي كان وراء تنظيمها ضد الاحتلال الأجنبي لبلاده بتاريخ 9 أبريل 2005.
وينقل المؤلف عن استطلاع للرأي قام به مركز «ابن خلدون» للدراسات في القاهرة الذي يديره الباحث الاجتماعي المصري المعروف سعد الدين إبراهيم، ونشرته صحيفة «الواشنطن بوست» ان الشخصيات الأكثر شعبية في مصر خلال شهر أغسطس 2006 كانت كالتالي: «82 بالمئة لحسن نصر الله يليه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد 73 بالمئة ثم خالد مشعل 60 بالمئة ثم أسامة بن لادن 52 بالمئة وأخيرا محمد مهدي عاكف، رئيس الإخوان المسلمين في مصر، 45 بالمئة».
إن هذه الأرقام تمثل أكبر فشل سياسي لإدارة جورج دبليو بوش في الشرق الأوسط، كما يؤكد المؤلف ليضيف أن استطلاع الرأي يبيّن أيضا أنه، ومهما كانت التطورات التي قد يعرفها لبنان لاحقا، فإن «قارب النجاة الإسرائيلي» لم يساعد السفينة الأميركية التائهة في المنطقة على أن تجد المسار الصحيح بل إنه زاد من ضياعها، بل وربما ظهر أنه قد يغرق معها، المهم أن لا يؤدي هذا الغرق المزدوج إلى آلاف الضحايا الإضافيين في الشرق الأوسط، وربما في بقية العالم.
وفي المحصلة النهائية يجب القول انه قد ولّى الزمن الذي كانت تستطيع فيه القوى الكبرى أن تبقى هادئة بينما تقوم جيوشها بحملاتها الاستعمارية. فعملية تدخل فرنسا في الحرب بين العراق وإيران كانت وراء التفجيرات التي شهدتها شوارع باريس عام 1986.
وكان تدخلها في النزاع الجزائري ـ بعد انتخابات 1991 ـ وراء تفجيرات 1995. كما يتم التأكيد على أن الحملة الاستعمارية التي قامت بها روسيا ضد الجمهورية الشيشانية كانت وراء التفجيرات القاتلة على الأراضي الروسية حتى في موسكو نفسها، وان العودة الكبيرة للقوات الأميركية إلى منطقة الخليج لم تكن بعيدة عن تفجيرات 11 سبتمبر 2001.
ولو أن إسبانيا لم تدعم حروب واشنطن في الشرق الأوسط لما كان لتفجيرات 11 مارس 2004 أن تقع في أحد قطارات النقل الداخلي، وتفجيرات لندن بتاريخ 7 يوليو 2005 لم تكن غريبة عن مساهمة بريطانيا في الحروب الأميركية. كانت تلك هي التفجيرات التي تمّ تنفيذها، ناهيك عن عشرات المحاولات التي جرى إحباطها.
وينتهي هذا الكتاب بالتساؤل التالي: كم من الموت والرعب علينا أن نواجه قبل أن تتوقف نهائيا الحروب وأشكال الاحتلال والتدخل الاستعماري؟!
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


