يتحدث المؤلف هنا عن نقاط الضعف التي ظهرت في طريقة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع مجريات الحرب على لبنان ونتائجها على الأرض، ويشير إلى أن القيادة الإسرائيلية كلها تتحمل المسؤولية عن الفشل الذي مني به الجيش الإسرائيلي في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب. ولكنه يقول إن هذا الفشل قد يدفع بالحكومة الإسرائيلية إلى خوض جولة ثانية من الحرب لرد الاعتبار لجيشها ولقدرتها الرادعة.

كشفت الصحافة الإسرائيلية انه عند نشوب الأزمة قام رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال «دان حالوتس» ببيع الأسهم التي كان يمتلكها في سوق البورصة، وذلك على خلفية إدراكه أن أسعار تلك الأسهم سوف تنخفض كثيرا بعد فترة قليلة. وهذا ما يرى فيه مؤلف هذا الكتاب مؤشرا واضحا وكاشفا لطبيعة الحرب الإسرائيلية على لبنان. ذلك أنه في ظل عهد الليبرالية الجديدة تغيّرت المعايير والقيم لدى ضباط الجيش الذين ما عادوا يبحثون عن المجد والنجاحات العسكرية وإنما بالأحرى عن كيفية كسب مبالغ مالية أكبر. وهم يحضّرون بذلك، وهم ما زالوا في سلك الجندية، لمسيرتهم المهنية التالية والتي تكون غالبا في قطاع تجارة الأسلحة أو بيع أنظمة الأمن للقائمين على رأس الأنظمة الديكتاتورية في أميركا اللاتينية أو لتجّار المخدرات.

هكذا يرى المؤلف أن فشل الجيش الإسرائيلي في حرب ال33 يوما يعود أيضا إلى تدهور القيم لدى ضباطه الذي يولون، على غرار رئيس أركانهم، اهتماما أكبر لأسعار البورصة من اهتمامهم لأمور أجهزتهم العسكرية وقواتهم.

بل يرى أن أسوأ من ذلك يتمثل في العدد الكبير من قضايا الفساد والرشوة التي تفسر وجود نوعيات سيئة من التجهيزات لدى بعض القطاعات، ذلك أن الضباط كانوا قد قبلوا، كما يبدو، مقابل مبالغ مالية أعطيت لهم «تحت الطاولة»، شراء هذه التجهيزات وليس غيرها، رغم الشكوك التي كانت تحوم حول نوعيتها.

وإذا كانت الليبرالية الجديدة تحمل في أعماقها الحرب كما تحمل الغيوم الأمطار، حسب التعبير المستخدم، فإنها، وللمفارقة، تعيش حالة توتر مع ما تتطلبه الحرب من بحث الأفراد عن أكبر قدر ممكن من الرفاهية وتفكيك المصالح والإدارات العامة وتعميم حركة الخصخصة؛ وهذه كلها أمور لا تتماشى في واقع الأمر مع المصلحة الوطنية ومع روح الوطنية إذ لا يمكن بنفس الوقت البحث عن الكسب الخاص وعن الصالح العام في الحرب.

نقاط الضعف، ويتم تحديد نقاط الضعف التي تبدّى فيها مثل ذلك التناقض في التقصير الذي أبدته المصالح والإدارات التي يُفترض أنها تؤمن المساعدات في زمن الحرب وذلك فيما يخص الملاجئ المدنية وتزويد الذين يتواجدون فيها بالمؤن طيلة مكوثهم فيها بناء على الإنذارات الصادرة.

وتصبح نقطة الضعف هذه أكثر فأكثر خطورة لاسيما وأن المدنيين أصبحوا اليوم في مقدمة أهداف الحروب. وينقل المؤلف عن نائب رئيس بلدية حيفا إجابته عندما سألته الإذاعة الإسرائيلية عن أشكال التقصير الخطيرة التي أبدتها المصالح البلدية في مساعدة المدنيين الذين أمضوا عدة أسابيع في الملاجئ، قوله: «من الصحيح القول ان البلدية لم تفعل الشيء الكثير. لكن هناك منظمات غير حكومية من أجل سد هذا النقص».

هكذا إذن تقوم الدولة الليبرالية ومؤسساتها عبر تفكيك المصالح العامة والخصخصة والإحسان، بإدارة الحرب الحديثة وتتخلى عن مسؤوليتها كي تلقيها على كاهل المنظمات غير الحكومية والتي تقوم في أغلب الأحيان بأعمال ممتازة ولكنه لا يمكنها بأية حالة من الأحوال أن تقوم مقام الدولة ومؤسساتها لتقديم ما هو حق للمواطنين.

وينقل المؤلف عن الصحافي الإسرائيلي، دانييل بن سيمون، والذي يصفه أنه أحد أفضل الصحافيين الإسرائيليين، إنه كتب بغضب في مقال حمل عنوان «خيانة الدولة» ما مفاده: «إن جميع لجان التحقيق التي ستقوم لن تستطيع أن تطمس الجريمة التي كنا شهوداً عليها في الحرب الثانية بلبنان. إن الدولة قد اختفت بكل بساطة، وكأن الأرض قد ابتلعتها. إنها لم تكن موجودة في بلدات الشمال في أصعب اللحظات من أجل مساعدة قاطنيها الذين بقوا فيها. إن طبيعة الدولة قد ظهرت أثناء الامتحان، وإسرائيل قد فشلت في الامتحان.

«وكانت الجثث التي طفت على سطح الأمواج في نيو أورليانز بعد مرور الإعصار كاترينا كشفت أيضا عن الطبيعة الحقيقية للولايات المتحدة. إن هذه القوة الهائلة أثبتت عجزا يليق ببلاد مثل بنغلاديش. والرئيس جورج دبليو بوش» الذي يعرف كيف يتأهب بسرعة للحرب، لم يقم بزيارة لويزيانا إلا بعد أربعة أيام من مرور الإعصار.

«إن الإعصار كاترينا كشف عن ضعف ايديولوجية تقول بضرورة أن تضعف الدولة لصالح مجموعات اقتصادية خاصة في اقتصاد التبادل الحر (...). وهذا ما حصل بالتحديد لمدن وبلدات شمال إسرائيل طيلة فترة الحرب الأخيرة».

ويتم التأكيد هنا على أنه كان من الظاهر جدا هذه المرة مدى التخلي عن المواطنين الإسرائيليين بالقياس إلى الحروب السابقة منذ عام 1956 والتي جرى فيها استهداف المدنيين إلى حد كبير. ولكن كان هؤلاء المدنيون حتى الآن هم الذين عانوا في الحروب مع إسرائيل، هذا باستثناء بعض المرّات حيث طالت القذائف الفلسطينية البلدات الإسرائيلية خلال سنوات السبعينات والثمانينات.

وكانت إسرائيل قد قامت منذ اليوم الأول للحرب بقصف أحياء ضاحية بيروت الجنوبية وعشرات البلدات في جنوب لبنان وبالتالي كانت تعرف، أو كان عليها أن تعرف لو أنها فقط أولت انتباهها لخطاب حسن نصر الله، إن حزب الله سوف يرد بالقصف على البلدات الإسرائيلية.

وبالفعل لم تصب القذائف جميع مناطق شمال جبال الجليل، مع وقوع عدد قليل نسبيا من القتلى ومن الخسائر، وإنما أصيبت حيفا نفسها، أي ثالث مدينة بعدد السكان في إسرائيل ومركزها الصناعي الرئيسي، وجرى قصفها حتى اليوم الأخير من العمليات العسكرية.

كذلك دمّرت مئات المنازل وهاجر نصف مليون إسرائيلي قسرا إلى الداخل. أما أولئك الذين لم يستطيعوا الهجرة، كون غالبيتهم من الفقراء، فقد تخلّت عنهم الدولة. ثم يتم التأكيد على أن لا مبالاة الدولة حيال المدنيين كانت أحد العوامل التي لعبت دورا أساسيا في المطالبة الشعبية بتشكيل لجنة تحقيق.

ويراهن المؤلف هنا على أن لجنة التحقيق هذه سوف لن تضيع الكثير من الوقت لمعالجة مشكلة عدم وجود وسائل الحماية، من ملاجئ وصفارات إنذار في البلدات والمناطق العربية في إسرائيل، ثم إن مثل هذا التمييز البنيوي هو الذي يفسّر الحقيقة الفاضحة وهي أن أغلبية الضحايا كانوا من العرب المتواجدين أيضا في بلدات شمال إسرائيل ولكن لا يمتلكون نفس وسائل الحماية.

لكن الضحايا المدنيين في هذه الحرب أي 1500 لبناني مقابل 40 إسرائيليا، لم يفقدوا حياتهم نتيجة «عمل غير مقصود»، وإنما لأن استهداف المدنيين بالهجوم وكذلك البنى المدنية إنما هو من صميم «الحرب العالمية ضد الإرهاب» التي لا تعرف الحدود ولا تعترف بقواعد الحرب.

كما حددتها المجموعة الدولية بعد انتصار عام 1954 ضد الفاشية، وذلك بنظر رئيس الولايات المتحدة الأميركية نفسه وفي هذه الحرب الجديدة لم يعد العدو هو الجيش ولا القوة الاقتصادية لأمة ما، وإنما الأمة نفسها والتي تمّ تماثلها مع إرهاب ينبغي القضاء عليه.

هكذا في استراتيجية المحافظين الجدد، تم الانتقال من الحرب ضد الشبكات الإرهابية إلى الحرب ضد الدول الإرهابية، «الدول المارقة» وذلك للوصول إلى الحرب ضد شعوب كاملة على أساس أنها إرهابية لأنها تسمح بنشاط شبكات إرهابية داخلها. وعلى أساس مثل هذا المنطق يصبح من المشروع استهداف شعوب كاملة بالهجوم، سواء كان ذلك في أفغانستان أو العراق أو الأراضي الفلسطينية أو لبنان.

حركة معارضة الحرب

يشير المؤلف هنا إلى أن الحرب السابقة ضد لبنان عام 1982 أدّت إلى ظهور حركة واسعة في إسرائيل مضادة للحرب ونجحت خلال ستة أشهر في أن تكسب أغلبية لدى الرأي العام. هذه المرّة، لم تكن هناك معارضة جماهيرية ضد الحرب على لبنان والسؤال هو: لماذا؟

الإجابة المقدّمة هي أنه في عام 1982 كانت الحكومة الإسرائيلية قد صممت على القيام بالحرب من أجل أهداف تخص أولا الدولة الصهيونية وحلفاءها اللبنانيين، أي طرد المقاومة الفلسطينية وإرساء سلطة اليمين الماروني في لبنان. وإذا كانت واشنطن قد أعطت يومها الضوء الأخضر لمناحيم بيغن ولآرييل شارون، فإنها أبدت بنفس الوقت دعما مشروطا.

ولم تتأخر الإدارة الأميركية آنذاك عن الالتحاق بالدول الأوروبية في محاولة كبح العدوان الإسرائيلي ثم وضع حد له خوفا من نتائجه الإقليمية والعالمية. وكان ذلك الضغط المتنامي للمجموعة الدولية هو الذي سمح آنذاك ببروز حركة مناهضة الحرب داخل إسرائيل. ولعب عامل كلفتها الباهظة بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي دورا أيضا في ذلك، بالإضافة إلى الكلفة الباهظة في الأرواح.

ثم إن مثل هذا الوضع ليس خاصا بالمجتمع الإسرائيلي. ذلك أن السعر الباهظ للحروب الاستعمارية هو الذي جعل الرأي العام ينقلب ضد حكوماته كما جرى في الجزائر وفي فيتنام. لكن إسرائيل كانت أيضا تخشى خاصة حدوث قطيعة في الدعم الدولي لها أثناء حرب 1982 وخاصة دعم الولايات المتحدة الأميركية.

لكن الأمر لم يكن كذلك أثناء حرب ال33 يوما الأخيرة، والعاملان اللذان حرّكا المجتمع الإسرائيلي خلال عام 1982 لم يلعبا دورا كبيرا هذه المرة. ذلك أن الرأي العام الإسرائيلي قد تغيّر كثيرا وذلك على ثلاث مراحل. ففي شهر يوليو 2000 قام ايهود باراك بكذبته الكبيرة حول رفض الرئيس الراحل ياسر عرفات ل«عروضه السخية» وبأنه رفع القناع عن «النوايا الحقيقية» للفلسطينيين بأنهم يريدون «إلقاء اليهود في البحر».

ثم في شهر سبتمبر 2000 كان الرد الشعبي الفلسطيني على العمل التحريضي لآرييل شارون مما «ثبّت» نية إبادة اليهود لدى الفلسطينيين. ثم جاءت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 كي تسمح باندراج «حرب الدفاع عن النفس» التي ترفعها إسرائيل في إطار الحرب العالمية ضد الحركات الإسلامية المسلحة الذي لا تهدد إسرائيل فقط وإنما «الحضارة» بمجملها.

وبهذا المعنى خاضت إسرائيل حرب ال33 يوما من أجل البقاء وضد التهديد الإرهابي. وفي حرب من هذا النوع لا يكون الضحايا (الإسرائيليون وحدهم هم الذين يجري اعتبارهم كذلك) نتيجة سياسة حرب كان يمكن بل ينبغي تجنبها لنفس السبب، وإنما هو الثمن الذي ينبغي دفعه من أجل الدفاع عن النفس.

هذا يعني أنه لم يكن هناك أي خطر مصدره تعبئة حركة السلام الإسرائيلية كما حدث أثناء حرب لبنان الأولى، ذلك أن الحرب التي تشنها إسرائيل ضد الفلسطينيين منذ عام 2000 ثم الحرب ضد لبنان في صيف 2006 تندرجان في حرب «العالم المتحضّر» ضد الإرهاب الدولي ثم ليس هناك أي تهديد يلوح في الأفق من قبل المجموعة الدولية.

ومنذ عام 2000 وحركة السلام الإسرائيلية تعيش في حالة غيبوبة عميقة بل أهم رموزها والناطقون باسمها دعموا الاعتداءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلّة ولبنان. هكذا لم يزد عدد المتظاهرين في شوارع تل ابيب على 5000 شخص كانوا يصرخون «لا للحرب»، وهو نفس عدد الذي تظاهروا ضد تجاوزات الجيش الإسرائيلي في الأراضي المحتلة.

ويبدو واضحا أيضا أن «حركة السلام الآن» في إسرائيل واليسار العمّالي قد قبلوا ما صاغه المحافظون الجدد الأميركيون والإسرائيليون حول مقولة الحرب العالمية ضد الإرهاب. ودعموا بالتالي غزو لبنان عام 2006.

لكن بعض المنظمات والمجموعات الإسرائيلية المناهضة للاستعمار مثل «ائتلاف النساء من أجل السلام العادل»، وغيره، وهم الذين نظّموا المظاهرات «المحدودة» ضد الحرب في لبنان في صيف 2006، بينما دعمها السواد الأعظم من المجتمع الإسرائيلي واعتبر ضحاياها ثمنا لا بد من دفعه من أجل الدفاع عن النفس والبقاء.

ماذا بعد الحرب؟

ينقل المؤلف عن الصحافي «عوزي بنزمان» ما كتبه في صحيفة هآرتس بتاريخ 30 أغسطس 2006 عن حصيلة الحرب وجاء فيه: «من وجهة نظر الجمهور العريض ينبغي أن يدفع الثمن كل من كان وراء الكارثة التي أصابت البلاد خلال شهري يوليو وأغسطس. للوهلة الأولى اعترف ايهود اولمرت بذلك.

إنه وهو الذي يصف نفسه كالمسؤول الأعلى عن دخول إسرائيل في الحرب وعن نتائجها، وهو الذي شكّل ثلاث لجان تحقيق حول الطريقة التي تمّت قيادتها فيها كما أنه أقر بذلك انه كانت هناك أشكال خلل خطيرة (...). لقد فشل اولمرت في تحديد الأهداف التي تحظى بالأولوية في الحرب.

وفي إدراك عواقب العمليات العسكرية وفي حرية الحركة الذي استمر بإعطائها لقيادة الأركان في الوقت الذي كان يرى فيه بأم عينيه أن توقعاتها تخيب مثلما كان فيما يخص منح الضوء الأخضر لهجوم برّي عشية وقف إطلاق النار. كان ذلك كله كافيا جدا كي يستخلص منه رجل شريف نتيجة مفادها أن منصب رئيس الوزراء هو بكل بساطة أكبر منه».

الرأي السائد في إسرائيل أن الحرب كانت فشلا سياسيا وعسكريا، وأن ايهود اولمرت ووزير دفاعه عمير بيرتز ورئيس الأركان يتحملون المسؤولية الكاملة. ولهذا السبب نجد مطلب تشكيل لجنة تحقيق وطنية قد لاقى قبولا شعبيا كبيرا عبّرت عنه مظاهرة ضمّت 000 500 شخص في تل ابيب خلال شهر سبتمبر الماضي.

لكن اولمرت وبيرتز، على قاعدة قناعتهما أن مثل هذه اللجنة سوف تطالب بتبديل المسؤولين الحكوميين كما حدث أثناء التحقيقات حول حرب أكتوبر 1973، ولذلك فضّلا إنشاء عدة لجان تحقيق صغيرة تتمثل مهامها في تحليل المظاهر الثانوية فيما يخص مسيرة الحرب. لكن لا تمتلك أية لجنة من هذه اللجان الصلاحيات التي تمتلكها لجنة تحقيق وطنية.

ويتم التأكيد هنا، كما كان قد أشار الصحافي الإسرائيلي «عوزي بنزمان»، الى أن النتائج المترتبة على مشاعر الفشل التي يقاسمها رئيس الوزراء مع الرأي العام يمكن أن تكون مأساوية. فمثل هذه المشاعر يمكن أن تدفع للقيام بجولة ثانية في وقت ليس ببعيد عن الجولة الأولى الفاشلة. وينقل المؤلف عن «بنزمان» قوله:

«ما هو مثير للقلق في التصريحات الأخيرة لأولمرت، ليس صلفه فقط وغروره، وإنما أيضا بواعثه. لقد كشف رئيس الوزراء بشكل غير إرادي عن الحالة النفسية التي يعيشها وانه مسكون بفشل الحرب في لبنان وأنه تحت تأثير رغبة تتملّكه للتخلّص من هذه الصورة المخجلة «إن الدولة هي بحاجة اليوم لرجل متعقل وغير خاضع لآلام الحرب وفشلها ويمكنه أن يتفحّص بهدوء الوضع الدبلوماسي والأمني.

ثم إن القادة الذين لايزالون يحملون بوعيهم الحروق المؤلمة للمعركة والخجل من أنهم كانوا شخصيا سببها، ولذلك هم مهيأون، ولو في اللاوعي، لأن يقوموا بإلحاق متطلبات البلاد لاعتبارات أنانية تتعلق بصورتهم الشخصية».

تدهور الشعبية

ساد في إسرائيل جو نهاية حقبة حكم بعد ستة أشهر فقط من تمتع الحكومة بأغلبية مريحة في البرلمان. لقد دلّت استطلاعات الرأي الأخيرة على تدهور شعبية حزب «كاديما» الذي يرأسه اولمرت والصعود الكبير لشعبية حزب الليكود بقيادة ناتانياهو الذي كان قد تحجّم كثيرا أثناء الانتخابات السابقة.

وهنا يتم فتح قوسين للتأكيد أنه يحق لاولمرت بشكل مشروع تجميل مسؤولية الفشل العسكري، والغياب الكامل للبنى وللآليات الخاصة لمساعدة المدنيين في حالة القصف. ولا يمكن لأية حكومة جديدة أن تفعل منطقيا خلال ثلاثة أشهر ما كانت لم تفعله الحكومات السابقة على مدى عقد كامل.

لكن في مثل هذه الحالة لماذا يتم الدخول في حرب لم يكن هناك ما يسمح بالقول انه قد جرى التحضير لها جديا، بما في ذلك على المستوى العملياتي؟ يمكن بالتأكيد توجيه الاتهام للمحافظين الأميركيين الجدد بأنهم قد دفعوا اولمرت لشن هجوم بالوكالة ضد حلفاء إيران. لكن السبب الحقيقي، كما يكرر المؤلف، يوجد في الغرور الاستعماري الذي دفع للاعتقاد، بالاعتماد على التفوق التكنولوجي الهائل للجيش الإسرائيلي، بأنه يمكن حل كل المشاكل بواسطة سياسة الهراوة.

ويؤكد المؤلف أنه مع فشل شراسة الحرب والسياسة ذات البعد الواحد، قد جاء الوقت بالنسبة للطبقة السياسية الإسرائيلية كي تفكر بالحرب قبل أن تقوم بها من جديد، ذلك أن الحرب لاتزال هي الأفق الوحيد الذي يلقى قبول الجميع داخل هذه الطبقة. وما كادت حرب ال33 يوما تنتهي حتى بدأ الخبراء بالتحضير لجولة مقبلة. وينقل المؤلف عن المعلّق العسكري الإسرائيلي «افراهام تال» قوله عمّا يفكر به الاستراتيجيون للحرب المقبلة:

«إن حربا تنتهي دون غالب ومغلوب ودون توقيع أي اتفاق بين المتقاتلين، يُفترض أن تلتهب من جديد عاجلا أو آجلا. وفي الحرب بين إسرائيل وإيران، بواسطة حزب الله، لم يحقق فيها أي طرف هدفه الاستراتيجي. لذلك استطاع رئيس الوزراء أن يقول للكنيست انه من الضروري التحقق من أن الأمور ستكون أفضل في المرّة القادمة».

لكن كيف يتم التحقق. ينطلق المؤلف من ضرورة افتراض أن المواجهة القادمة ستتم خلال فترة زمنية قصيرة نسبيا. ويتم في هذا الإطار تحديد مدة عامين بعد المواجهة السابقة، والتصرف على جميع المستويات وكأنها قادمة لا شك في ذلك. وهناك احتمال بأن تكون أوسع وأخطر، أي حربا شاملة تشترك فيها الجيوش النظامية بما في ذلك جيش قوة إقليمية».

العدو الاستراتيجي لإسرائيل يراه «تال» في إيران، وبالتالي ينبغي التحضير للدخول في «حرب شاملة» مع هذه «القوة الإقليمية» ومثل هذه الفكرة أخذ بها «زئيف شيف» المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس» حيث استنتج أنه من المطلوب أولا عقد اتفاقية سلام مع سوريا.

يقول: «توجد إسرائيل، من وجهة نظر استراتيجية، في وضع تناقض غريب. فمن جهة تتكرر القول انها للمرّة الأولى منذ حرب 1948 تواجه تهديداً لبقائها، إنه تهديد إيران التي تطور أسلحة نووية وخاضعة لنظام متشدد كان رئيسه قد طالب بإزالة إسرائيل من الوجود. ومن جهة أخرى، تتابع إسرائيل اعتبار المعركة مع الفلسطينيين هي جبهتها الرئيسية. إن مثل هذا التناقض يتحدّى أي منطق كان.

يقول المؤلف: «إننا بحاجة لثورة استراتيجية. وعلينا أن نقرر أن الجبهة الأولى والرئيسية هي معركة الوقاية من التهديد. والمصلحة الاستراتيجية لإسرائيل هي إخراج سوريا من المحور الإيراني. وليس هناك أية وسيلة أفضل لذلك من السلام مع سوريا من أجل ايجاد حاجز بين إسرائيل وإيران. ينبغي تأمل ذلك».

لكن بعض المحافظين الأميركيين الجدد وجزءا من البنية الأمنية الإسرائيلية لا ينظرون بعين الرضا لتوقيع سلام مع سوريا، وإنما يرون بالأحرى أنه ينبغي أولا شن الحرب عليها. هذا يعني أن جميع القادة الإسرائيليين يتفقون على ضرورة التحضير للحرب القادمة، لكنهم لم يصلوا بعد إلى اتفاق حول هدفها وهل هو سوريا أم إيران؟ أو سوريا ثم إيران؟

بل تتم الإشارة إلى أن هناك من يحلمون بحرب ضد إيران وسوريا دفعة واحدة، ومن يطالبون بحرب جديدة ضد حزب الله. إن مدة عامين ليست كثيرة لترميم جميع أشكال الخلل البنيوية التي كشفت عنها المغامرة الأخيرة في لبنان، وبعد عقدين من عدم الكفاءة العامة، لكن واشنطن، من جهة، ورغبة الثأر لدى القيادة العسكرية، من جهة أخرى، لا تمنحان الحكومة وقتا أكثر ولا تمنحان الجيش إمكانية تعزيز آلته الحربية.

ويبقى الدرس الهام الذي يتم استخراجه من الحرب القريبة ضد لبنان هو أن عهد الحروب السهلة والناجحة لإسرائيل قد أصبح وراءها وأنه مهما كانت موازين القوى فإن المدنيين مرشحون لدفع الثمن الأكبر، وحيث أصبحوا رهائن للداعين للحرب، وهذا ثمن قد يبدو زهيدا بالنسبة لتحقيق أحلام الهيمنة الأميركية وحليفتها المخلصة في الشرق الأوسط.

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف