كشفت مسودة تقرير أعدته لجنة تابعة للأمم المتحدة عن تسارع وتيرة التغير المناخي في مختلف أرجاء العالم بشكل يفوق كل التوقعات. ولفت التقرير الذي أوردته مجلة «دير شبيغل» الألمانية الانتباه إلى خطورة الوضع المناخي في العالم في الآونة الحالية، مؤكدا أن جميع مناطق العالم بلا استثناء سيطولها تأثير ما يجري من تغيرات مناخية جذرية، في حين أن هناك مناطق بعينها ستكون أكثر تضررا من غيرها بشكل ملحوظ.
وتساءل التقرير، الذي كان قد صدر الجزء الأول منه في العام الماضي، في حين طال انتظار الاختصاصيين لصدور الجزء الثاني منه وحصلت عليه المجلة الألمانية قبل التصريح بنشره بشكل رسمي ـ تساءل: «هل خرج مناخ العالم عن إطار السيطرة؟ هل التلوث الذي وقع على امتداد العقود الماضية يلقي بظلاله على واقع العالم اليوم؟»
وقد صدر التقرير عن اللجنة الدولية للتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة، والتي من المقرر أن تنشره بشكل رسمي بعد الانتهاء من النقاشات الختامية مع مندوبين حكوميين من مختلف أرجاء العالم. وضمت اللجنة مئات العلماء الذين قاموا بدارسة ما يقرب من 30 ألف مجموعة من البيانات مستقاة من أكثر من 70 دراسة دولية توثق التغيرات الحاصلة في عمليات التوزيع المائي والجليدي على مستوى العالم بالإضافة إلى حالة البيئة النباتية والحيوانية في العالم على مدار العشرين عاما الماضية.
وأشارت النتائج النهائية للتقرير إلى أن التغير المناخي أصبح له أثر ملحوظ لا يمكن تجاهله في جميع قارات العالم وعلى الأنظمة البيئية على سطح الأرض. ويقدم التقرير قائمة من الأدلة على ما طرأ من تغير مناخي شديد على امتداد السنوات الأخيرة، يمكن تلخيص بعضها في النقاط التالية:
ـ زيادة ملحوظة في حجم وعدد البحيرات الجليدية في العالم ، ما يؤدي إلى إمكانية حدوث سلسلة من الفيضانات القاتلة على مستوى العالم.
ـ ارتفاع حرارة المناطق الجليدية الواقعة تحت سطح المناطق الجبلية، ما يؤدي إلى تفاقم خطر وقوع انهيارات أرضية في تلك المناطق.
ـ ارتفاع حرارة الأنهار والبحيرات على مستوى العالم، مما يتسبب في تغير جودة مياه تلك الأنهار واختلاف التطابق الحراري بينها.
ـ زيادة سرعة تيارات الأنهار جراء تأثير ذوبان الأنهار والمناطق الجليدية، لاسيما في أشهر الربيع.
ـ بدايات مبكرة لفصل الربيع في شتى أنحاء العالم، ما يتسبب في ازدهار النباتات بشكل أسرع، الأمر الذي ينجم عنه تغير مواسم الهجرة لدى الطيور.
ـ عدد كبير من النباتات والحيوانات بدأت في توسيع موائلها ومدها إلى المناطق الجبلية والمناطق المرتفعة التي تتمتع بأجواء مناخية أفضل لنموها.
و بحسب تقرير اللجنة فإن أكثر من 85% من البيانات التي تم جمعها تثبت أن تزايد الانبعاثات الحرارية الضارة، وهو ما يعرف بظاهرة الدفيئة، هو السبب الرئيسي وراء التغيرات المناخية على مستوى العالم.
واستبعد العلماء أن يكون ما يحدث من تغيرات مناخية حول العالم يمكن اعتباره ظاهرة طبيعية الحدوث. وأضاف العلماء أن أنماط الارتفاع في درجات الحرارة والتغيرات البيئية الحاصلة في العالم تتوافق كل منها مع الأخرى. وتطرق التقرير إلى ما هو أبعد من التغيرات المناخية الحاصلة على امتداد الكرة الأرضية، حيث ألقى الضوء على الكيفية التي ستتطور بها المناطق المأهولة في العالم في المستقبل حينما يكون العالم أكثر دفئا وحرارة.
ويحذر التقرير من أن هناك موارد طبيعية كثيرة ستكون ضحية التغيرات المناخية المحتملة. وأوجز التقرير هذه النتيجة في النقاط التالية:
ـ تواجه نحو 20% إلى 30% من جميع الفصائل والسلالات الحية في العالم خطر الانقراض في حال ارتفاع متوسط درجات الحرارة في العالم من 5 .1 إلى 5 .2 درجة مئوية أخرى إضافية على متوسط درجة الحرارة الذي كان سائدا في فترة التسعينيات من القرن الماضي. وحذر التقرير من أن هذا الأمر يمكن أن يحدث بحلول العام 2050.
ـ الشعب المرجانية في العالم معرضة لتناقص كبير في حجم مساحتها.
ـ الملاحات وغابات المانغروف الاستوائية يمكن أن تختفي من على الأرض في حال استمرار ارتفاع مستويات مياه البحر على مستوى العالم.
ـ ستحل مناطق السافانا محل الغابات الاستوائية المطيرة في المناطق التي ستقل فيها المياه الجوفية.
ـ ستعاني الطيور المهاجرة والثدييات بشدة في حال استمرار التغيرات المناخية في مناطق القطب الشمالي.
ويتوقع التقرير تضرر المناطق التالية جراء ظاهرة التغير المناخي على مستوى العالم:
ـ منطقة القطب الشمالي في ضوء أنها الأكثر عرضة للتغير المناخي.
ـ بعض الجزر الواقعة في منطقة الباسيفيك لاسيما مع تواصل ارتفاع مستويات مياه البحر.
ـ المناطق الجنوبية من القارة الأفريقية بسبب انتشار الجفاف.
ـ مناطق الدلتا الكثيفة السكان في آسيا بسبب الفيضانات.
وتوقع التقرير أيضا ارتفاع نسبة الوفيات والإصابات والأمراض جراء ارتفع درجات الحرارة بشكل ملحوظ وكذلك بسبب الفيضانات والعواصف وحرائق الغابات وموجات الجفاف، لاسيما في قارتي أوروبا وآسيا.
وأوضح التقرير أن مئات الملايين من الناس في المناطق الساحلية الكثيفة السكان لاسيما في قارة آسيا مهددون بشكل كبير بسبب ارتفاع منسوب سطح البحر والفيضانات، إذ أن هناك أكثر من سدس سكان العالم يعيشون في مناطق تتأثر بشكل مباشر بالموارد المائية القادمة من الأنهار الجليدية والتجمعات الثلجية التي من المحتمل بشدة أنها ستختفي بحسب التقرير.
ويشير التقرير بالتفصيل إلى العواقب المحتملة للتغير المناخي على معظم مناطق العالم في أفريقيا وآسيا والأميركتين وأستراليا ونيوزيلندا والمناطق القطبية وبعض جزر المحيط الهادئ.
وفي المجمل يوضح التقرير أن للتغير المناخي آثار سلبية في البشر والبيئة في آن في عدد كبير من مناطق العالم. وأكد أن الآثار الإيجابية القليلة للتغير المناخي مثل زيادة الرقعة الزراعية في شمال أوروبا لا يمكن مقارنتها بالعواقب الوخيمة للظاهرة والأخطار التي ستصاحب الاحتباس الحراري بشكل عام. وأكدت المجلة على أن هناك إجماعا كبيرا بين المشاركين في إعداد التقرير الذين هم من كبار العلماء في العالم على الخطورة الكبيرة للتغير المناخي على مستوى العالم.
وأورد التقرير عددا من الآثار الإيجابية لظاهرة الاحتباس الحراري، غير أنها، بحسب تعبير العلماء، تعتبر في المجمل تغيرات مؤقتة.
وأشارت المجلة إلى أنه يبدو أن العلماء غير قلقين من تأثر الإنتاج الغذائي على مستوى العالم سلبا من ظاهرة الاحتباس الحراري. فالأجواء ستكون مشجعة على تحسن الإنتاج الزراعي في المناطق المرتفعة، ما سيؤدي إلى زيادته في العالم بشكل عام. غير أن هناك عددا من دول العالم النامية التي ستتأثر بموجات من الجفاف ستؤثر بدورها في قدراتها الزراعية وستؤدي بطبيعة الحال إلى شيوع المجاعة.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع نسبة الانبعاثات الكربونية في غلاف الأرض سيكون في البداية عنصرا داعما للرقعة النباتية في العالم، حيث ستزداد المساحات الخضراء على مستوى العالم . فامتصاص النبات لثاني أكسيد الكربون سيمثل علاجا فعالا ضد الاحتباس الحراري، غير أن هذا التأثير الإيجابي لن يدوم إلى الأبد، حيث يشير التقرير إلى أن «الأنظمة البيئية الأرضية نفسها ستصبح في النصف الثاني من القرن مصدرا للانبعاثات الكربونية ، الأمر الذي بدوره سيُسرع من وتيرة التغير المناخي حول العالم».
وفي النهاية تشير المجلة إلى أنه ليس من المعلوم بعد ما إذا كان التقرير سيصدر في النهاية بالصيغة التي وردت في المسودة أم لا. فحتى اللحظة الحالية هناك اختلاف بين العلماء على بعض المفردات التي سترد في النص النهائي، لاسيما تلك التي يمكن أن تكون لها عواقب سياسية. والاختلاف الرئيسي بين العلماء الآن يكمن في طريقة وصف العواقب الوخيمة للتغير المناخي. فالبعض يريد أن يصفها بأنها «محتملة» والبعض الآخر يريد أن يصفها بأنها «محتملة جدا» وآخرون يريدون وصفها بأنها «مؤكدة بشكل لا ريب فيه», الأمر الذي يبين أن الاختلاف يكمن في الصياغة فقط وليس في المضمون الذي يجمع عليه كل المشاركين في التقرير.
إعداد: حاتم حسين
