طالبات كلية الشريعة والقانون في جامعة الإمارات قدمن خطة جريئة نحو مناقشة واحدة من القضايا المجتمعية الحساسة التي باتت كابوساً يقلق الأسرة والمجتمع وسط دوامة من الأسئلة والتداعيات والبحث عن إجابات وافية لأسئلة كثيرة قديمة متجددة حول الزواج المستقر وبناء الأسرة الصالحة والحد من ظاهرتي العنوسة والطلاق.

الدكتورة حبيبة الشامسي مرشدة جمعية كلية الشريعة والقانون شجعت طالباتها على تنظيم حملة إستمرت إسبوعاً تحت شعار(خطوتك نحو مستقبل أسري مستقر)وذلك لشرح أسس الزواج الصالح والمستقر وحقوق كل من الزوجين قبل وبعد وأثناء الزواج ومايتخلل ذلك من مشاكل اجتماعية وقانونية تحت مظلة الشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية اللذين باتا يقفان عاجزين أحياناً عن الحد من تلك التداعيات ..! الأسبوع الحافل بالندوات وورش العمل افتتحه الدكتور جاسم الشامسي عميد الكلية بحضور عدد من أعضاء هيئة التدريس والمتخصصين بالشريعة الإسلامية وقانون الأحوال الشخصية وبعض القضاة والمحامين الذين تمتليء أدراج مكاتبهم بمئات قضايا الطلاق وما يرافقها من تداعيات أسرية ومجتعية تهدد إستقرار المجتمع بشكل عام وتهدم كيان الأسرة بشكل خاص.

الحملة بدأت بمعرض قدمته الطالبات عبر أجنحة تتحدث عن جانب من جوانب الحياة الأسرية مزودة بالنصوص القرآنية القانونية حيث يتوسط الأجنحة مجسمان الأول عبارة عن عربات قطار العمر على سكة تتقدمها عربة مكتوب عليها (الخطبة) بإعتبارها هي أول مرحلة من مراحل الإقدام على الزواج تليها عربات تمثل المراحل التي يمر بها تكوين الأسرة منها المودة والمحبة والإحترام المتبادل والتفاهم وإنكار الذات حيث تسير العربات وصولاً للمحطة الأخيرة وبداخل العربات أطفال يمثلون الحمولة الحقيقية لهذا القطار وفي موقع آخر إنتصب ميزان كبير رجحت فيه حقوق المرأة على الرجل مما جعلنا نتساءل هل ذلك تحيز من قبل الطالبات لبنات جنسهن أم انها الحقيقة؟

ودار حوار ونقاش بين الحضور حيث تبين كم هي الحقوق التي تتمتع بها المرأة في ظل الشريعة الإسلامية السمحة إلى جانب أجنحة تبين بعض العادات والتقاليد المجتمعية في الزواج ولم تتردد الطالبات من طرح أهمية إعادة النظر بمفهوم المطلقة وكتبن لافتة تقول :(الطلاق ليس نهاية الحياة). - علاقة إنسانية سامية: عن هذه الحملة تقول الدكتورة حبيبة الشامسي مرشدة جمعية طالبات الشريعة والقانون إن إقامة هذه الحملة جاءت لتؤكد مدى أهمية بناء الأسرة المتماسكة التي تكون اللبنة الأساسية قي بناء المجتمع وما يعتري هذه العلاقة الإنسانية السامية من تداعيات تنعكس مخاطرها على المجتمع بكاملة والأسرة بشكل خاص على الرغم من وجود نصوص الشريعة والقانون التي حفظت حقوق الطرفين

وأشارت إلى أن حملة(خطوتك نحو مستقبل أسري مستقر)تهدف إلى عدة أمور منها بالدرجة الأولى تثقيف الفتاة الجامعية بأمر الزواج ومتطلباته كونه مرحلة مهمة في حياتها فلها حقوق وعليها واجبات تبدأ منذ اللحظة الأولى للخطبة وتكلل بالزواج وتستمر أثناء ذلك وما يرافقها من تداعيات يجب التنبه إليها والعمل على تلافيها قبل الوقوع فيها عند ذلك يصعب حلها

وبالتالي تضمنت الحملة إقامة ورش عمل تتضمن إدارة المشكلات الزوجية ومقومات الزواج الناجح وورشة أخرى تحت عنوان(كيف تختارين شريك الحياة؟ إلى جانب ورش أخرى لشرح بعض النصوص في الشريعة الإسلامية ونصوص قانون الأحوال الشحصية وكذلك ورش رعاية صحية ونفسية وتقديم الإرشادات والنصائح الشخصية.

وتضيف الدكتورة حبيبة أن الحملة تحقق أهدافاً أخرى كونها تأتي تطبيقاً عملياً لبعض المساقات التي تدرس في الكلية كما إنها فرصة للتعرف على بعض المشاكل التي تم طرحها على المختصين وفيها ردود قانونية وشرعية للتساؤلات وأشارت إلى ان الحملة شاركت فيها 60 طالبة وهي ليست مقتصرة على الطالبات بل يجب أن تعمم على الطلاب أيضاً كونهم الطرف الآخر في المعادلة الزوجية.

تجربة مشجعة

من جانبه أشار الدكتور جاسم الشامسي عميد كلية الشريعة والقانون إلى أهمية مثل تلك الحملات والأنشطة الطلابية ويرى إن حملة الزواج هي من أهم الأنشطة التي تنظمها الطالبات بشكل خاص والجامعة بشكل عام كونها تطرح قضية مجتمعية على جانب كبير من الأهمية والخطورة حيث إن الزواج ومتطلباته وتداعياته مرحلة حتمية في حياة كل شاب أوفتاة بعد التخرج وعليهم التعرف عملياً على متطلبات تلك المرحلة من حيث الحقوق والواجبات الملقاة على عاتق كل طرف .

كما أكد عميد الكلية على أهمية أن يقوم صندوق الزواج بدعم مثل تلك المناشط وآثارها على استقرار الأسرة والمجتمع في ظل ازدياد حالات الطلاق وارتفاع نسبة العنوسة بين الفتيات لاسيما الخريجات الجامعيات والبحث عن أسباب عزوف بعض الشباب عن الزواج مما ينعكس سلباً على المجتمع وتنميته واستقراره مما يتطلب تدخل جهات عديدة للحد من هذه الظواهر الدخيلة على مجتمعاتنا والبحث عن حلول عملية تساعد الشباب والشابات على تخطي عقبات الحياة الزوجية.

تحديات مجتمعية

الدكتورمحمد عبد الرحمن العلما أستاذ الفقه الإسلامي في كلية الشريعة والقانون يقول : لاشك إن موضوع الزواج من المواضيع المهمة التي تشغل بال الشباب والشابات وتقلق الأسرة والمجتمعات في ظل التحديات المجتمعية ومايرافقها من ظاهرة خطيرة لاسيما إرتفاع نسبة الطلاق والعنوسة وتأخر سن الزواج وضرورة تطوير قوانين الأحوال الشخصية بشكل يتناسب ومتطلبات الحياة الحديثة وبما يحفظ كرامة وحقوق المرأة التي نصت عليها الشريعة الإسلامية

وأكد العلما ان مثل تلك الندوات والحملات تساهم بتعريف الشباب والشابات بمتطلبات الحياة الزوجية الذين هم مقبلون عليها بعد التخرج ويسعون من خلالها إلى تكوين أسرة مستقرة وحياة سعيدة.

وأشار إلى أن هناك عوامل كثيرة مباشرة وغير مباشرة تساهم بتفاقم تلك الحالات لاسيما الأوضاع الإقتصادية والمعيشية وبعض الظروف المجتمعية في ظل الإنفتاح المتسارع على عادات وتقاليد بعيدة عن مجتمعاتنا أثرت سلباً في سلوكيات الشباب والشابات وكذلك دور المؤسسات الإعلامية وبعض البرامج التلفزيونية على بعض الفضائيات التي تبث برامج هدامة لها انعكاسات خطيرة وسط الشرائح الشبابية.

رباط مقدس

الدكتور حسن المرزوقي أستاذ الشريعة الإسلامية يؤكد أن الزواج رباط مقدس نصت عليه كل الشرائع السماوية وقد خص الإسلام الزوجة بكثير من الحقوق غير موجودة في بعض التشريعات والمجتمعات الغربية على أن نصون هذه المؤسسة التربوية والأسرية كونها النواة الحقيقية لبناء المجتمع الصالح والمستقر وأشار إلى أهمية الإستقرار الأسري وذلك إنطلاقاً من معرفة كلا الزوجين للحقوق والواجبات الملقاة على عاتق كل منهم.

التحضير الجيد للزواج

الدكتور شافع الحمادي أكد بدوره على أهمية مثل تلك المناشط التربوية والتثقيفية التي تهم الشباب والشابات لاسيما تلك المرتبطة بحياتهم الأسرية وأضاف أن الزواج مسألة مهمة جداً يجب التحضير لها بشكل جيد نفسياً وإقتصادياً فالإستعداد لهذه المرحلة يتطلب من كلا الطرفين التعرف على متطلبات الحياة الأسرية وكل مرحلة لها ظروفها ومتطلباتها فالخطبة لها ظروف ومتطلبات وشروط تختلف من مجتمع لآخر

وكذلك الزواج وإنجاب الأطفال والرعاية والتربية والتعليم وتوفير الإستقرار الأسري عامل مهم جداً في تكوين الأسرة ومتى تخلخلت العلاقة بين الزوج والزوجة إنعكس ذلك على بناء الأسرة وإستقرارها وبات من الصعب الإصلاح ولابد من الحد من الخسائر التي يدفع ثمنها أغلب الأحيان الأولاد والسبب جهل الأم والأب أو عدم وجود التفاهم والود المتبادل في ظل التداعيات العصرية المتسارعة لاسيما الإقتصادية منها

حيث ساد بالخطأ مفهوم الإستقلال الإقتصادي لكلا الزوجين تحت علل واهية وأعذار غير مقبولة في أحيان كثيرة حيث يجب أن يسود روح التعاون والتكاتف بين الزوجين لمواجهة أعباء الحياة المتزايدة فالمسألة لم تعد مجرد علاقة عقدية جوفاء وحيث إن عقد الزواج يختلف مفهومه عن باقي العقود الحقوقية والقانونية ومعطياته مختلفة.

ملفات القضاء

المحامي عبد القادر الهيثمي قدم ورقة عمل حول قانون الأحوال الشخصية في دولة الإمارات وضرورة إعادة النظر ببعض النصوص والفقرات التي يجب أن تراعي التطور المجتمعي حيث تشهد الدولة تطوراً ونمواً متسارعاً في مختلف مناحي الحياة

إضافة لعوامل التركيبة المجتمعية وتداخل الثقافات على أرض الإمارات مما يضمن تأمين الإستقرار النفسي والإجتماعي وتسهيل تكوين الأسرةالسعيدةأمام الشباب والشابات وأشار إلى ماتحتويه أدراج المحامين والمحاكم الشرعية من ملفات ودعاوى كثيرة

وقد إستمع إلى العديد من أسئلة وإستفسارات الطالبات وأشار إلى خطورة إرتفاع نسبة الطلاق في المجتمع وللأسف بين المتعلمات والخريجات وكذلك إرتفاع نسبة العنوسة وكل ذلك يأتي في إطار عدم الوعي والفهم الصحيح للزواج الذي بات يبنى على المصالح الإقتصادية التي باتت سمة العصر وإنعكست على إستقرار الأسرة بشكل عام وإستقرار الزواج بشكل خاص.

من الخطبة إلى عقد القران

الدكتور حسن المرزوقي شدد على أهمية المعرفة الشرعية والقانونية بالزواج الذي يبدأ بالخطبة وما يرافقها وما يليها ومتطلبات كل مرحلة وصولاً للمرحلة الأخيرة وهي عقد القران والزواج وإنجاب الأولاد الذين هم الثمار الحقيقية للزواج الصالح المستقر وأية انعكاسات على مسيرة الزواج سوف تنعكس على الأبناء واستقرارهم النفسي ومستقبلهم مناشدا الشباب والشابات عدم التأثر بما يطرحه الغرب من مفاهيم دخيلة على قيمنا وعاداتنا وديننا والذي قدم لنا حلولاً كثيرة تناسب كل زمان ومكان من أجل توفير الاستقرار للمؤسسة الزوجية.

مئات الدعاوى في أدراج مكاتب المحامين

أشار المحامي عبد القادر الهيثمي إلى وجود مئات الدعاوى في أدراج ومكاتب المحامين التي تطالب بالطلاق وحقوق النفقة ومدى خطورة هذه الدعاوى التي تأخذ وقتاً وجهداً حيث إن المحامين يمنحون الطرفين متسعاً من الوقت للتسوية وإصلاح ذات البين بين الطرفين المتنازعين قبل وقوع (أبغض الحلال) الذي هو الحل الأخير

ونصح الطالبات بضرورة التعرف على الحقوق والقيام بالواجبات وعدم تغليب المصالح الآنية والشخصية على إستقرار الأسرة وعدم التسرع برفع دعوى الطلاق إلا بعد إستنفاد كل الطرق والسبل وعدم السماح لأطراف أخرى بالتدخل إلا لمن - يتق الله - وعلى الآباء والأمهات أن يساعدوا أبناءهم على بناء وإستقرار حياتهم وتوفير البيئة الصالحة وأن يختاروا لأبنائهم الأزواج والزوجات الصالحات عملاً بكتاب الله وسنة رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم

داوود محمد