على الرغم من مرور عقود طويلة من البحث والتدقيق في مجال الذكاء الاصطناعي، إلا أن الآلة لاتزال عاجزة عن التفكير كما يفكر البشر عندما تقابل صعوبة من أي نوع يكون خارج مجال تخصصها. غير أن العالم مارفن مينسكي، الذي يُلقب بالأب الروحي لمصطلح الذكاء الاصطناعي وأنظمته، يرفض رفع راية الاستسلام وما برح يأمل في أن تقوم الآلة في وقت ما بما ينجزه الإنسان من مهام ذهنية.
الحل الذي يقدمه مينسكي من خلال كتاب جديد له هو أن تُزود الآلة بقدر من العواطف والمشاعر التي يملكها الإنسان، حيث يرى، خلافا لما هو شائع، أن العواطف، كنظام، هي أقل تعقيدا بكثير من الأفكار التي يصوغها الإنسان. وفي حوار أجرته معه مجلة «نيوساينتست» مؤخرا، أكد مينسكي أن نقص الدعم اللازم للبحوث العلمية هو أحد أسباب غياب تقدم سريع وملموس في مجال اختصاصه. وفيما يلي نص الحوار: * حالة من الإحباط تتملك الكثيرين بسبب غياب تحقيق تقدم ملموس في مجال الذكاء الاصطناعي منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي. فلماذا هذا التباطؤ الملحوظ؟
ـ في السنوات الأولى التي شهدت انطلاق عالم الحوسبة، اكتشفنا أنه من السهل أن نقوم ببرمجة بعض الآلات كي تقوم بحل بعض المشكلات التي يصعب على الإنسان التعامل معها بشكل سريع أو التي يُنظر إليها باعتبارها صعبة على العقل البشري مثل تصميم أجنحة الطائرات ولعب الشطرنج وتشخيص الأمراض القلبية. غير أن أحدا من تلك البرامج لم يستطع أن يقوم بالأشياء التي يعتبرها الإنسان سهلة نسبيا، مثل إعداد مخدع للنوم أو فهم قصة من قصص الأطفال أو رعاية الأطفال.
الأمر ذاته لا يزال موجودا حتى يومنا هذا. فكل برنامج من تلك البرامج يمتلك مهارة واحدة يختص بها؛ ولذا فإنه عندما تقع مشكلة غير متوقعة فإن الكمبيوتر يُعطي نتائج سخيفة أو يتوقف عن العمل تماما.
في المقابل نجد أن البشر نادرا ما يتوقفون عند مشكلة مهما كان حجمها، وذلك لأننا نملك من الوسائل المتعددة ما يتيح لنا التعامل مع ما يستجد من تطورات. ومن ثم فإنه عندما لا تفلح وسيلة ما في أداء المطلوب فإن المرء يمكنه تجريب وسيلة أخرى. فعندما يتملك،على سبيل المثال، الملل من الشخص عند أدائه وظيفة ما فإنه يمكنه أن يعهد بها إلى شخص آخر أو يعرب عن غضبه من الذين عهدوا إليه بهذه المهمة في الأساس. ربما نطلق نحن على ردود أفعال كتلك وصف «ردود أفعال عاطفية»، غير أنها في الوقت ذاته تساعدنا على التعامل مع المشكلة التي نواجهها.
* تطلق على كتابك الجديد اسم «آلة العاطفة». هل هذا يعود إلى كونك مقتنعا بأن الحواسيب الشخصية بحاجة إلى المشاعر كي تساعدها على التفكير بالشكل نفسه الذي يفكر به الإنسان؟
ـ نعم ولا في آن. إن هدف الكتاب يتمثل في محاول تفسير الأشياء التي تمنح الإنسان الملكات الفريدة التي يتمتع بها من دون سائر المخلوقات، الأمر الذي يمكننا من جعل الآلات التي نصنعها قادرة على القيام بوظائف متعددة.
نحن جميعا قد نشأنا على اعتقاد يفيد بأن العواطف والأفكار هما شيئان مختلفان كل الاختلاف وأن التفكير هو في الأساس أمر بسيط لأنه مرتبط بشكل رئيسي بالمنطق في حين أن العواطف أكثر تعقيدا بكثير. ولكني في هذا الصدد أتبنى اتجاها مغايرا يفيد بأن الحالات العاطفية هي أكثر بساطة وأقل تعقيدا من معظم أساليب التفكير لدينا.
* هل لك أن تضرب لنا مثالا في هذا الصدد؟
ـ عندما يتملك الغضب من شخص ما فإن بعضا من ملكاته الذهنية تتوقف عن العمل، ويصبح أقل قدرة على التفكير على المدى البعيد وأقل حرصا، الأمر الذي يجعله يفكر بشكل يعوزه المنطق ومن ثم يكون أكثر ترهيبا للآخرين. وبشكل مشابه فإنه عندما يقع شخص ما في الحب فإنه يمكن أن يصف معشوقته بأنها «جميلة على نحو لا يصدق» أو أنها «ذكية بشكل غير معقول»، الأمر الذي يوحي بأنه يفقد في هذه اللحظة القدرة العقلية التي يستخدمها بشكل طبيعي للتعرف على نواقص الآخر.
* هل يوجد ما يمكن أن نطلق عليه تفكيرا عقلانيا تماما خاليا من العواطف؟
ـ المفهوم التقليدي للعواطف يتمثل في أنها تضفي سمات إضافية على عملية التفكير، تماما مثلما يضيف الرسام ألوانا إلى صورة بالأبيض والأسود. هذا المفهوم يجعل من العواطف تبدو وأنها غامضة وتنطوي على قدر كبير من الألغاز، وذلك لأننا لا نستطيع أن نتخيل ما هي بالضبط هذه السمات التي تضيفها العواطف إلى عملية التفكير.
غير أننا إذا اعتبرنا أن كل حالة عاطفية نمر بها تتسبب في إعاقة بعض الأنشطة العقلية لدينا، فإن قدرا كبيرا من الغموض الذي يكتنف تلك العواطف سيختفي. وربما لهذا السبب نجد أننا لدينا مئات من المفردات المختلفة التي تصف الحالات العاطفية التي يمر بها الإنسان، وذلك في الوقت الذي لا نملك فيه إلا مفردات قليلة للغاية نصف بها طريقتنا اليومية في التفكير.
المشكلة تكمن في عدم استطاعتنا أن ندرك أنه لا وجود لمثل هذه الأشياء التي نطلق عليها وصف «التفكير المنطقي الخالص»، وذلك لأن تفكيرنا دائما تسيطر عليه مشاعر الطموح والانحياز. علاوة على ذلك فإننا نتعامل مع كثير من الأشياء على أنها أمور مسلم بها، إذ نشعر كثيرا بأنه لا حاجة إلى أن نسأل عن كيفية الحصول على المعلومات أو المعرفة المطلوبة لمنطقة مثل تلك الأمور.
* لماذا من الصعب تزويد أجهزة الكمبيوتر بما يمكن وصفه بملكة «الإدراك السليم»؟
ـ الإنسان الطبيعي يتعلم ألوف الملايين من المعلومات. ويراكم كل إنسان منا ألوفا من العمليات التي تلعب أدوارا مفيدة طوال حياته. وفي المقابل فإن معظم برامج الكمبيوتر لا تتعامل إلا مع عدد قليل من أنواع المعرفة المتخصصة عن قطاع واحد فقط من العلم. غير أن العلماء يعكفون على تغيير هذا الواقع في الآونة الحالية. فهناك الآن مشروعات طموحة عديدة تجمع أنماطا متعددة من المعرفة عن كل ميادين الحياة بهدف الوصول إلى وسائل فعالة لترتيب وتنظيم هذا الكم من المعرفة وتطبيقه عند الإقدام على حل مشكلة ما.
* كيف يمكن تطبيق هذا النوع من المعلومات لمساعدة الآلات على التصرف كما يتصرف البشر؟
ـ في كتابي «آلة العاطفة» أقترح فكرة تصميم آلة تكون بمثابة نظام يحتوي على أنواع كثيرة مختلفة من الهياكل والعمليات.
ولنطلق على هذه العمليات والهياكل مسمى «موارد»، بحيث يتعامل كل مورد منها مع طبيعة المشكلة التي تواجهها الآلة، بحيث يكون هناك «مورد» لتحليل المشكلات وآخر لتغيير الأسلوب الذي يجري التعامل به مع المشكلة ومورد ثالث للتوصل إلى حلول بسيطة لها أو حتى اللجوء إلى طرف آخر يمكنه التعامل مع المشكلة بشكل أفضل. كل مجموعة من تلك «الموارد» يمكنها أن تجعلنا نفكر في الأشياء بشكل مختلف. ونحن نطلق على بعض تلك الأساليب المختلفة في التفكير وصف «عاطفي» في حين نطلق على أساليب أخرى وصف «عقلاني».
* هل استخدامنا للغة ومفردات مبهمة يلعب دورا في فشلنا في الحصول على معلومات كافية عن الطريقة التي تعمل بها عقولنا؟
ـ معظم المفردات التي نستخدمها في علم النفس تعود في تاريخها إلى الفترة التي سبقت وصولنا إلى مفاهيم محددة عن كيفية استخدام الآلات لأنواع متعددة من المعلومات.
واليوم يحدث أن تستخدم الأجهزة الحاسوبية أنواعا مختلفة من العمليات المعرفية وتخزن أنماطا متنوعة من المعلومات لا تقتصر على ميدان واحد فحسب. ومن ثم فإنني ألمح في كتابي إلى أن كل مفردة من مفرداتنا التقليدية المستخدمة في علم النفس تشير إلى ربما عشرات الأنواع من الآلات.
* متى تتوقع أن تكون لدينا آلة تحمل قدرا كبيرا من الذكاء الاصطناعي؟ وما هي القوى المؤثرة التي يمكن أن تعزز تطوير الذكاء الاصطناعي في السنوات المقبلة؟
ـ عدد كبير من العلماء قد نجحوا في تطوير أنماط كثيرة من التقنيات القادرة على حل نطاق عريض من المشكلات، ولكن قليلين هم الذين استطاعوا الوصول إلى مشاريع تجمع أساليب مختلفة من التفكير. آمل أن يقدم طلبة الجامعات على تطوير أفكار جديدة حول آلية عمل العقول البشرية، ومن ثم التأثير على علماء الأعصاب كي يصمموا أنواعا جديدة من التجارب.
من المحتمل أن يكون التقدم بطيئا في هذا المجال وذلك لأن معظم الطلبة في عالم اليوم مطالبون بأن يقيموا مشاريعهم الأكاديمية على أساس تطبيقات عملية، وللأسف لا يوجد دعم كاف للعمليات البحثية في هذا المجال.
ترجمة: حاتم حسين

