يجمع هذا الكتاب بين دفتيه خمساً وعشرين لوحة يمكن أن نصفها بأنها صور قلمية فريدة لقادة كارزميين يجمعهم إصرارهم على التغيير في مواجهة ظروف ضارية، يسودها القمع ومصادرة كل ما هو إنساني ونبيل، وقد تجلى هذا الإصرار في معظم الأحوال عبر السخرية والصراع والمعارضة، التي لا تفتقر إلى الضراوة،
وهذه الصور القلمية في معظمها تقدمها أقلام قد لا يكون من المبالغة وصفها بأنها من أكثر الأقلام إبداعا وجرأة واقتداراً في كل العصور عرف أصحابها الشخصيات التي يكتبون عنها، إما عن كثب وعبر الصلة الشخصية المباشرة أو من خلال الجهود البحثية المطولة، التي استغرقت عقودا طويلة من الزمان.
ومن المؤكد أنه ليس من قبيل الصدفة أن محرري الكتاب، جون ميللر وآرون كيندي اللذين يديران دار النشر «بيج فيش» وهي من دور النشر الأميركية البارزة، قد حرصا على أن يجعلا في صدارة الكتاب مقتطفا دالاً على جوهر موضوعه، هو قول المهاتما غاندي «لابد لنا من أن نصبح نحن أنفسنا التغيير الذي نتصوره».
دعنا نلتقط هذا المقتطف، لنأخذه مدخلاً لمناقشة مسألة منهاجية نراها على جانب كبير من الأهمية، وتستحق التفاتة ولو عاجلة إليها، قبل التطرق إلى الملامح الرئيسية في اللوحات القلمية التي يضمها الكتاب.لعد جعل المحرران العنوان الرئيسي للكتاب هو «الثورة» ثم بدا لهما أن هذا العنوان أكثر اتساعا مما قصدا تقديمه في كتابهما، فعادا فألحقاه بالعنوان الفرعي «وجوه التغيير».
في اعتقادنا أن المحررين كانا يمكن أن يكونا أكثر توفيقا لو أنهما اكتفيا بعنوان «وجوه التغيير» وحده، فأنت ستجد أن من بين أصحاب اللوحات القلمية التي يضمها الكتاب شخصيات مثل إيفا بيرون، التي يكتب عنها في. إس نايبول وكذلك الدلاي لاما، الذي يكتب عنه بيكو آير، والهندي الأعم الشهير «الثور الجالس»، وهي شخصيات لا موضع في التشكيك في جاذبيتها وأهميتها، ولكن السؤال البديهي هو: ما هي علاقتها بالثورة حقا؟.
هذه ملاحظة، وأخرى أن المحررين، في غمار ربطهما بين الثورة والتغيير، كان عليهما التساؤل: التغيير في أي اتجاه؟
هذا التساؤل يستمد مرجعيته من أن مفهوم الثورة في تقاليده الفكرية الأوروبية يضرب جذوره في آخر مجال يمكننا أن نتوقعه، فالاصطلاح نفسه مستمر من علم الفلك، حيث يشير إلى عودة الأجرام السماوية إلى وضعيتها السابقة، بعد تغيير طرأ عليها في غمار حركتها.
بهذا المعنى فإن الثورة الفرنسية يمكن أن تفهم، في أحد أبعادها، بأنها عودة إلى السابق، استبعاداً لتغيير مؤقت ومرفوض طرأ، فهي عودة بالجماعة الغالية إلى تقاليدها الأصيلة، القائمة على المساواة والعدل، حيث كانت مقاليد القيادة للأبرز بين نظرائه، بينما كانت المكانة الفريدة للبوريون، وبصفة خاصة ابتداء من لويس الرابع عشر، هي الاستثناء في التقاليد الغالية، وهو استثناء تم تجاوزه عودة إلى الأصل.
أياً كان الأمر، فإن هذا الكتاب بلوحاته الخمس والعشرين يظل جديراً بالتوقف عنده وتأمله عن قرب، وإن كان علينا أن نلاحظ أنه على الرغم من أهميته إلا أنه يظل متصفا بأبرز عيوب الكتب المعدة أو المحررة، وهو الافتقار إلى الأطروحة الأساسية أو الناظمة التي تشكل العمود الفقري للكتاب، والمفهوم الأصيل الذي يستهدف المحرران الدفاع عنه حتى آخر صفحة في الكتاب.
وكان لابد لهذا العيب، والعيوب المنهاجية، المتفرعة عنه، أن ينعكس على أسلوب التناول، وهكذا فإن اللوحات تأتي على نحو تبدو لنا كل لوحة فيه قائمة بذاتها، وكأنها فصل قائم بذاته، فلا نملك إلا أن نحاول جمعها، بحيث ندرج كل مجموعة منها في إطار يضمها ويجمعها، وهذا ما سنحاول القيام به على امتداد تناولنا للكتاب.
كاسترو بعيني ماركيز
لست أشك في أن الفضول سيدفع كل قارئ عربي، على نحو ما دفعني، الى البدء في قراءة هذا الكتاب انطلاقاً من صفحة 104 حيث نلتقي بالمادة الفريدة والثمينة والموجزة أيضاً، التي كتبها الروائي الكولومبي الفائز بجائزة نوبل للأدب غابرييل غارسيا ماركيز، عن الرئيس الكوبي فيدل كاسترو.
أول ما نلاحظه أن ماركيز، في هذا النص، قد التقط زاوية واحدة لينظر الى ملامح كاسترو من خلالها، وهي زاوية علاقة الرئيس الكوبي بالكلمة، حيث يبادر إلى تأكيد أن اخلاص كاسترو للكلمة يكاد ان يكون سحرياً. هذه الالتفاتة البارعة من جانب ماركيز في قراءته لملامح شخصية صديقه العتيد لا يمكن إلا أن تلفت نظرنا حقاً، ويكفي ان نتذكر في هذا الصدد ان كاسترو، بعد أسبوع واحد من دخوله المظفر إلى هافانا، ألقى خطاباً استمر سبع ساعات بلا توقف،
فيما يعد تسجيلاً لرقم قياسي عالمي، وخلال الساعات القليلة الأولى من الخطاب الذي بثه التلفزيون جلس أبناء هافانا الذين لم يكونوا قد الفوا بعد قوة صوته الموحية بتأثير التنويم المغناطيسي ليصغوا إليه بالطريقة التقليدية، ولكنهم مع مرور الوقت عادوا إلى روتينهم اليومي، مانحين أذناً لشؤونهم وأخرى لخطاب كاسترو.
وماركيز يستغل هذا المدخل المدهش إلى كاسترو، ليجعلنا نطرح السؤال البديهي: من الرجل؟ وسرعان ما يأتينا الجواب. فيدل كاسترو هو ابن أحد ملاك مزارع القصب الكوبيين، حاول من دون أن يكلل بالنجاح الاطاحة بحكم الجنرال فولجنسيو باتيستا في 26 يوليو 1953،
مما أسفر عن إيداعه السجن عامين، وعند إطلاق سراحه توجه إلى المكسيك للتخطيط للقيام بغزو كوبا. وفي 2 ديسمبر 1956 بدأ حمله حرب عصابات أفضت في النهاية إلى إسقاط حكم باتيستا بالفعل.شغل كاسترو منصبي رئيس كوبا ورئيس وزرائها منذ عام 1959، وهو لا يزال الرجل الأول في بلاده حتى اليوم، رغم اشتداء المرض عليه، وما يتردد إصابته بالسرطان.
ويلفت ماركيز، في غمار مواصلته الحديث عن كاسترو الكلمة، نظرنا إلى أمرين محددين، استقطبا من استمعوا لكاسترو للمرة الأولى، الأمر الأول هو قدرته المدهشة على استقطاب من يستمعون إليه، والأمر الثاني هو هشاشة صوته، فهو صوت مبحوح، ينحسر في بعض الأوقات ليغدو همساً لاهثاً، بل ان كاسترو تلقى من الأطباء تحذيراً، مفاده أنه حتى من دون خطبه الماراثونية فإن من المقدر له ان يفقد صوته في غضون خمس سنوات.
المعروف أنه في أغسطس 1962 بدا أن هذا التشخيص قد تلقى أول تأكيد له، لأن صوت كاسترو انحسر بالفعل إلى حد الاحتباس، بعد إلقائه لخطابه الشهير الذي أعلن فيه تأميم الشركات الأميركية، لكن تلك كانت نكسة لم تتكرر بعد ذلك، فقد أمضى الرجل عقودا بكاملها وصوته كعهده يتردد بين القوة والضعف، لكنه لم يصل إلى حد التوقف قط.
جسور الحوار
المدهش ان كاسترو كان يرتاح من الانهاك من الحديث عبر اللجوء إلى.. الكلام.هذه الخاصية، بالضبط، كما يحدثنا ماركيز، هي التي تفسر ثقة كاسترو المطلقة بالاتصال المباشر، فحتى أكثر الخطب صعوبة يمكن ان تبدو كالأحاديث العابرة، والمثال البارز في هذا الصدد تلك الأحاديث التي أجراها كاسترو مع الطلاب في أفنية الجامعة، في بداية الثورة.
كان من الأمور العادية تماماً، وبصفة خاصة خارج هافانا، أن يكون كاسترو على منصة الخطابة، أو في اجتماع عام، فإذا بأحدهم يرفع غفيرته من قلب الجموع مخاطباً كاسترو، وهكذا يبدأ حوار عبر الهتاف بصوت عال، لا تنقصه الحيوية ولا الطرافة ولا الروح المرحة.
المدهش حقاً في حديث كاسترو أن لديه أسلوباً لكل مناسبة، ولديه صيغ مختلفة للإقناع، اعتماداً على محاوريه المختلفين، سواء أكانوا عمالاً، مزارعين، طلاباً علماء، سياسيين، كتاباً، أو زواراً من الأجانب.في كل الحالات، فإن كاسترو بمقدوره الوصول إلى كل هؤلاء ومخاطبتهم بحسب مستوى كل منهم، عبر فيض من المعلومات الغزيرة والمنوعة التي تتيح له التحرك في سهولة عبر أي وسيلة للخطاب.
هنا يستدرك ماركيز مشيراً إلى ان شخصية فيدل كاسترو هي من التركيب والاستعصاء على التنبؤ بحيث أن أي شخص من محاوريه يمكنه تكوين انطباع عنه مختلفاً عن غيره خلال اللقاء ذاته، من غير أن يكون بمقدور أي شخص ممن حضروا ذلك اللقاء أن يحدد أي الانطباعات هو الأكثر دقة وتوفيقاً في رصد ملامح هذه الشخصية المدهشة.
وكاسترو قارئ نهم، شغوف بالكتب، حتى ليكاد يلتهمها التهاماً، وهو يقرأ بالاسبانية والانجليزية أيضاً، ومن الألغاز التي تدهش المحيطين به كيف يجد الوقت ليقرأ كثيراً على هذا النحو أو بمثل هذه السرعة، وقد كان ماركيز نفسه هو دليله إلى قراءة الكتب التي تضمها قوائم أفضل الكتب مبيعاً ومتابعته بما يستجد منها كجرعة مقاومة للوثائق الرسمية المضجرة.
ويختتم ماركيز هذه اللوحة القلمية الفاتنة، التي رسمها أمامنا عن كاسترو، بلمحة إنسانية تدفعنا إلى التأمل في إنسانية البشر حقاً، على الرغم من اختلاف ظروفهم وأقدارهم. يقول ماركيز عن كاسترو: «ذات ليلة بينما كان يأكل آيس كريم الفانيلا في تؤدة بملعقة صغيرة،
رأيته مثقلاً للغاية بوقر مصائر العديد من الناس، وقد نأى كثيراً عن ذاته، إلى حد أنه بدا للحظة مختلفاً عن الإنسان الذي كانه دوماً، عندئذ سألته عن أكثر شيء في العالم يحب القيام به، فرد على الفور قائلاً: (أريد ان أتسكع عند ركن أحد الشوارع فحسب)».
جيفارا.. مات
من حديث ماركيز المفعم بالشجن عن صديقه كاسترو في صفحة 104 من الكتاب سنعود لنقفز هذه المرة عودة إلى البدايات، حيث نلتقي بالصورة القلمية التي يقدمها كاسترو نفسه عن صديقه تشي جيفارا، وهي صورة سنلاحظ ـ على الفور تقريباً ـ أنها لا تفتقر إلى الأسى ولا الشجن أيضاً.
أول ما يحدثنا به كاسترو عن جيفارا أنه كان واحداً من الناس الذين يحبهم الآخرون فور اللقاء بهم، ولم يكن ذلك اتفاقاً ولا مصادقة ولا من فراغ، وإنما هو يرجع إلى بساطة تشي وشخصيته وعفويته وطبيعته وما يصفه كاسترو بروحه الرفاقية وأصالته.
ويعود كاسترو بحديثه عن جيفارا إلى تلك الأيام الخوالي، في الخمسينات البعيدة من القرن العشرين، وعلى وجه التحديد في نهاية نوفمبر 1956 عندما انطلق جمع من الشباب في حملة قاصدين كوبا، وقد كانت الرحلة قاسية على جيفارا، لأنه في ظروف تأمين عملية الانطلاق سراً حرم من فرصة الحصول على الدواء الذي يحتاجه، حيث عانى طوال الرحلة من نوبات الربو القاسية، التي لم يخفف منها شيء، ولكن جيفارا لم تصدر عنه الشكوى ولو مرة واحدة.
خلال المسيرة نحو جبال السييرا، كان جيفارا طبيب الحملة، وفي الوقت نفسه أحد قادتها ومقاتليها، الذين يتصفون بقوة الشكيمة، ويحكي لنا كاستروا كيف أن جيفارا كان لا يتردد في التطوع لأصعب المهام والقيام بها وإنجازها على نحو يشكل قدوة للجميع. عندما يصل كاسترو إلى الموضع الذي نتوقع منه أن يقدم لنا فيه تفاصيل قد لا تتوفر لغيره، وهو المتعلق بالحقائق الدقيقة لمصرع جيفارا فإننا سنفاجأ بآخر ما نتوقعه.
يقول كاسترو، في نص مدهش لا تملك إلا أن تقرأه وتعاود القراءة، وكأنك لا تصدق ما تصافحه عيناك من كلمات وسطور: «ليست لدينا الأدلة الكافية التي تمكننا من التوصل إلى استنتاجات حول الظروف التي سبقت المعركة، التي فقد فيها حياته، والتصور إلى أي حد يمكن أن يكون قد تصرف بطريقة عدوانية على نحو مفرط، ولكننا نكرر أنه كمحارب أغوار إذا كان لديه كعب أخيل فإن هذا الكعب كان جرأته المفرطة وازدراءه التام للخطر».
إذا حاولنا أن نقرأ ما بين سطور هذا المقتطف، فلا شك أننا سنلمح إشارات، ولو عابرة إلى خلافات لا موضع لإنكارها بين كاسترو وجيفارا.إننا نعرف أن كاسترو كان يتصور ضرورة استمرار جيفارا في أداء مهام العمل الحكومي، وبصفة خاصة في القطاع الإنمائي في كوبا، على حين كان جيفارا يفضل الانطلاق لحمل مشعل الثورة، إلى أماكن أخرى من العالم.
وكاسترو نفسه لن يتردد في هذه الصورة التعليمية في الإشارة إلى أنه لم يكن يوافق جيفارا على جرأته في حملته الأخيرة، التي رأى فيها جرأة أكثر من اللازم، جرأة كانت بمثابة كعب أخيل، الذي أودى بحياة صديقه ورفيق سلاحه، على نحو ما عبر.
وهو يقول في هذا الصدد: «هذا هو الموضع الذي لم نكن نتفق فيه معه، حيث اننا كنا نعتبر أن حياته وخبرته وقدرته كقائد قدير ومكانته وكل ما كانت ترمز إليه حياته كانت أكثر قيمة، أكثر قيمة بما لا موضع لمقارنته مما اعتقد هو نفسه». هنا الخلاف إذن، لقد كان كاسترو يرى أن جيفارا ارتفع إلى مستوى الرمز، وأن هذا الرمز ينبغي أن يبقى عالياً، خفاقاً، كأنه الراية، مهما كلف ذلك.
بالمقابل كان جيفارا يرى في نفسه مقاتل أغوار، مكانه هو في الغابات والأدغال وبين آفاقه، يحاول أن يمد الجسور إلى فلاحي أميركا اللاتينية، وأن يتصدى لدكتاتورية الكولونيلات والجنرالات، الذين باعوا ضمائرهم ولم يترددوا في بيع بلادهم. وبرصاص بعض هؤلاء لقي جيفارا مصرعه، في مكان ناء من أدغال بوليفيا.
ويقول كاسترو كأنما يعزي نفسه ويعزي الملايين من أبناء العالم الثالث: «إذا كنا نتحدث عن الحزن، فإننا محزونون ليس لأننا فقدنا رجلاً من رجال الحركة، وإنما لأننا فقدنا رجلاً بالغ السمو على الصعيد الأخلاقي، إننا محزونون لأننا فقدنا رجلاً تمتع بحساسية إنسانية فائقة، نحن محزونون لأننا فقدنا مثل هذه العقلية، محزونون لأننا نفكر أنه كان في التاسعة والثلاثين من عمره فحسب عندما مات».
الليندي العائد للحياة
مرة أخرى علينا أن نقفز عبر صفحات الكتاب، عائدين هذه المرة إلى صفحة 110 لنلتقي مع الصفحات القلائل المحلقة إلى سماء الشعر التي كتبها الشاعر والروائي التشيلي أرييل دورفمان عن الرئيس التشيلي الراحل سلفادور الليندي.يعود بنا دورفمان إلى ليلة الحادي عشر من سبتمبر 1973، وهي الليلة التي أمر فيها الجنرال أوغستو بينوشيه بدفن جثمان التشيلي، الذي أطاح به لتوه في انقلاب دموي في مقبرة بجوار شاطئ البحر، حرص على إبقاء مكانها سراً.
لم يخطر ببال بينو شيه وقتها أن الليندي سوف تقام له جنازة ثانية، حاشدة هذه المرة، سيكرمه فيها عدد ممن شاركوا في اسقاطه.ولكن إلى أن تقام هذه الجنازة الثانية سيتعين على تشيلي أن تخوض غمار مقاومة ضارية، استمرت سبعة عشر عاماً، لتخرج جثمان الليندي من القبر الذي شمله النسيان، وتعود به إلى التكريم مع دفنه مجدداً في القبر الذي اختاره له الشعب التشيلي.
ويمضي بنا دورفمان إلى الحادي عشر من مارس 1990 لدى دخول الرئيس الديمقراطي التشيلي الجديد باتريشو إيلوين إلى قصر لامونيدا الرئاسي، الذي كان الليندي قد مات فيه، حيث كان أول زائر للرئيس الجديد هو تينشا الليندي، أرملة سلفادور الليندي، حيث قال لها: «إنني مدين لسلفادرو بجنازة!».وقد وفى بوعده، وشيع الملايين من أبناء تشيلي سلفادور الليندي إلى مقره الأخير وسط آيات الإجلال والتكريم.
وتوقع الكثيرون من أبناء تشيلي أن تختار عائلة الليندي الحادي عشر من سبتمبر موعداً لتلك الجنازة فهذا اليوم في نهاية المطاف هو ذكرى سقوطه، ولكن عائلة الليندي أظهرت بعد نظر أصلاً عندما اختارت الرابع من سبتمبر، باعتباره الموعد التقليدي الذي كانت تشيلي تجري فيه انتخابات الرئاسة منذ استقلالها.
ويلفت دورفمان نظرنا إلى حقيقة أخرى مهمة هي أن هذا التكريم الحاشد ل«الليندي»، كديمقراطي عظيم وهو السياسي الاشتراكي، قد جاء على وجه الدقة في لحظة من التاريخ المعاصر كانت الاشتراكية فيها تجتاز أزمة، بسبب اخفاقها في أن تقوم استناداً إلى التعددية والمشاركة، وهو الأمر الذي جعل اليمين التشيلي وجنرالاته يستشيطون غيظاً.
ويختتم دورفمان صورته القلمية عن الليندي بالقول: «الآن، وفيما سيلفادور الليندي، حيا تماماً وميتاً تماماً، قد أعيد إلى الأرض التي خصصها له الشعب التشيلي كل هذه السنين، فإن بمقدورنا أن نبدأ الحياة معه والحياة من دونه، في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى العدالة الاجتماعية والمشاركة الكاملة اللتين حلم بهما للجميع».
تحرير: جون ميللر وآرون كيندي
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين



