عند هذا المنعطف من الكتاب نحن على موعد مع لوحتين ربما كانتا الأكثر أهمية على الاطلاق بين اللوحات القلمية الخمس والعشرين التي يتألف منها، وكل منهما تحظى بجدارتها بهذا الوصف لأسباب خاصة بها، لكنها في الوقت نفسه تمد الجسور نحو الأخرى عبر قواسم مشتركة لابد لنا من الوقوف عندها وتأملها طويلاً. في اللوحة الأولى سوف ندرك السر في أنه كان بمقدور الفيتناميين أن يلحقوا الهزيمة بالفرنسيين والأميركيين عندما نضع أيدينا على صميم فكر هوتشي منه وجوهر حركته السياسية، وفي تأملنا لحياة المناضل الأيرلندي مايكل كولينز سوف نضع أيدينا على أسرار استمرار إحدى أكبر مآسي عالمنا المعاصر، مأساة ايرلندا.

إذا أردنا أن نضع أيدينا على الحقائق الأساسية المتعلقة بحياة هوتشي منه، لتبين لنا أنه ولد في كيم ـ ليين بشمالي فيتنام في عام 1892، وقد انخرط في السياسات الاشتراكية خلال حياته في فرنسا، حيث كان عضواً مؤسساً للحزب الشيوعي الفرنسي، وظل في المنفى بعيداً عن فيتنام حتى عام 1940، وبعد تسع سنوات من القتال كان الرأس المدبر للهزيمة المدوية التي مني بها الفرنسيون في بلاده عام 1954، وأصبح رئيساً لفيتنام الشمالية حتى وفاته عام 1969. ويلفت ديفيد هالبرستام نظرنا، في مستهل اللوحة القلمية التي رسمها لهوتشي منه، إلى حقيقة أساسية حول هذا الرجل الذي حير الغرب عقوداً طويلة من الزمن، فجانب منه يردد أصداء المهاتما غاندي، وجانب آخر يردد أصداء فلاديمير إيليتش لينين، لكن كل جوانبه تردد أصداء فيتنام، وتنطق باسم روحها ونضالها وعذابات فلاحيها، العارقين تحت الشمس منذ أقدم العصور. وقد كان هوتشي منه اشتراكياً قديماً، تربطه علاقات وثيقة بمعظم قادة الحركات الاشتراكية في العالم، وكان عضواً مؤسساً للحزب الشيوعي الفرنسي، فهل يمكن ان يكون هناك من هو أبعد منه في ضوء هذه الصفات عن الفلاح الفيتنامي؟ إن الحقيقة التي تلفت النظر هي ان «العم هو» كان بالنسبة لمعظم فلاحي فيتنام رمزاً لوجودهم، آمالهم، نضالاتهم، تضحياتهم وانتصاراتهم وحتى بعد معركة ديان بيان فو، عندما أصبح معظم الناس في فيتنام الشمالية يشعرون بالغضب من النظام الشيوعي، فقد كانوا يحرصون على إبعاده عن دائرة اللوم.

البساطة أولاً... كان هوتشي منه عضواً في العالم الاشتراكي أقدم من ماوتسي تونج، وجمع حوله مجموعات متألقة من الشبان البارعين، وخاض غمار الثورة، الحرب، تنمية ما بعد الحرب، حرب أخرى من دون أدنى درجة من التعرض للانتقاد أو اللوم أو الاخراج من المناصب القيادية، حيث ظل الحزب الفيتنامي على درجة فريدة من الثبات، يرجعها دارسو التاريخ إلى قيادته، حيث جمع «العم هو» بين الالتزام الصارم والمهارة السياسية على المستويين التكتيكي والاستراتيجي. وبالنسبة لأبناء فيتنام كان هوتشي منه على الدوام الرمز الذي مست حاجتهم إليه، كان الفيتنامي الهادئ، المتواضع، ذا الصوت الخفيض، الذي لا يتردد في السخرية من وضعه، ولا يشاهد إلا في أبسط الثياب، حتى يعجز من يعرفه عن تمييزه عن أفقر الفلاحين في بلاده، وهو أسلوب طالما سخر الغرب منه، لخلوه من أي رمز من رموز السلطة أو التميز، إلى أن أفاق هذا الغرب نفسه على إدراك الحقيقة المتمثلة في أن هذه البساطة نفسها، هذه القدرة على السير بين أبناء الشعب الفيتنامي إلى حد التماهي المطلق مع أفقرهم وأكثرهم تواضعاً كانت شرطاً أساسياً لتحقيق النجاح، الذي قدر له أن يحرزه.

وفي مفارقة لهذا كله، كتب الروائي جراهام جرين في عام 1956 عن نجو دين دييم، زعيم فيتنام الجنوبية الذي دعمه الأميركيون، يقول: «إنه مفصول عن شعبه بالكاردينالات وسيارات الشرطة ذات الأصوات الصارخة والمستشارين الأجانب الذين يهدرون بالحديث عن الاستراتيجية العالمية، بينما كان ينبغي أن يسير في حقول الأرز بلا حماية، متعلماً بالطريقة الصعبة كيف يحبه الناس ويطيعونه، فالأمران لا يمكن الفصل بينهما». أياً كان الأمر، فإن اقتراب «العم هو» من شعبه على هذا النحو ما كان يمكن إلا أن يجلب عليه حنق الغرب الشديد. هكذا لم تتردد مجلة «التايم» الأميركية في وقت جد مبكر يعود إلى عام 1948 في الاشارة إلى هوتشي منه بازدراء على أنه «الرجل ذو لحية الماعز» و«التروتسكي المغولي» و«المحرض المسلول الذي تعلم صنعته في موسكو». لكن هذا الازدراء نفسه، الذي كاله الكثيرون في الغرب لكل فلاح فيتنامي كان هو نفسه الشيء الذي سيجعل هو تشي منه رجلاً شديد الفعالية والتأثير.

لقد تمثلت أعظم نقاط القوة عند هو تشي منه في أنه كان بمثابة جميع الفيتناميين لأنه رمزهم، ولهذا بالضبط كان حريصاً على رفض أي رمز من رموز السلطة وملامح تكريسها واظهار بطشها، فقد رفض بشدة نجوم الجنرالات وأزياء المارشالات وصروح التكريم، حيث احتك بالغربيين طوال عمره وتعرض لمحاولات لا حصر لها لشراء الذمة والضمير، ولكنه اختار ألا يكون مثل هؤلاء الغربيين، وألا يرتدي أزياءهم، وألا يحيا كما يحيون، وإنما ظل فيتنامياً، ظل فلاحاً، رجلاً يشبه أسلافه في نقائهم واستقصائهم على الافساد في مجتمع فاسد ومفسد، رجلاً ينتمي إلى الأرض وإلى قيمها البسيطة.

نهاية الأسطورة الغربية

في بلاد درج الناس فيها على رؤية القادة والزعماء يصلون إلى مستوى معين ثم يصبحون أكثر اتساماً بالطابع الغربي وأقل اقتراباً من الروح الفيتنامية،ن ويفسدهم الغربيون بسلطتهم ومالهم وأساليبهم، وحينما يعلو شأنهم بما يكفي لكي يقوموا بأي شيء لشعوبهم، فإنهم يبادرون في التو إلى بيع كل شيء للأجانب، في مثل هذه البلاد كانت بساطة «العم هو» شيئاً بالغ القوة.

لقد وجد الناس، من خلال التجربة، أن هذا الرجل كلما ارتفع شأنه، زادت بساطته، واشتد تمسكه بالقيم الفيتنامية الأصيلة، وفي مقدمتها احترام الكبير، ورفض الاستسلام لغواية المال، والحنو على الصغار.

في عام 1951، كان بمقدور هو تشي منه أن يختتم اجتماعاً للحزب بأن يحدث الجمهور بقوله: «عن الرجل الثوري والحزب الثوري كتب الشاعر الصيني العظيم لو ـ هسون هذين البيتين:

في صرامة يحدِّق في ألف رياضي،

وينحني متحولاً إلى حصان للأطفال.

والمقصود بألف رياضي هم الأعداء الأقوياء، مثل الاستعماريين الفرنسيين، والأميركيين الحريصين على التدخل في شؤون فيتنام أو الصعوبات والمشاق. أما الأطفال فيعنون جموع الناس المسالمة، أو الأعمال التي تفيد الدولة والحزب».

من خلال هذه القيادة وذلك التألق كان هو يأمل في أن يحول عصراً بكامله. وفي العشرينيات والثلاثينيات كان واحداً من أبرز منتقدي الكولونيالية، وكان صوتاً وحيداً غالباً ما يجري تجاهله.

في الخمسينيات كان الرجل المسؤول عن تجميع الآلية السياسية والعسكرية التي قادت جموع الفلاحين في ثورة ناجمة ضد قوة غربية هائلة، في حرب لم تنته بالقضاء على الهيمنة الفرنسية على فيتنام، وإنما أسقطت أسطورة تفوق البيض وتدني الملونين في العالم بأسره، وحالت بين جيل بكامله من الغربيين وبين الافتراض التلقائي بأن بمقدورهم الثقة في الأفكار والمؤسسات الكولونيالية التي هوت من حالق لتصبح نثاراً مهشماً ينتمي إلى الماضي.

وما طرحه هو في ثورته ضد الفرنسيين وحربه ضد الأميركيين كان له تأثير هائل على الغرب وعلى العالم النامي. وفي الغرب بصفة خاصة قدر لجيل أصغر سناً أن يتفهم ويتعاطف مع ما قام به هو أكثر من تفهمه وتعاطفه مع ما قام به آباؤهم.

المدهش حقاً أنه حتى بينما كان هو تشي منه يحارب القوات الأميركية على أرض بلاده حملت الطبعة الأميركية ذات الغلاف الورقي من كتاب «هو تشي منه» عن الثورة «الكلمات التالية» كتاب تم تأليفه في السجن، المنفى، والمعركة. كتاب سياسي يتحرك نصف العالم وفقاً لما ورد فيه».

ظل جانب كبير من حياة هوتشي منه ملتفاً بالغموض، الذي يلف حياة مليارات من الآسيويين، من المنظور الغربي في تلك المرحلة، ولكنه كان يتمتع كذلك بغموض إضافي جدير بشخصية تعمل تحت الأرض، حيث ظل يسبق شرطة العديد من دول العالم بخطوة واحدة، ويغير اسمه بانتظام، إلى حد أنه ساد الاعتقاد في وقت من الأوقات بأنه مات في أحد سجون هونغ كونغ، ثم عاد إلى بلاده ليتولى ثورة انطلقت من تحت الأرض، ومضت راعدة عبر الجبال، بل ان أعماله وقراراته في زمن الحرب ظلت حتى اللحظة الأخيرة طي الكتمان.

وحتى في الدول التي سادت النظم الاشتراكية فيها، عرف عن تيتو وستالين وخروشوف ما هو أكثر بكثير مما عرف عنه، حيث سطعت الأضواء فوق شخصية كل منهم في حينه.

لكن هو لم يسع إلى رموز السلطة، كأنما كان واثقا أشد الثقة من نفسه ومن علاقته بكل من شعبه والتاريخ، بحيث أنه لم يكن بحاجة إلى صور أو تماثيل أو جسور أو كتب لتثبت له أو لشعبه من عساه يكون.

ويحس المرء بأنه كانت لديه ثقة بهويته وبمنجزه وبأنه لا يواجه مشكلة في التواصل مع أبناء شعبه، بحيث أنه كان في غنى عن اللجوء إلى وسائل مصطنعة لتحقيق هذا التواصل. وكان احجامه عن كل ما يتعلق بظاهرة عبادة الشخصية، التي كانت سائدة في العالم النامي، شيئا جديراً بالاهتمام به والالتفات إليه والتوقف عنده.

لم يكن منجزه الكبير أنه حرر شعبه من نير الحكم الاستعماري فحسب، وإنما غير مسار الكولونيالية في كل من آسيا وإفريقيا، واجترح شيئا شديد التميز فوق هذا كله، فقد لمس ثقافة عدوه وروحه، هذا الرجل الذي وصف بأنه «ذو لحية جدى، وتروتسكي منغولي ومجرم مسلول» استطاع أن يكمل دائرة حياة تقوم على احترام انسانية البشر والارتفاع بها عالياً، مهما كانت التضحيات.

البداية الصحيحة

لا يكاد يذكر اسم مايكل كولينز إلا قفزت إلى الذهن أيرلندا، بكل من يرتبط بها من مآس وأحزان وأوجاع ومواهب مهددة ومواعيد مع المستقبل لم يقدر للأيام الوفاء بها قط.

في الصورة القلمية التي رسمها تيم بات كوجان عن مايكل كولينز، لا يتردد في الذهاب إلى الحد الأقصى، فيقول إنه لو أن كولينز لبى دعوة أخيه بات إلى اللحاق به في شيكاغو، ومشاركته العمل هناك، لما كنا نتحدث اليوم عن جمهورية أيرلندية.

على أي حال، فإن هذا يعيدنا إلى مناقشة طويلة، عريضة، حول دور الفرد في التاريخ، وهي مناقشة تظل أبعد ما تكون عن الحسم حتى اليوم.

في غضون ذلك، دعنا نتذكر الحقائق الأساسية، المتعلقة بحياة مايكل كولينز، فهو قد ولد في كاونتي كورك عام 1890، وشارك في انتفاضة دبلن في عيد الفصح في عام 1916 ضد البريطانيين، وأصبح في وقت لاحق قائدا للجيش الوطني في أيرلندا، وكان مسؤولاً إلى حد كبير عن المعاهدة الموقعة مع الحكومة البريطانية، والتي أفضت إلى إقامة الدولة الأيرلندية الحرة، ولقي مصرعه في كمين نصبه له رفاق سلاحه السابقون في عام 1922، غير بعيد عن مسقط رأسه.

كانت انتفاضة الفصح دبلن عام 1916 أسبوعاً من المعاناة والدم والنار والدموع، وانتهى الأمر بمصرع عدد من أبرز الرجال الذين كان كولينز شديد الإعجاب بهم وبنضالهم من أجل استقلال أيرلندا، وفي مقدمتهم توم كلارك، جيمس كونولي، شين هيرلي، شين ماكديارميدا، جوزيف بلونكيت.

ومع موتهم مات أيضا إيمان كولينز بالأساليب التقليدية في القتال من أجل حرية أيرلندا. كان لايزال يؤمن بالقتال، على الرغم من كل المتاعب التي تعرض لها، ولكن ليس في إطار حرب استاتيكية، تقوم على السيطرة على نقطة قوية، مثل مكتب بريد دبلن العام، الذي قاتل عنده خلال الانتفاضة، أو قمة جبل، ثم التصدي منها بالبنادق لعدو مسلح بالمدفعية الثقيلة، فمثل هذه القتال من شأنه أن يستمر ليزود أيرلندا بالأبطال والقتلى، وليمد بريطانيا بالانتصارات.

بدلا من ذلك، بدأ كولينز من البداية الصحيحة، من تطوير مفهوم لحرب العصابات، قدر له بمرور الوقت أن يتم تبنيه على امتداد العالم، ابتداء من ماو، وليس انتهاء بتشي جيفارا. كانت فلسفة كولينز تقوم ليس على الإمساك بمواقع العدو أو سلاح، وإنما على وضع اليد على معلوماته.

كانت قلعة دبلن، التي تعد تقليديا مقر الإدارة البريطانية في أيرلندا، تستخدم شبكة من الجواسيس والمرشدين للتغلغل في صفوف القوى الوطنية الأيرلندية، ومن ثم استباق كل تحركاتها، الرامية إلى تحقيق استقلال أيرلندا.

هكذا بادر كولينز إلى بناء نظام متكامل للتجسس على الجواسيس، وقام المتعاونون معه باختراق كل فرع مهم من فروع عمل القلعة، سواء أكان متعلقاً بنشاط البنوك أم عمل الشرطة أو السكك الحديدية أو الشحن أو خدمات البريد أو أيا كان. ولم يكن المتعاونون معه رجالا اختصاصيين، دربوا على مستوى حرفي، وإنما كانوا رجالاً ونساءً عاديين من أبناء أيرلندا ترفع وطنيتهم إلى ركوب هذا المركب الصعب. كانوا رجالاً ونساءً من غمار الناس، لا تكاد العين تلحظهم، منحهم كولينز الثقة بأنفسهم وبقدراتهم وشجاعة لم يكونوا يعرفون أنها متوافرة لهم، وبالمقابل فقد أعطوه صورة كاملة للكيفية التي تتحرك وتخطط بها الإدارة الإنجليزية في كل ما يتعلق بأيرلندا.

هكذا حرص سكرتير في المخابرات العسكرية بدبلن على أن يحصل كولينز على نسخة من كل أمر يصدره كولونيل القلعة إلى ضباطه، قبل أن يصل الأمر الأصلي إلى مستلمه. وحرص نظير له في السكك الحديدية على أن تصل الرسائل المماثلة، في هذا القطاع المهم، إلى كولينز بصورة مسبقة، وحرص العاملون في أرصفة الشحن على إنجاز تهريب الأسلحة، لتصل الشحنات إلى حيث يريدها كولينز أن تمضي، واستخدمت الفرق الضاربة هذه الأسلحة للقضاء على الجواسيس والمرشدين.

التصاعد السريع

تصاعد النضال سريعاً، ليصل الأمر إلى حد الحرب المفتوحة، مع استعانة البريطانيين برجال جدد وأساليب جديدة للتصدي لأساليب حرب العصابات، التي اعتمدتها وحدات الخدمة النشطة، التي نظمها كولينز، وصفوف المتطوعين الطائرة التي كانت تجيد الضرب والهرب.

ووجدت بريطانيا نفسها غير قادرة على استخدام جيشها على أوسع نطاق بفعل قوة الرأي العام العالمي، وإلى حد كبير الرأي العام الأميركي المنتمي إلى أصول أيرلندية فحاولت اللجوء إلى حرب شرطة بالاستعانة بقوات شكلت من رجال كانوا منخرطين في الخدمة سابقاً، ومن هنا شهدت أرض أيرلندا فصولاً دموية أخرى من تاريخها الحافل بالمآسي والأحزان.

لم يقتصر كولينز على إدارة الحملة العسكرية، وإنما نظم أيضاً قرضاً وطنياً، بادرت انجلترا إلى خطر الإعلان عنه والتعامل وفقاً له، لكن القرض تمت تغطيته بالكامل. وكان كولينز الرئيس الذي يوجد في كل مكان لكل نظام يهدف إلى خدمة استقلال أيرلندا.

بهذا المعنى كان كولينز ينظر إليه باعتباره رئيساً للجمهورية الأيرلندية من قبل جمعية الإخوان الجمهوريين الأيرلنديين، وكان وزيراً للمالية في مجلس وزراء الشين فين، وكان مديراً لمخابرات الجيش الجمهوري الأيرلندي. وكان كل عمل من هذه الأعمال كفيلاً باستنزاف طاقة رجل من ذوي البأس، لكن كولينز قام بها جميعها في وقت واحد.

دفعت هذه الجهود، التي تصدى كولينز لقيادة القائمين بها، البريطانيين إلى مائدة المفاوضات، التي تم التوصل عبرها إلى تسوية لم يبتلعها الكثير من الأيرلنديين، حيث أفضت إلى دولة أيرلندا الحرة المقسمة، والتي تدين بالولاء للتاج البريطاني. على الرغم من أن إيمون دي فاليرا كان هو الذي توصل إلى الخطوط العريضة للتسوية مع رئيس الوزراء البريطاني لويد جورج في مفاوضات استمرت أربعة أيام في لندن في يوليو عام 1921، إلا أن دي فاليرا آثر البقاء بعيداً عن توقيع المعاهدة، وأقنع كولينز بالمشاركة في الوفد الذي مضى لتوقيعها هناك في 6 ديسمبر 1921.

كان هذا هو، بالضبط السبب في أن كولينز تعرض للاغتيال، في كمين على بعد مسافة محدودة من مسقط رأسه، فيما يمكن تسميته بفاصل دموي آخر في المأساة الأيرلندية التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين