يشغل هوشيار زيباري، البالغ 53 عاماً من العمر، منصب وزير خارجية العراق منذ تشكيل أول حكومة عراقية عام 2003. وهو كردي ينتمي للحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أسسه مصطفى البرزاني عام 1946، ويعد سياسيا يلقى قبولا من قبل الجميع تقريبا، باستثناء السنة.

وكان قد وصل إلى اسبانيا، مؤخرا، للمشاركة في افتتاح «البيت العربي» في العاصمة الاسبانية، مدريد، ولدفع العلاقات الثنائية العراقية ـ الاسبانية إلى الأمام، و يقول زيباري بهذا الصدد: «إن وجودي في مدريد هو دليل على الاهتمام. وينبغي النظر إلى المستقبل وألا نكون أسرى الماضي. هناك بلاد أخرى غير اسبانيا سحبت قواتها أيضا وانتقلت من المساعدة العسكرية إلى أخرى مدنية». صحيفة «الباييس» الاسبانية انتهزت فرصة وجود وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري في مدريد وأجرت معه حوارا ألقى فيه الضوء على مجموعة من القضايا الحيوية التي تخص الوضع الحرج والدقيق الذي تمر به بلاده، التي يبرز من بينها محاولات الحكومة العراقية مدعومة من قبل قوات التحالف لإرساء الهدوء في مختلف أرجاء العراق وفي بغداد على وجه الخصوص، حيث بدا الوزير العراقي واثقا من نجاح الخطة الأمنية الجديدة الخاصة ببغداد مع أنه نوه إلى ضرورة التحلي بالصبر.

وفيما يلي نص الحوار:

ـ كيف تعمل الخطة الأمنية الجديدة في بغداد؟

ـ الخطة الأمنية تحرز خطوات متقدمة. ونحن نراها أما أنتم فلا ترونها. ونحن نحظى بدعم السكان بعيدا عن الانقسامات المذهبية والطائفية، مع التأكيد على أن تلك الخطة ليست عسكرية فحسب، بل هي خطة سياسية واقتصادية ولتحسين الخدمات أيضا ونتائجها لن ترى النور بصورة خاطفة.

ـ ما هو الاختلاف الذي تحمله تلك الخطة حتى تعطي نتائجها على الأرض فعلا؟

ـ إنها خطة عراقية مدعومة من قبل التحالف، لكننا نقف هذه المرة في المقدمة وليس غيرنا لأننا نفهم على نحو أفضل العقلية والثقافة العراقيتين. أما الهدف فهو استعادة ثقة الناس. إنها خطة تعمل ضد أي نوع من العنف من دون إعطاء اهتمام لمسألة إذا ما كان الحي المعني شيعيا أم سنيا.

ـ هل تعتبرون مقتدى الصدر صديقا للحكومة العراقية أم عدوا لها؟

ـ مقتدى الصدر لديه مجموعة شبه عسكرية وأربعة أو خمسة وزراء في الحكومة. من هذا الجانب فهو يعتبر حليفا يتعين عليه القيام بمسؤولياته. لكن الحكومة العراقية لن تتساهل مع من يخرق القانون ويتحدى سلطتها، سواء أكان جيش مقتدى الصدر أو أي ميلشيا أخرى. تلك هي الرسالة الموجهة له ولآخرين غيره. فإما تكون في الحكومة وتحترم قراراتها وإما أن تتركها. والقرار عائد له.

ـ يروق للولايات المتحدة التركيز على عدو ما. الآن، يبدو أن ذلك الشخص هو مقتدى الصدر. لكن الواقع في العراق معقد للغاية..

ـ الوضع معقد أكثر من ذلك بكثير، فلمصادر العنف عدة جذور، مع أن الجذر الرئيسي يتأتى من أتباع النظام السابق. أما الجذر الآخر فيتمثل بتنظيم «القاعدة» والمتشددين الأجانب. ولدينا أيضا العنف المحلي، كما لدينا طائفة جديدة ظهرت منذ عام مضى. وهذا يعني أنه لا يوجد مصدر وحيد للعنف، بل إن تلك المصادر تتعدد وتتنوع، بحيث أن بعضها عرقي المنشأ والبعض الآخر يأتي من الخارج، يأتي من اسبانيا، على سبيل المثال، حيث تقوم الشبكات المتشددة بتجنيد مقاتلين في شمال أفريقيا لإرسالهم إلى العراق.

ـ هل يمكن أن يكون لدى الناس شعور بأن عملية الإطاحة بصدام حسين كانت خطأ؟

ـ القرار كان صحيحا وقانونيا، وهذه وجهة نظرنا ووجهة نظر الغالبية العظمى من العراقيين. صحيح أنه ارتكبت بعض الأخطاء، من جانب الأميركيين ومن جانبنا، لكن ذلك لا يمكن أن يستخدم كذريعة لإدانة التغيير الذي حصل. فالقنابل اليومية، التي تشغل العناوين الرئيسية في وسائل الإعلام، لا تسمح برؤية ما قد تغير في البلاد. المشكلة تكمن في أنه خلال السنوات الثلاث هذه كانت لدى الناس توقعات تفتقر قليلا إلى الواقعية. من أجل الانتقال من نظام استبدادي ظل في السلطة 30 أو 40 عاماً إلى نظام آخر ديمقراطي، فإن هناك حاجة لتغيير في العقلية.

ـ ما هي تلك الأخطاء؟

ـ التغيير من مهمة التحرير ـ التي كانت مهمة لامعة ومبررة من الناحية الأخلاقية ـ إلى مهمة أخرى هي مهمة الاحتلال، التي تبناها مجلس الأمن والتي مثلت، بلا شك، الخطأ الأكبر من بين جميع الأخطاء الأخرى على الإطلاق. وفي تلك الأيام ضغطنا وناشدنا وحذرنا من أن الأمر يتعلق بإجراء سيوجد عداء كبيرا. حل الجيش والمؤسسات تم من دون استشارات كثيرة.

ـ كم يلزم من السنوات لإرساء السلم في العراق؟

ـ سنحتاج إلى قليل من «الصبر الإستراتيجي» لجعل العراق بلدا سلميا، إذ لا توجد حلول سريعة، فلقد قمنا بتغيير كامل لنظام القيم.

ـ هل يمكن اعتبار إيران ضمن معسكر الراغبين بإرساء السلم في العراق؟

ـ إيران موجودة في دائرة مصلحتها في إحلال السلم في العراق، ورسالتنا لها هي أننا لا نريد للعراق أن يكون ساحة معركة لآخرين على حسابنا. إيران تدعم، من جانب، الحكومة العراقية الدستورية التي يقودها الشيعة، لكن لديها من جانب آخر صعوبات مع الولايات المتحدة. وما نريده منها هو أن تتبنى مواقف واضحة، حيث ينبغي عليها دعم الحكومة العراقية عوضا عن دعم أفراد وميليشيات.

ـ هل تعتقد أن الولايات المتحدة في طريقها إلى ارتكاب خطأ آخر، في إيران الآن؟

ـ إن كل ما يجري في المنطقة يؤثر علينا، ولقد حاولنا المساعدة على التخفيف من حالة التوتر القائمة، مع التأكيد على أنه من أجل تحسين الوضع في العراق فإننا بحاجة إلى محيط أكثر هدوءا.

ـ هل يمكن إطلاق اسم حرب أهلية على المواجهة القائمة بين الشيعة والسنة في العراق؟

ـ صحيح أن هناك حالة من العنف وأن وتيرة هذه الحالة قد ازدادت، لكنها ليست حربا أهلية، ذلك أنه ليس فيها أي من سمات الحرب الأهلية المألوفة. إذ لا يوجد عنف على الصعيد الوطني، بل إنه متموضع في بغداد ومناطق أخرى. والشيعة لا يقتلون جيرانهم أو العكس لمجرد أنهم ينتمون إلى طائفة أخرى، ولا تزال لدى السياسيين الإرادة للعمل المشترك، كما أنه لم يحدث انقسام في الإدارة ولم يصبح بعض الوزراء مع البعض وغيرهم مع البعض آخر.

ـ ما رأيكم بانسحاب القوات البريطانية من جنوب العراق؟

ـ إن طبيعة المشكلة في جنوب العراق مختلفة عن باقي المناطق. فهي منطقة آمنة نسبيا وهذا مؤشر على وجود ثقة في قدرة قوات الأمن العراقية.

ـ هل سيتحسن الوضع أم سيسوء من دون الأميركيين؟

ـ إن استمرار وجودهم حيوي، وإذا حصل أي انسحاب قبل أوانه فبالتأكيد سنشهد حربا أهلية حقيقية.

ترجمة : باسل أبو حمدة ــ عن «الباييس«