تعد إثيوبيا، ثاني أكثر البلاد من حيث الكثافة السكانية في إفريقيا وأحد البلدان الأكثر فقراً، بمثابة حالة اختبار للغرب في جهوده للقضاء على الفقر المدقع في القارة السمراء. ولكن ميول حكومتها غير الديمقراطية فرضت على الدول المانحة ورطة محددة، هل يتعين على هذه الدول الاستمرار في إرسال أموال دافعي الضرائب إلى بلد يقوم بسجن منتقديه وتعذيبهم بصورة روتينية أم ينبغي عليها وقف المساعدات وبالتالي إلحاق الضرر بالفقراء الذين لا ذنب لهم؟

إن أغلب المانحين يواصلون تقديم هباتهم أو يزيدونها. وبريطانيا، على الرغم من هواجسها، رفعت مساعداتها هذا العام من 180 مليون دولار إلى 260 مليون دولار. بعض المانحين جعلوا دعمهم متوافقاً ومنسجماً. وكثير منهم المشاركة في مشروعات لتشجيع الشفافية وتحميل الحكومة المسؤولية.

إذن فالمانحون، الحكومات والمؤسسات الخيرية الغربية، يعتقدون أنه يتعين عليهم مواصلة تحسين الزراعة، والعناية الصحية والتعليم، والإمداد بالمياه في المناطق الريفية حيث يعيش 85% من الاثيوبيين. هناك مؤشرات تشير إلى أن استراتيحية الحكومة الطموحة للحد من الفقر تعطي نتائجها، فمعدل وفيات الأطفال الرضع ينخفض، والحضور المدرسي ومحو الأمية يزيدان، على الرغم من أن 40% من الأثيوبيين فقط هم الذين بإمكانهم القراءة والكتابة.

وحكومة ميليس زيناوي تجد أن من الصعب عليها أن تدير دفة الأمور، فحوالي 80% من سكان أديس أبابا يؤيدون أحزاب المعارضة. وفي معرض الرد على ذلك، أصبحت الحكومة الإثيوبية أكثر صرامة، فقمعت حرية الحديث، وأجرت الصحف المستقلة على التوقف عن الصدور، والعديد من الصحافيين مودعون في السجون بتهم ملفقة، والمنشقون آخذون في الاختفاء.

وتبقي الحكومة على مناخ من الخوف بشن هجمات على مؤيدي المعارضة، والمدرسون هم من الأهداف المفضلة عند القائمين بهذه الهجمات وقد تعرض بعض هؤلاء المدرسين للضرب المبرح في السجون، إلى حد أنهم لم يستطيعوا الوقوف لدى مثولهم أمام القضاة للمحاكمة، وحتى طلاب مدارسنا لهم نصيب من غضب السلطات. ففي مدينة أمبو الواقعة إلى غرب العاصمة تم اعتقال 14 طالباً في مدرسة ثانوية، وهناك مزاعم بأن بعضهم تعرض للتعذيب، والتهم المعتادة إذا وجهت تهم على الإطلاق هي التخريب أو الخيانة.

وربما تتردى أوضاع المعارضة، يث يقول المنشقون إن حوالي 250 مؤيداً لها قد تم اعتقالهم بتهم الإرهاب بعد مؤتمر القمة الإفريقي، الذي عقد الشهر الماضي وقد اختفى بعضهم، وأودع الزعماء الرئيسيون للمعارضة السجن لمدة تزيد على العام، والتعذيب وبصفة خاصة للسجناء الأقل شهرة هو أمر عادي، وإذا أخذت في الاعتبار المناطق الريفية فإن عمليات القتل خارج نطاق النظام القضائي يصل ضحاياها إلى الألوف، ولكن المعارضة منقسمة، وغالباً ما تكون لها ولاءات إقليمية وليس ولاءات وطنية، وهي تميل إلى استلهام عناصر متطرفة موجودة في المنفى.

علاوة على ذلك، فإنه على الرغم من المساعدة من الخارج يواجه الاقتصاد الإثيوبي المتاعب، حيث أن الصادرات تقدر قيمتها بمليار دولار مقابل الإيرادات التي تقدر بخمسة مليارات دولار. ولكن فوق ذلك كله فإنه يعتمد على مواصلة صداقته مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، التي كانت إدارتها مسرورة بالنجاح الأخير الذي حققته القوات المسلحة الإثيوبية في غزو الصومال المجاورة، والاستيلاء على عاصمتها، مقديشو، والقضاء على الإسلاميين الصوماليين الذين تم القبض عليهم هناك.

مع ذلك ففي واشنطن مواقف متضاربة من إثيوبيا. حيث انتقد الكونغرس سجل حقوق الإنسان الخاص بزيناوي، وطالب بقطع المساعدات عنه. أما البنتاغون، من ناحية أخرى، فهو متحمس لتعزيز قواته المسلحة الاثيوبية.

في سبتمبر المقبل المتوقع أن يزور مئات الآلاف من الإثيوبيين المتناثرين في أرجاء المهاجر أن يزوروا موطنهم للاحتفاء بالألفية المسيحية الثالثة، وفقاً لتقويم كنيستهم القديم. ويأمل البعض في أن زيناوي سيفرج، في إشارة استرضائية، عن بعض من خصومه الذين أودعوا السجن قبل ذلك الوقت. ولكن من الأفضل ألا يعول أحد على ذلك. فزيناوي اعتاد على استخدام قبضته الحديدية.

*أديس أبابا.. ماذا بعد؟

ترجمة: كوثر علي

عن «إيكونوميست»