أطفال صغار، أناملهم لم تقو بعد على ثني صعوبات الحياة، ونظراتهم إلى المستقبل تختلف عمن سبقهم من الآباء والأجداد، متعهم هذه الأيام كانت في سالف السنين مهناً تحترف وتعشق رغم قسوتها، فلم يعد من الوقت متسع لدى الفئة الصغيرة من الأبناء أن يتقيدوا بما كان موجوداً في السابق، لذا كان الملجأ بالنسبة لهم ترفاً رياضياً ورفاهية لا تحرمهم العيش في عالم مختلف عما يألفون هذه الأيام.
هؤلاء الصغار يفوق عددهم الخمسين طالباً من مدرسة عمر بن الخطاب النموذجية للبنين في دبي، باتوا في تسابق مع الزمن لينهوا يومهم الدراسي من أجل الخوض لساعة من الزمن في مهمة أخرى تعليمية تختلف في قالبها عما اعتادوه في مدرستهم، وباتوا أيضاً يعدون الدقائق الأخيرة ثانية تلو الأخرى ليجدوا أنفسهم نهاية يوم دراسي تقليدي ـ وإن كان مرة واحدة في الأسبوع ـ مع حياة أخرى تختلف في الشكل والمضمون. في الطرف المقابل يستعد مدربان متخصصان على درجة عالية من الحرفية والمهنية لاستقبال الطلبة واحتضانهم في أجواء مائية تمطر فرحاً ومتعة لا يتنازل عن العيش فيها أحد من الموجودين، وفي هيئة واحدة يدخل الصغار على أقدام متسارعة للبدء في أجواء عالمهم الخاص، بمتعة لا تتناقص ولا تجد عندهم الملل وإن تجاوزوا وقتهم المسموح وظلوا في عالمهم الآخر لأطول وقت يستطيعون.
تدريب منظم: إذاً، الموضوع وببساطة تدريب منظم لأطفال لا يتعدى أكبرهم سناً خمسة عشر عاماً، على فنون السباحة ومن ثم الغوص في أعماق البحار لاستنشاق الحياة القديمة التي عاشها من سبقوهم بكل ألوانها وجمالياتها، وهو ما يمنحهم الفرصة الأثبت للسير في هذا النهج بانتظام والتزام حتى يتمكنوا من اتقان فنون الماضي والعيش معها في حاضر التعقيد والتطورات التقنية التي من الممكن أن تسرق بعضهم وتحرمهم أنس الطبيعة وجمال مفرداتها المترامية براً وبحراً. الخطوة بدأت مع توجه وزارة التربية والتعليم ومنطقة دبي التعليمية نحو النهوض بالمستوى الرياضي لطلبة دبي، والتي تنضوي تحتها مشاريع تطويرية مختلفة في مادة التربية الرياضية، حيث اختار منسق التربية الرياضية في منطقة دبي التعليمية مطر صلبوخ أن تكون بداية التدريب في مجالي السباحة والغوص لطلاب مدرسة عمر بن الخطاب النموذجية، والتي من خلالها يتأهل الطلاب بجدارة ويتمكنوا من محو أميتهم في السباحة والغوص، تحت شعار «الغوص والجذور».
الكفاءة والمرحلة: الكابتن محمد حلمي مدرس التربية الرياضية في منطقة دبي وكبير مدربي الغوص في الإمارة، يرافقه زميلاه الكابتن حسين توفيق مدرب السباحة في نادي الوصل الرياضي، ومحمد عبدالكريم مدرب السباحة في نادي النصر الرياضي في دبي، يتقنون بتوزيع منتظم أدوارهم في التعامل مع الطلبة المنقسمين إلى مجموعات حسب الكفاءة والمرحلة التي توصلوا إليها، سواء كان ذلك في تعلم مهارة السباحة أو مهنة ورياضة الغوص في أعماق المياه. وبحسب إحصائيات المدربين فإن 22 طالباً تمكنوا إلى الآن من اجتياز مرحلة السباحة وانتقلوا إلى الغوص، فيما يواصل فريق آخر مثلهم في العدد تدريباته لاتقان فنون السباحة التي تنقله إلى الغوص المنتظر.
الطلاب جميعهم يدرسون في نموذجية عمر بن الخطاب للبنين في دبي، حيث أتيح لهم أن يكونوا مقدمة لنظرائهم في دبي في خطوة تسبق تعميم هذه الأنشطة على مستوى المنطقة، أما مديرهم أحمد الملا فقال إنه يشجع على الدوام مثل هذه الأنشطة والفعاليات التي يحرص أن يوفرها ويبسطها لطلابه داخل وخارج المدرسة، مؤكداً أن العملية التعليمية ليست مجرد معلم وطالب، بل تشمل أنشطة وبرامج مصاحبة تجمل المدرسة في عيون الطالب وتترك لديه أثراً إيجابياً على المدى البعيد.
ترغيب وحيوية
وأشار إلى أن ترغيب الطالب ببيئته المدرسية مطلب تجمع عليه مختلف أقطاب العمل التربوي، لما له من فائدة عملية على مستوى التحصيل الدراسي، ملمحاً إلى أن برامج غير تقليدية من شأنها أن تضفي مزيداً من الحيوية على العملية التعليمية،
لا سيما كما هو الحال مع برنامج التربية الأمنية الذي تطبقه شرطة دبي على مدارس الحلقة الثانية، أو برنامج الغوص والسباحة الذي بدأته منطقة دبي التعليمية، فالطلاب باتوا مقتنعين بدرجة كبيرة بمدرستهم وبما توفره لهم من إمكانيات تجعلهم على تعلق وامتنان دائمين بها، وهو ما يفرض على الجهات المعنية مواصلة هذا النهج للحصول على فرص إضافية تعزز من وجود الطلبة في المدارس وترفع من سقف طموحهم في الدراسة والنتائج.
الكابتن محمد حلمي أكد ثانية أن الهدف من البرنامج محو أمية السباحة لدى الأطفال لكون بيئة الإمارات مرتكزة على البحر بشكل كبير، إضافة إلى تعليمهم مهنة الغوص التي تربى عليها أجدادهم، وساروا بها أباً عن جد، فلا يمكن للتقنيات والتعقيدات التي وصلت إليها الإمارات أن تنسي أبناءها تراثها الذي لا يمل، مشيراً إلى أنه يتبع هذه الدورات عرض لنتاجات التعلم على مستوى المنطقة التعليمية، إذ سيدخل الغوص للمرة الأولى في أروقة المدارس، وهو ما يضفي على الدراسة رونقاً مختلفاً وجاذباً.
لا غياب أو أعذار
وأجمع المدربون على أنهم يلمسون كل يوم تحمساً غير مسبوق من الطلاب الذين لا يتخلفون أو يعتذرون عن موعدهم وإن كان بعد يومهم الدراسي، موضحاً أن بيئة الإمارات مفعمة بجذور راسخة في الغوص والسباحة، وهو ما يحمس الصغار على التواصل، حيث أن نسبة كبيرة من الملتحقين بالدورات يعيشون وسط أشقاء أو في عائلات تجيد فن التعامل مع البحر، وبالتالي فإن مهمات السباحة والغوص وركوب البحر لم تعد غريبة أو بعيدة عن جيل الصغار وإن أبعدتهم الحياة الجديدة على اختلاف عوامل جذبها.
وعن آلية تدريب الطلاب قال حلمي إنهم يستخدمون أجهزة الغطس مكتملة، وينزلون في حمامات مجهزة للسباحة في صالة مزهر، تمهيداً للنزول إلى البحر في خطوة أخيرة، وذلك على الرغم من أن أعمارهم صغيرة ويتراوحون في صفوفهم بين الصفين السادس والثامن، حيث أن مدرسة عمر بن الخطاب النموذجية هي الأولى التي تطبق الغوص على مستوى الدولة.
تجنيب الأخطار
وعن إمكانية تعرض الطلاب لخطر ما أثناء فترة التدريب لصغر سنهم، أجاب مدربهم أنه لا توجد أية أخطار ما دام المتدرب يسير وفق أصول التدريبات المدرجة سواء كانت في حمام السباحة أو في البحر، إذ أن قابلية الطلاب لتعلم هذه الفنون تبدو كبيرة وهو ما يشجع على إتمام البرنامج بأقصى ما يمكن لكسب أكبر عدد من الطلاب في برامج مستقبلية، لا سيما وأن التدريب يتواصل وفقاً لمجموعات محددة.
الطلاب أنفسهم رحبوا بالفكرة وأكدوا دون تردد على عيش لحظات لا تمحى أو تنسى، إذ أن كثيراً من زملائهم في مدارس أخرى يطوقون كما ينقلون لخوض هذه التجربة أسوة بهم، وبالتالي فهم متعلقون بها إلى أبعد الحدود ولن يتوقفوا عن السير بها إلى أن يتعرفوا على مكنونات البحر المختفية في الأعماق.
طلبة يرحبون
محمد عبدالرحمن طالب بالصف الثامن قال انه للمرة الأولى ينضم إلى فريق آمن في السباحة والغوص، فهو يأتي أسبوعياً إلى صالة المزهر رغم حاجته للراحة من يومه الدراسي، وإلى اليوم أتم دروس السباحة والغوص في حمام السباحة، وينتظر مع مجموعته أقرب فرصة يوفرها لهم المدربون للغوص في البحر وإتمام برنامجهم التدريبي في مرحلة مبكرة تمكنه من إتمام مشواره الشيق مع البحر في سنوات شبابه المقبلة.
زميله الطالب في الصف السادس عارف أحمد اعتبر أن الأجواء الأسرية كانت الحافز الأكبر لانضمامه لفريق الغوص والسباحة في هذه المرحلة المبكرة، فهو يعيش وسط أسرة عشقت البحر واعتادته في أمور كثيرة، لا سيما وأن عمه يملك رخصة في الغوص وعلى الدوام يحكي له عن خبايا البحر، وبالتالي وجد في الدورة التي كفلتها المدرسة له ولزملائه ملاذاً لممارسة حياة لطالما سمع عنها دون أن يلمسها.
أويس أحمد طالب في الصف السابع قال إن شقيقه الأكبر يمارس الغوص ويملك رخصة في هذا المجال، أما هو فيعشق البحر رغم بعده عنه لصغر سنه، وذلك لما فيه من حياة غير تقليدية أبطالها كائنات حية لا ترى على حقيقتها بسهولة، وبالتالي أتاحت له مدرسته تحقيق أحلام ومشاريع طفولية في أجواء لا تنسى الطلاب والأصدقاء تحت مظلة التعليم المواكب لحداثة الحياة.
مشاريع تطويرية
تأتي فكرة تدريب الطلبة على مهارتي الغوص والسباحة انطلاقاً من المشاريع التطويرية التي توفرها مادة التربية الرياضية في المدارس، وبدعم من منطقة دبي التعليمية، للحصول على أفكار رياضية مبدعة، بعيداً عن الروتين والتقليد، حيث تعد هذه البرامج جزءاً من مجموعة من المشاريع التطويرية في الرياضة،
والتي تنقسم إلى عدة فعاليات منها: الفروسية وتسلق الجبال والرماية والصيد بالصقور وصيد الأسماك، وهي كلها برامج مرحب بها لدى الطلاب ولدى المدارس، لا سيما وانها تترك آثاراً إيجابية على نفوس المتعلمين ومن شأنها أن تبقي على ذكرى جميلة للمدرسة في نفوسهم.
دعوة للتعميم
عبر الطلاب الملتحقون بدورة السباحة والغوص عن سعادة كبيرة تغمرهم وهم ينتظرون كل يوم ممارسة هذا العمل المشوق، داعين الجهات المسؤولة في المنطقة التعليمية إلى الإسراع في اعتماد مثل هذه الأنشطة وتعميمها على مستوى المدارس جميعها.
وأكدوا أن أصدقاءهم في المدارس الأخرى يتطلعون لممارسة هذا النشاط بأسرع وقت، حيث ينقلون لهم كل يوم ما توصلوا إليه في الغوص، ويروون لهم مشاهد جمالية لا تنسى، حيث متعة التواصل بعيداً عن مقاعد الدراسة والتعليم، وبالتالي فإن هذه الممارسات تبقى معهم في حياتهم المستقبلية وتقربهم من مدرستهم كل يوم.
عنان كتانة



