ليس سهلاً أن تعتلي طالبة من كلية الشارقة للتقنية العليا قمة سفينة بحرية متحدية إعاقتها لترفع علم دولة الإمارات ليرفرف خفاقا على شراع سفينة في جزر الكناري معلنا ولاء وانتماء أبناء هذه الأرض الطيبة لتراب وطنهم الغالي،

ولم تكن مي النعيمي ابنة التسعة عشر ربيعاً ـ رافعة العلم ـ رغم حيائها الزائد تعي أنها ستكون ضمن فريق يضم قرابة الأربعين مشاركا من جنسيات مختلفة وحدهم في سفينة تبحر في عرض البحر متحدين مكامن الضعف والقوة لديهم مشكلين صورة وضاءة جميلة لمعنى التآخي والاندماج والتحاور الديمقراطي الحر. الرحلة التي حظي ثلاثة من طلاب وطالبات كليات التقنية العليا في الشارقة بفرصة المشاركة بها إضافة إلى اثنين من المرافقين هي رحلة إبحار إلى جزر الكناري في المحيط الأطلسي لمدة أسبوع كامل وعلى متن سفينة شراعية كبيرة وقد بنيت فكرة «الإبحار العربي» على فكرة قائمة في المملكة المتحدة أطلقتها المؤسسة الخيرية «جوبيلي سيلنج ترست - Jubilee Sailing Trust» التي تأسست على مبدأ تطوير فرص التفاهم بين الأفراد ذوي الاحتياجات الخاصة والأفراد الطبيعيين من خلال تحديات جديدة تدعم خبراتهم الحياتية وتوسعها.

ولم يكن طلبة تقنية الشارقة يعلمون أنهم سيتحولون إلى سفراء يمثلون بلادهم ويعكسون صورة حضارية مشرقة لجنسيات أخرى حملت أفكارا مغلوطة وأخرى ضحلة عن واقع الشعوب العربية والإسلامية ليقدموا دولة الإمارات النموذج المثالي لحال الشباب العرب وما وصلوا إليه ولتصبح في ختام الرحلة زيارة الدولة حلما لبعض الاسبانيين والبريطانيين و الاسكتلنديين. هانس هورلينغس مدرس تكنولوجيا المعلومات في تقنية الشارقة آمن بذوي الاحتياجات الخاصة وبإمكانية اندماجهم في المجتمعات التي ينتمون إليها فقرر أن يمنحهم تجربة غير عادية، تجربة استثنائية يختبرون فيها قدراتهم ويرتبطون من خلالها بماضيهم وتراثهم الذي اعتمد فيه الأجداد على البحر لفترات طويلة،

مشيرا إلى أن فكرة الرحلة البحرية انبثقت من حبه للإبحار ومعايشته لتجربة مماثلة شارك فيها عدد من ذوي الاحتياجات الخاصة ولمس مقدار الفرح والمتعة التي حققوها فقرر أن يمنح ذات المتعة لطلبته الذين يراهم يتحدون إعاقتهم على اختلاف نوعها ويتجاوز عددهم 32 طالبا وطالبة. وذكر انه بدأ رحلة البحث مستعينا بشبكة الانترنت عن مؤسسات تتبنى مثل هذه المبادرات الإنسانية وخاطب عددا من الجهات الحكومية والخاصة في الدولة وخارجها ولم تحبطه العقبات التي واجهته وعدم ورود أي بارقة أمل تفضي بإمكانية تحقيق الحلم، مشيرا إلى أن إيجاد شركة جوبيلي سيلنغ التي نفذت المشروع كانت أشبه بالحلم. وقال في الرحلة يتسنى لذوي الاحتياجات الخاصة بناء شخصية مستقلة معتمدة على ذاتها وتؤمن بان العمل مع الآخرين وبث روح التعاون هي مفتاح النجاح فهذه الفئة تحتاج إلى من يدعم مواهبها الكامنة لانها ببساطة مناجم ذهب تنتظر من يكتشفها، لافتا إلى أن ربط الطلبة بتراثهم ومساعدتهم لتبني أنماطا حياتية عادية عبر معايشة الأسوياء أهداف هامة رسمت ملامح المشروع في ذهنه.

مضيفا انه يحب مهنة التعليم والإبحار معا ويسعده رؤية طلبته من ذوي الاحتياجات الخاصة يستكملون تعليمهم دون أن تمنعهم الإعاقة أو نظرة الناس حيالهم، مضيفا لا يمكن أن أنسى فتى صغيرا كان يعاني من إعاقة حركية ومشاكل في النطق وطوال فترة الرحلة وتواجدنا سويا يردد كلمتين هما مستعد وممتع،

واعتبر هانس الرحلة محكا حقيقيا ومفصليا أسهم في إحداث تغيير كبير في شخصيات الطلبة المشاركين فقد باتوا يتحلون بالشجاعة والرغبة في المبادرة والاعتماد على النفس خاصة وان القارب يفرض على ركابه انجاز مهمات التنظيف والطبخ والمراقبة

وإذا لم يقم كل فرد بدوره لا يمكن للمركب أن يتقدم خطوة فمي النعيمي طالبة خجولة ولا تتجاوب مع المحيطين بسرعة إلا أنها رفعت العلم على قمة القارب وأخذت على عاتقها هذه المهمة الصعبة مع العلم انها تختبر تجربة السفر البري والبحري للمرة الأولى في حياتها، أما الطالب احمد فقد وضعناه في بيئة اقل بكثير من البيئة المرفهة التي اعتاد عليها ورغم انه لن يكرر الرحلة إلا انه في ذات الوقت يؤكد لنا انه لن يسقطها من ذاكرته أبدا.

من جانبها اعتبرت الشيخة أمل القاسمي نجاح فكرة الإبحار البحري وتبني معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي الرئيس الأعلى لمجمع كليات التقنية العليا لمبادرة الابحار العربي من خلال توفيره للدعم المادي اللازم لبناء سفينة شراعية ضخمة وفريدة من نوعها هي مكافأة للجهود التي بذلها هانس هورلنغس مدرس إدارة الأعمال قسم تكنولوجيا المعلومات الذي آمن بالفكرة و تشبث بها وأخرجها للنور في الوقت الذي فقدنا فيه الأمل ونسينا الأمر برمته،

مشيرة إلى هانس الذي استبسل في تنفيذ المشروع لم يكن هدفه إخراج الطلبة في رحلة فحسب بل أراد لهم معايشة التجربة إيمانا منه بقدراتهم فجعلهم بمثابة سفراء نقلوا صورة جميلة عن بلدهم إذ أعطوا المشاركين معلومات كاملة عن الدولة،

مؤكدة أن الفضل كبير لاساتذة الكلية الذين هم على غرار هانس فانتماؤهم الحقيقي وولاؤهم لهذه الدولة انعكس على مشاريعهم البناءة وجعل طلبتها سفراء لبلدانهم ونحن اليوم نستكمل بمبادرة معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان ما بدأوه هم، مشيرة إلى أن الطلبة جواهر واحمد ومي لن ينسوا التجربة وسيتذكرون دوما انهم شرفوا الدولة وتفاخروا بهويتهم ودينهم وعاداتهم فكانوا مثالا يحتذى من الآخرين.

وثمنت الشيخة أمل القاسمي دور سموه على كرمه واهتمامه الشديدين بتبني المشاريع الرائدة التي تسعى دائما لتحسين فرص التعليم والتفاهم بين الأجيال الشابة من مختلف أنحاء العالم. وقالت إن طلبة الإمارات هم الفائز الأول في هذا المشروع المتميز عند إطلاق مبادرة «الإبحار العربي» وفي حال مضيه في خططه الطموحة لتوطيد أواصر الصداقة والتفاهم بين أفراد المجتمع ذوي الاحتياجات الخاصة ونظرائهم من الأصحاء من خلال رحلات إبحار متعددة على متن السفينة الشراعية.

وذكرت أن التجربة التي يشارك فيها ذوو الاحتياجات الخاصة أقرانهم من الأسوياء تقوم على فكرة تعريف الأفراد الأصحاء بحقيقة المصاعب والجهود التي يبذلها أشقاؤهم من ذوي الاحتياجات الخاصة والوصول بهم لإدراك حقيقة هذه المعاناة والعوائق المحيطة ليتقبلوهم ويساهموا في مساعدتهم على الاندماج في المجتمع ولا يتم ذلك الا من خلال تجاوب واقتناع الطرفين بذلك المعاق والمجتمع السوي.

من جانبها ذكرت فدوى لحسن القرشي الاختصاصية النفسية في الكلية انه تم اختيار الطلبة الذين يعانون من إعاقات بسيطة لجمعهم مع عدد من الأسوياء والمعاقين من دول أخرى ليكتسبوا خبرة في الحياة الخارجية وليكونوا أكثر كفاءة وتجاوبا مع المجتمعات المحيطة،

مشيرة إلى انه إبان الرحلة تم تقسيم المشتركين إلى مجموعة من الفرق حيث انيطت بهم عدد من المهام كتنظيف سطح المركب والطبخ إضافة إلى مراقبة وجهة الريح وتيارات الهواء وتغيير ساريات القارب وقيادة المركب أيضا، مؤكدة أن الرحلة حققت الغاية في جمع المتعة مع الفائدة.

بالنسبة للطالب احمد إسماعيل عبد الواحد الذي أصيب بدوار البحر طوال فترة الرحلة يرى أن التجربة تستحق الإشادة وأنها علمته عن الحياة ما لم يكن يعلمه خاصة حول الابحار وآلياته وكيفية التغلب على المصاعب لاسيما أن المركبة شهدت عاصفة ثلجية شارك الجميع في الخروج منها،

مشيرا إلى أن الرحلة مكنته من بناء علاقات جديدة مع أعضاء من فريقه تجاذبوا من خلال الرحلة الحديث حول ثقافات بلدانهم وأوجه الالتقاء والاختلاف فيها، مثمنا دور الكلية في تشجيعه وإقناعه للإقدام على تلك الخطوة.

من جانبها قالت جواهر السويدي أن المركب مجهز بشكل يخدم احتياجات المعاقين ويسهل حركتهم، مشيرة إلى ان التجربة جديدة عليها لأنها تبحر للمرة الأولى مع فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، مؤكدة أنها تعلمت منهم الكثير خاصة وأنهم تواجدوا معا في مكان واحد لعدة أيام، مضيفة أن الجنسيات الأخرى تعرفت على دولة الإمارات العربية المتحدة من خلال فريق الكلية واستغربوا إننا نتقن الانجليزية بطلاقة ونعتز بديننا وثقافتنا.

تأقلم مع الجو المحيط

تحدثت الطالبة مي النعيمي عن المخاوف التي انتابتها عند طرح الفكرة عليها خاصة وانه لم يسبق لها السفر دون العائلة إلا انها سرعان ما تأقلمت مع الجو المحيط وبدا ستار الخجل يختفي شيئا فشيئا، مشيرة إلى انها مع انقضاء مدة الرحلة تعلمت كيف تعتمد على نفسها وان تمتلك الجرأة في الحديث والفعل حتى أن الأسرة مصدومة من التغير السريع الذي اعتراها

نورا الأمير