يجد القارئ نفسه عند هذا المنعطف المبكر من الكتاب على موعد مع لوحتين من اللوحات القلمية الخمس والعشرين، التي يضمها بين دفتيه تتسمان بوجود قواسم مشتركة عديدة تربطهما، فالمهاتما غاندي أمضى عشرين عاماً من تجربته العملية في النضال على أرض جنوب إفريقيا، ونلسون مانديلا هو تجسيد حقيقي لكل المعاناة التي عرفتها هذه الأرض، وكل من الرجلين اصطدم بقوة طاغية لا تتورع عن البطش الدموي بكل من يعارضها، كما أنهما عرفا تجربة السجن كأفظع ما تكون، لكن القاسم المشترك الحقيقي بين الرجلين يتمثل في الدروس الأخلاقية التي يمكننا الخروج بها من القراءة المعمقة في نضالهما السياسي.

يستهل توماس ميرتون اللوحة القلمية التي يقدمها لنا عن حياة المهاتما غاندي ونضاله بالإشارة إلى جانب بالغ الأهمية في فكر الزعيم الهندي الكبير، وهذا الجانب يتمثل في اكتشاف الشرق عبر الغرب. ومن المحقق أن تلك لفتة لا ينقصها الذكاء، ويمكننا أن نضع أيدينا عليها من خلال الحقائق الأساسية المتعلقة بحياة غاندي. ولد غاندي عام 1969، ودرس الحقوق في لندن، وأمضى عشرين عاماً في الاشتغال بالمحاماة والشأن العام في جنوب إفريقيا.وفي عام 1914 عاد إلى الهند، وأصبح زعيماً للمؤتمر الوطني الهندي والمتصدي لقيادة حركة استقلال الهند عبر اعتماد أسلوب اللاعنف واشتهر بدوره في التفاوض على استقلال الهند. وفي عام 1947 لقي مصرعه على يد أحد المتطرفين الهندوس.

**الشرق والغرب

شأن الكثيرين من أبناء شبه القارة الهندية، تلقى غاندي تعليماً غربياً بصورة كاملة، في مستهل حياته، وقد تخلى إلى حد كبير عن المعتقدات والتقاليد والأعراف وعادات التفكير الهندية، ومضى يتحدث ويفكر ويتصرف كرجل إنجليزي، غير أنه ما كان بمقدوره أن يصبح رجلاً إنجليزياً، فذلك هو على وجه التحديد ما كان محظوراً عليه أن يصبحه، بحكم احتلال انجلترا لبلاده.

لقد كان في حقيقة الأمر آسيوياً مغترباً، يبدو أن قدره أن يمضي حياته بكاملها محاولاً أن يصبح انجليزياً، من غير أن يتحقق ذلك أبداً، لأن الثمن هو أن يبرهن على تفوق الغرب من خلال خيانته لتراثه ولذاته، وعبر التفكير كرجل أبيض، من دون أن يكف عن أن يكون آسيوياً أسمر.

ويستخدم هنا توماس ميرتون تعبيراً لا يفتقر إلى الدقة ولا التألق في آن، حيث يقول إن جمال هذا الوضع، من منظور الأذهان الغربية، هو أنه يظهر الثقافة الغربية باعتبارها لؤلؤة باهظة الثمن، يمكن للمرء أن يبيع أسيا بكاملها من أجل الحصول عليها، وذلك على الرغم من أن هذا الاقتناء ليس حصولاً على ذات جديدة، أو حتى هوية جديدة، وإنما هو الحصول على بدلة جديدة فحسب.

كان غاندي رجلاً غير مألوف في هذا الصدد، فهو بدلاً من أن يخدعه الزي الغربي، وبدلاً من أن يتم استدراجه إلا أنه لم يعد موجوداً حتماً بحسبانه رجلاً آسيوياً، أدرك أن الغرب يتعلق به شيء جيد، ليس لأنه شيء غربي، وإنما لأنه شيء شرقي، أيضاً بمعنى أنه شيء كلي وشمولي، وهكذا فقد يمم بالوجه والقلب شطر الهند من جديد، وأدرك ما هو موجود هناك حقاً.

ومن خلال معرفته بكتاب مثل تولستوي وثورو ثم قراءة الكتب المقدسة الغربية أعاد اكتشاف تقاليده وجذوره الأخلاقية والروحية، وهكذا فقد اكتشف نفسه من خلال اكتشاف الهند. ربما لهذا، على وجه الدقة، فإن من المهم للغاية فهم حياة غاندي السياسية، وبصفة خاصة مبدأ «الأهايمسا» أو اللاعنف، الذي اعتمده منهاجاً للحركة السياسية، في ضوء هذا الاكتشاف، الذي يستمد كل شيء آخر معناه منه.

لقد كرس غاندي نفسه للنضال من أجل حرية الهند، وإصراره على اللاعنف يعني في غمار هذا النضال أنه نابع من فهمه الجديد للهند ولنفسه، بعد الاحتكاك بتقليد روحي صحيح على نطاق شامل، نظر إليه على أنه الشرق والغرب معا.،

الوقوف مع الهاريجان في غمار إعادة غاندي لاكتشاف الهند وما يصفه بـ «ذهنه الصحيح» لم يكن يستخرج من المكتبات المسائل الغامضة والمتنازع بشأنها المتعلقة بالفكر الفيدانتي.

وذلك على الرغم من أنه لم يرفض الفيدانتا، وإنما كان على العكس من ذلك يعلن اندماجه الكامل مع الشعب الهندي، ليس مع الطبقات العليا التي مضت تقلد الغربيين، وليس مع فئة البراصمة التي ينتمي إليها بحكم الميلاد، وإنما مع الجموع الهندية المتضورة جوعاً، وبصفة خاصة مع «الهاريجان» أو منبوذي الهند.

تلك حقيقة بالغة الأهمية في مسيرة غاندي، ومن دونها يصبح مبدأ «الأهايمسا» أو اللاعنف عصيا على الفهم، فيقظة الذهن الهندي في غاندي لم تكن يقظة روحه وانتباهها إلى إمكانيات الشكل الهندوسي مما يعرف بـ «الحياة الداخلية» ولم تكن مسألة تتعلق باليوجا والانضباط الفيدانتي وصولا إلى كماله الشخصي فحسب.

لقد أدرك غاندي أن الشعب الهندي يستيقظ فيه، الجموع التي لزمت الصمت ألوف السنين وجدت فيه الصوت الذي يعبر عنها. لم يكن ما يتحرك في أعماقه «الفكر الهندي» أو «الروحانية الهندية» وإنما الهند ذاتها، الوعي الروحي لشعب استيقظ في روح شخص واحد. لكن رسالة الروح الهندية، الحكمة الهندية، لم تكن موجهة إلى الهند وحدها، وإنما هي موجهة إلى العالم بأسره، ومن هنا فإن رسالة غاندي كانت صالحة للهند ولنفسه، من حيث أنها مثلت يقظة عالم جديد.

غير أن وعي الهند الروحي المتجدد هذا كان مختلفا أشد الاختلاف عن الوعي الشمولي والقومي، الذي انبعث حيا في الغرب وفي الشرق وعلى سبيل المثال في النموذج الياباني، وصولا إلى حد الاهتياج الغاضب الذي يجد ذاته في الحرب.

إن الذهن الهندي الذي مضى يستيقظ في غاندي كان معانقا للآخرين، وليس رافضا لهم ومنفصلا عنهم، فقد كان في آن ذهنا هنديا وذهنا كليا شاملاً ولم يقم على الكراهية والافتقار إلى التسامح والهام الآخرين، لقد كان عقلا محبا ومتفهماً ومن هنا جاء رفضه للعنف ونبذه له.

في ذهن غاندي، فإن اللاعنف لم يكن تكتيكا سياسياً مفيداً وفعالا في تحرير الشعب من نير الحكم الأجنبي، لكن تركز الهند بعد ذلك على بلورة هويتها الوطنية، وإنما الأمر على العكس من ذلك، فروح اللاعنف تنهض من ادراك داخلي للوحدة الروحية القائمة في نفسه. إن مفهوم غاندي بأسره عن العمل اللاعنفي و «الساتيا جراها» يغدو عصيا على الفهم، إذ ساء الاعتقاد بأنه وسيلة لتحقيق الوحدة، وليس الثمرة الخاصة بالوحدة الداخلية التي تحققت بالفعل.

**صوت آسيا

هكذا، إذن فإن كل أعمال غاندي وتصرفاته السياسية كانت في آن أعمالاً روحية، ودينية في غمار تحقيق «الدارما» أو «الواجب» وقد كان لها معناها على ثلاثة مستويات مختلفة على الأقل، أولا بحسبانها أعمالا دينية، وثانيا بحسبانها أعمالاً رمزية وتعليمية تدفع الشعب الهندي إلى إدراك احتياجاته الحقة ومكانه في حياة العالم، وأخيراً فإن لها أهميتها الكلية باعتبارها تجليات لحقائق ملحة، نزعاً لقناع الزيف السياسي، ويقظة لكل البشر على مطالب العصر والاحتياج إلى التجدد والوحدة على نطاق عالمي.

في غاندي، كان صوت آسيا، ليس آسيا الفيداوالسوترا فحسب، وإنما آسيا الجموع الجائعة والصامتة، يتحدث، ولا يزال يتحدث مخاطباً الدنيا بأسرها برسالة فريدة. هذه الرسالة، التي دوت على طرق الهند المتربة، تظل أكثر امتلاء بالمعاني من تلك الوعود الجوفاء، التي جاءت من عواصم الأرض الكبرى.

في 30 يناير 1948، لقي غاندي مصرعه برصاص شاب هندوسي متطرف، وقد كان ذلك تأكيداً لدعوة غاندي إلى فهم الكراهية، في جوهرها الصحيح، بحسبانها شراً حقيقياً في صدارة شرور هذا العالم، ينبغي التصدي له. لم تكن دعوة غاندي إلى مبدأ اللاعنف تجنباً عاطفياً أو انكاراً لواقع الشر، وإنما كانت قبولاً بعيد النظر لضرورة استخدام القوة ولحضور الشر كنقطة ارتكاز للخير وللتحرير.

وتبقى رسالة غاندي، على الرغم من مرور السنوات والعقود، واضحة تتردد في الأسماع والضمائر، مشددة على أن السلام لا يمكن أن يبنى على الانغلاق والاقتصار للتسامح، ولكنه لا يمكن أيضاً أن يقام على شعارات ليبرالية غامضة وبرامج ملتبسة صيغت في دخان الغموض. لا سبيل إلى أن يكون على الأرض السلام من دون نوعية التغير الداخلي، التي تجلب معها إلى الإنسان «ذهنه الصحيح».

**رجل من غمار الناس

هذا الأفق الأخلاقي الرفيع، الذي تحلق بنا إليه الدروس المستفادة من حياة المهاتما غاندي، هو الذي يجعل من المنطقي المبادرة بعده إلى تأمل ملامح الصورة القلمية البريقة، التي أنجزها الكاتب والروائي أندريه برينك، ليقدم لنا من خلالها المناضل نلسون مانديلا.

وإذا شئنا إلقاء نظرة سريعة على الحقائق الأساسية ا لمتعلقة بحياة مانديلا، لأشرنا إلى أنه ولد في ترانسكاي بجنوب إفريقيا، في عام 1918، واشتغل بالمحاماة في جوهانسبرغ، قبل الانضمام إلى المؤتمر الوطني الإفريقي، وحكم عليه بالسجن مدى الحياة، عقاباً على أنشطته السياسية في عام 1964، وعلى الرغم من ذلك فقد واصل عمله ضد نظام التفرقة العنصرية من داخل سجنه حتى عام 1990 .

وهو العام الذي رفع فيه الرئيس ف. دبليو دي كليرك الحظر المفروض على المؤتمر الوطني الإفريقي، وتم إطلاق سراح مانديلات، وفي عام 1993 نال مانديلا ودي كليرك جائزة نوبل للسلام معاً، وانتخب مانديلا في عام 1994 رئيساً لجنوب إفريقيا، ورغم تركه منصبه فإنه لا يزال ـ حتى اليوم ـ رمزاً للنضال الناجح ضد النظم العنصرية.

ويستهل أندريه بريك صورته القلمية، التي رسمها عن مانديلا، بالإشارة إلى البعد الأخلاقي في مسيرته، حيث يشير إلى أن مانديلا يعد مثالاً للتكامل الأخلاقي، الذي يتألق متجاوزاً آفاق جنوب إفريقيا إلى رحاب العالم بأسره. ويقول معلق البي. بي. سي الشهير بريان وادن عن مانديلا إنه: «ربما كان الشخصية التي تحظى بأكبر قدر من الإعجاب في عصرنا، ومع ذلك فإنه لا يرقى إلى مستوى عمالقة الماضي».

تظل تلك وجهة نظر قابلة للنقاش، لن من المهم أن نتذكر في غضون ذلك، ما يقوله مانديلا نفسه: «أنا رجل عادي أصبح قائداً بسبب ظروف استثنائية». هذا الرجل، الذي لا يتردد في وصف نفسه بأنه من غمار الناس، قاد ثورة لتحويل نموذج وحشي للفصل العنصري، لايزال يجد امتداده العضوي في إسرائيل، إلى نظام ديمقراطي مفتوح، يظل نظاماً ديمقراطياً أياً كانت جسامة العيوب التي تأخذها عليه.

أظهر مانديلا، في غمار هذا النضال، أنه لا يتردد في حمل السلاح، عندما يكون ذلك أمراً محتماً لا سبيل إلى اللجوء إلى غيره من وسائل النضال، لكن مناقبه الحقيقية برزت خلال السنوات السبع والعشرين، التي أودع على امتدادها في سجون نظام التفرقة العنصرية، وفي السنوات التي أعقبت الإفراج عنه، عندما تولى مسؤولية قيادة بلاده في مرحلة اجتازت خلال أحد أخطر منعطفات تاريخها كله.

**الرجل والأسطورة

يلفت أندريه برينك نظرنا إلى أن مانديلا قد اختار اللاعنف استراتيجية شاملة، وانضم في صدر العمر إلى رابطة الشباب التابعة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، وانغمس في برنامج المقاومة السلبية ضد القوانين، التي كان النظام العنصري يفرضها على السود، والتي تحتم عليهم حمل تصاريح للانتقال في المناطق المختلفة من بلادهم، وتبقيهم في وضعية عبودية دائمة.

لما ضاق النظام العنصري بهذه الأنشطة، بادر إلى شن حملة هائلة قدم خلالها للمحاكمة بتهمة الخيانة أبرز خصومه، وكان مانديلا من بينهم وعلى الرغم من الامتداد المذهل لهذه القضية، حيث استمرت خمس سنوات كاملة، إلا أنها انتهت بإطلاق سراح المتهمين، البالغ عددهم 156 شخصاً جميعهم.

ولكن بحلول ذلك الوقت كان الاضطراب قد عم جنوب إفريقيا بأسرها، حيال قيام النظام العنصري بارتكاب مذبحة شاربفيل، في مارس 1960، التي راح ضحيتها عدد كبير من المتظاهرين المسالمين. وعقدت الحكومة العنصرية العزم على سحق كل معارضة لها. وهكذا بادرت إلى حظر جميع حركات التحرير، ومن بينها المؤتمر الوطني الإفريقي. ولجأ مانديلا إلى العمل السري، على امتداد أكثر من عام، وسافر إلى خارج جنوب إفريقيا لحشد الدعم للمؤتمر الوطني الإفريقي.

بعد وقت قصير من عودة مانديلا إلى جنوب إفريقيا، ألقي القبض عليه، وحكم عليه بالسجن خمس سنوات في جزيرة روبن، وفي غضون أشهر قلائل كان كل قادة المؤتمر الوطني الإفريقي قد اعتقلوا من الناحية العملية، واقتيد مانديلا من السجن ليواجه معهم حكماً مؤكداً على وجه التقريب بالإعدام. وقدر للبيان الذي ألقاه من قفص الاتهام أن تتردد أصداؤه في كل أرجاء جنوب إفريقيا، وأن يؤرق ضمير العالم.

قال مانديلا: «على امتداد عمري كرست حياتي للنضال من أجل الأفارقة، وحاربت هيمنة البيض، وحاربت هيمنة السود. وأعليت شأن مثال المجتمع الديمقراطي الحر الذي يعيش فيه الناس جميعاً معاً في تناغم وبفرص متساوية. وهو مثال آمل أن أحيا من أجله ولكي أحققه. ولكن إذا اقتضى الأمر، فإنني على استعداد لأن أموت من أجله». تحمل مانديلا المسؤولية كاملة، من دون أي محاولة للوصول إلى مخرج قانوني، وقد أضفى هذا مرتبة أخلاقية جديدة على قيادته، وهو الأمر الذي بدا جلياً منذ اللحظة الأولى لعودته إلى جزيرة روبن.

حتى منذ وصول مانديلا إلى جزيرة روبن لأول مرة، قبل عامين، ضرب مثالاً للسجناء برفض الإذعان لأمر أصدره محافظ السجن بالركض من الميناء إلى مقر السجن. وقد حذره المحافظ بلا مواربة من انه اذا لم يبدأ في الاذعان للأمر بالركض من المرفأ الذي رست به السفينة التي نقلت إلى الجزيرة حتى أبواب السجن، فإنه قد يلقي مصرعه، من دون أن يعبأ أحد خارج الجزيرة بذلك. وفي التو رد مانديلا بهدوء وحزم: «إذا وضعت يدك علي، فسوف أمضي بك الى أرفع المحاكم شأنا في البلاد، وعندما أفرغ منك ستكون فقيراً كجرذ في كنيسة!». ومن المدهش أن محافظ السجن تراجع، وابتلع الأمر الذي كان قد أصدره.

تمثل رد مانديلا البارز على ما تعرض له في السجن في الرفض الإبداعي لتحوله إلى ضحية، وهو الأمر الذي تم التعبير عنه على نحو بالغ الوضوح من خلال نظام للتعليم، الذي أكسب السجن الوصف المدهش «جامعة الجزيرة». ومع مغادرة السجناء لزنزاناتهم في طريقهم إلى الكدح صيفاً وشتاء في ظروف بالغة الصعوبة في محاجر الجير، التي أضعفت نظر مانديلا بصورة دائمة، كان كل فريق يصحبه معلم في التاريخ، أو الاقتصاد، أو العلوم السياسية، أو الفلسفة، أو أي فرع آخر من فروع العلوم والمعارف الإنسانية.

وامتلأت الساعات المخصصة للترفيه والتي كانت ساعات جوفاء في السابق، بالأنشطة الثقافية، ويتذكر مانديلا باعتزاز أدائه لدور كريون في مسرحية «أنتيجون» لسوفوكليس. بعد قضاء ما يزيد على عقدين من الزمان في السجن، قرر مانديلا، الذي كان على يقين من أن القائد يتعين عليه أن يتخذ بنفسه القرار في بعض القضايا ذات الأهمية الكبيرة ـ قرر اتباع نهج جديد، وبعد تمهيدات عدة، تقل أشهر سجين، في العالم تحت غطاء من السرية المحكمة إلى مكتب الرئيس دي كليرك لبدء التفاوض، ليس حول الافراج عنه فحسب، وإنما حول انتقال جنوب افريقيا من التفرقة العنصرية إلى الديمقراطية.

وفي 2 فبراير 1990 رفع ف.دبليو دي كليرك الحظر عن المؤتمر الوطني الافريقي، وأعلن الافراج الفوري عن مانديلا. لم تكن تلك النهاية، وإنما كانت البداية لتحديات لا تنتهي في كل بوصة من الطريق الصعب، وعندما طلب من مانديلا التعقيب على تقرير حافل بالانتقادات لأدائه كقائد، اكتفى بالقول باسما:» إنه يساعد على جعل المرء انساناً، رجلاً من غمار الناس».

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين