من منا يبصر بقلبه ومن منا يبصر بعين دون بصيرة القلب وماذا سنفعل إن فقدنا بصيرتنا وعشنا في عالم لا يحوله إلا السواد، هل سنحبط أم سنتأثر أم نجلس في طابور اليائسين، ما رأيكم أن نقابل شخصية تخوض هذه التجربة وتعيش في رضا كبير عن ذاتها، هي كفيفة وفتاة رقيقة بحسها عالية بثقافتها تمشي وعيناها الجميلتان للسماء تطالع العالم بنظرة الأمل والتفاؤل.

مهرة الظاهري نموذج بسيط من الشباب المكافح الساعي لنيل المراتب العليا و المجاهد لتحدي المجتمع الذي يرى المعاق و الكفيف بنظرة غريبة كأنه كائن فضائي آت من كوكب آخر ، إلتقتها«الجيل» وهي في مركز زايد لرعاية ذوي الاحتياجات الخاصة بجامعة الإمارات. تحدثنا معها عن دراستها في الجامعة و تجربتها و هاجت مواقف عديدة في مخيلتها وهي تسترجع ذاكرتها وتتحدث آملة أن يصل صوتها إلى الناس ويعرف الجميع أن الكفيف إنسان مثلنا يعيش إنسانيته بشكل طبيعي . فالبيت هو المكان الدافئ والسعيد الذي يضمها تعيش مع أسرتها الصغيرة المكونة من والديها وأشقائها ، تقول مهرة أحفظ بيتنا شبراً شبراً اعرف كل شيء عنه فهنا تعيش ذكرياتي وضحكاتي وأحزاني أحب بيتنا كثيرا لان كل من فيه مثقف وواع ونعمل من اجل مصلحة بعضنا البعض ،

و بعد بيتي يعد مركز العين للتأهيل هو بيتي الثاني لأني ترعرعت فيه من صغري وحتى دمجي في المدرسة الحكومية و بنيت شخصية التحدي التي أعيشها الآن لأواجه الناس بقلب كبير غير معاق . مهرة الظاهري فتاة جامعية في سنتها الثالثة بقسم الاتصال الجماهيري كفت البصر عندما أصيبت بمرض الجيليكوم المياه الزرقاء وهي ذات الخمس سنوات لم تستطع بعدها أن تبصر العالم بعينيها ولكنها استطاعت أن تبصره بقلبها، الشيء الذي لم يستطع المبصرون إدراكه ولا تعلم فنه وهو رؤية العالم بمنظور الأمل و الإقدام على الحياة . من جانب آخر لم يتوقف والداها عن البحث و التقصي لإيجاد الحلول واسترجاع قدرتها على الإبصار فسافروا إلى العديد من الدول الأوروبية ولكن دون جدوى فالأعصاب البصرية عند مهرة ميتة مئة بالمائة .

تكيفت عائلتها على وضعها وتكيفت هي أيضا على عدم قدرتها إدراك الأشياء والناس بعينيها لا ألوان ولا طبيعة جميلة ولا ألفة للوجوه ولا مباني ولا شوارع وكل الأشياء الجميلة في العالم فليس هناك سوى الظلام إلا أن هذا الظلام يختلف كثيرا عن الذي يعيشه جم من المبصرين . تقول مهرة : لا احتاج إلى أن أرى العالم ببصري فالظلام غير موجود في حياتي فانا استطيع أن أبصر العالم بقلبي ، أحس بكل الأشياء التي من حولي واستطيع أن استكشف مدى صدقها وزيفها، فالقلب و العقل هنا من يقيس حقيقة الأشياء. أصبح السمع والإحساس بالأشياء عند مهرة عاليا جدا فهي خبيرة في معرفة حالة الشخص الذي يقابلها إن كان سعيدا أو حزيناً إن كان قريبا منها أو بعيدا فالطاقة التي تنبعث من الأشخاص تتفاعل معها و تحس بها وهي ميزة حباها به الله .

كفيفة في الجامعة

بما أننا نعيش في مجتمع يجهل كثيرا من حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة و أهميتهم في التواجد صفا إلى صف مع السليم واجهت مهرة بعض العقبات أثناء دراستها في الجامعة والمشكلة الأساسية تكمن في الخوف من التعامل مع الكفيف أو المعاق عامة وربما هو خوف ناتج من جهل طريقة التعامل معهم بأنهم أصحاب وضع خاص لا يمكن التواصل معهم إلا عبر إشارات معينة أو طرق خاصة،

تقول مهرة: أحب كثيرا التعرف على من حولي في القاعة الدراسية الكثير من الطالبات يرحبن بصداقتي وبعضهن يخاف مني وهو خوف غير مبرر كما انهن معذورات لان ثقافتهن عن المعاقين ضئيلة جدا فلا يستطيعون التعامل مع أي منهم بدراية وفهم أن المعاق هو كالسليم لا يفرق في تفكيره شيء إلا في إعاقة الجسد عن أداء عمله الطبيعي.

بعد الانتهاء من المحاضرة الأولى أتحين الفرصة لإخبار أستاذ المساق عن حالتي حتى نتمكن من الاتفاق على طرق الامتحان وأداء الواجبات واسعد كثيرا إذا أحسست بتجاوب الأستاذ واحزن كثيرا إذا أحسست بتنصل الأستاذ من واجبه في توصيل المعلومة لي بالشكل المناسب .

ثقافة ضحلة عن المعاق

تشير مهرة إلى استيائها من الثقافة الضحلة لدى المجتمع عن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة كأنهم من كوكب آخر أو أنهم ليسوا من البشر تماما، يتعاملون انطلاقا من مبدأ الشفقة ونظرة الإنسان السليم الصحيح إلى المحروم المسكين.

وهناك نظرة عامة أن المعاق إنسان معطل عن العطاء والعمل والتميز في حياته كل ما سبق نظرات خاطئة وقابلة للتصحيح إذا تمكنا وتكاتفنا جميعا لتغييرها في المجتمع.

تضيف: بقوة شخصيتي استطعت أن افرض احترامي على المجتمع الجامعي فلدي العديد من الصداقات الجميلة و العلاقات الطيبة لا تقوم على أساس الشفقة بل احترامي كفرد منتج وفعال واذكر خلال تقديم تجربتي في حفل أقامه مركز العين لتأهيل المعاقين أتتني فتاة غمرتني بالاندهاش

والحمد لله لأني أثرت فيها الغيرة على التنافس وأحييت فيها رغبة استكمال الدراسة الجامعية لأنها توقفت عن طلب العلم عند الثانوية العامة وراجعت نفسها، فكيف لكفيفة أن تكمل دراستها في الجامعة وفي تخصص صعب وهو العلاقات العامة الذي يتطلب جرأة و اتصالا مباشرا بالجمهور ، هذا الموقف زرع داخلي الأمل وحب العطاء كما زرعته لهذه الفتاة.

رجعنا بذاكرة مهرة إلى الوراء قليلا ايضاً بالتحديد عندما كانت في الصف الثاني الثانوي تعرضت فيه الى مواقف عكس الموقف الجميل الذي ذكرناه سابقا تقول: دمجت مع المدارس العادية عام 2002 في الصف الثاني الثانوي في البداية رفضوا استقبالنا وكانت المعلمات الأكثر اعتراضا فكيف سيستطيعون التعامل مع معاقين؟

ففي امتحان اللغة الانجليزية رفضت المدرسة قراءة الأسئلة وطلبت مني أن أقوم بحل الامتحان في المنزل وانه على احد آخر أن يساعدني في هذه اللحظة كانت الأخصائية الاجتماعية تقوم بجولة وسألتها هل يرضي إدارة المدرسة أن أقوم بأداء الامتحان في المنزل؟

فردت المدرسة بالطبع لا وألزمت المعلمة قراءة الأسئلة وحققت في الامتحان الدرجة الكاملة بعدها كرمتني إدارة المدرسة في الطابور الصباحي واستطعت أن اثبت لها أن الكفيف كالمبصر ولا فرق بينهم في الحقوق

وفي موقف آخر أكثر ألماً تعذرت معلمة الرياضيات عن وضع أسئلة الامتحان بالصيغة الكلامية بعيدا عن الرسوم البيانية فهي بالنسبة لي صعبة لأنه يتعين علي أن أرى الرسم واحدد النقاط ولم أيأس من رفضها وعزوفها عن الاستماع إلى مطالبي

فابتكرت طريقة استطيع بها أن ارسم الرسوم البيانية، بان يرسم من يساعدني على يدي بالقلم وارسمه أنا في خيالي وأعطيه الجواب الصحيح وكانت النتائج أن أديت الامتحان بشكل ممتاز وعاشت المعلمة حالة من الصدمة من النتيجة المميزة التي حصلت وكرمت من اجلها في الطابور الصباحي.

طموحة وتبحث عن عمل

كما نتمنى دائما بان نعمل بعد التخرج تتمنى مهرة أن تعمل في أي من الدوائر والهيئات في قسم العلاقات العامة أي في مجال تخصصها .

وبين قوسين وتحته خط تقول مهرة : سأعمل في العلاقات العامة بإذن الله فأنا قادرة على إثبات ذاتي و قدرتي فلدي الخبرة الكافية ببرامج الكمبيوتر والانترنت والعلاقات العامة فأنا استخدم برامجي الخاصة في الكمبيوتر التي تترجم المكتوب إلى مسموع وبالتالي تصبح عملية التواصل سهلة جدا وأتمنى على المؤسسات أن ترحب بعمل المعاقين معهم وان دل سيدل على ثقافتهم الحضارية في التعامل مع هذه الفئة

أمل الدويلة