حرية التعبير من القضايا التي تشغل بال جميع الأوساط والدوائر في العالم، سواء أكانت أوساطا سياسية أو تعليمية أو اجتماعية، إلخ. فالأمر لا يقتصر بأية حال من الأحوال على الحرية السياسية كما تؤكد منظمة «الأكاديميين من أجل الحرية الأكاديمية»، وهي منظمة بريطانية غير حكومية طالبت في بيان لها على صفحات الانترنت بحق التحاور الأكاديمي في عصر لا يمنح فيه الساسة النخبة ومن يمثل النسيج الثقافي المجتمع حق التحاور بحرية.
تقول المنظمة في بيان لها نشرته «بي بي سي أونلاين»: «في ظل المناخ السياسي الذي يعيشه العالم لم يعد للأكاديميين والعلماء حق الدفاع عن وجهات نظرهم في إطار من الحوار الحر».
وتضيف المنظمة أنه يجب السماح للعلماء وأصحاب الفكر بمناقشة ما اصطلح عليه أنه من الثوابت التي لا يجب أن تطرح للحوار، مؤكدة أنه لا ينبغي السماح للساسة و المسؤولين التنفيذيين في مختلف دول العالم بأن يقرروا لهم ما يجب عليهم قوله و بأن يمنعوهم من الظهور الإعلامي إذا ما وجدوا أن ما يتحدثون به مخالفا لوجهات النظر الرسمية و الحكومية.
وتقول المنظمة في بيانها: «التشريعات المعوقة والقواعد البيروقراطية والقيود التي تفرض من الحكومة على الجامعات و العاملين بها قد أضرت بالحرية الأكاديمية في البلاد بشكل لا يمكن السكوت عليه».
ويضيف البيان أن عددا كبيرا من الأكاديميين قد أصبح متخوفا من الإعراب عن آرائه بشكل صريح حتى لا يتسبب في إغضاب الساسة و المسؤولين وذلك لأنهم واثقون من أن آراءهم ستحدث قدرا كبيرا من الجدال بسبب مخالفتها لما يعتبرها البعض ثوابت لا يجوز الاقتراب منها.
ومن هذا المنطلق فإن عددا كبيرا من الأكاديميين أصبح يمارس نوعا من الرقابة الذاتية على آرائه حتى لا يتعرض إلى ما لا يحمد عقباه لاسيما إذا ما خالف بآرائه الاتجاه السائد في البلاد.
وضرب البيان مثلا بما حدث لمُحاضر في جامعة ليدز يدعى فرانك إليس، الذي اضطر إلى التقاعد بشكل مبكر هذا العام حتى يتجنب التعرض إلى جلسة مساءلة بسبب ما أورده من تعليقات يقول فيها إن ثمة دليلا علميا يفيد أن نسبة ذكاء البيض تفوق نسبة ذكاء السود.
وتطالب المنظمة بأن يقوم عدد كبير من الأكاديميين بالتوقيع على بيان أعدته المنظمة في هذا الصدد. يقول البيان إن هناك مبدأين رئيسيين تقوم عليهما حرية التعبير في أي دولة و في أي مكان.
«يجب أن يكون لدى الأكاديميون خارج و داخل الفصول الدراسية حرية كاملة و ثابتة و غير منقوصة لمناقشة أي ثوابت و الإعراب عن أي آراء مهما كانت تلك الآراء غريبة و لا تروق إلى ما أجمع الرأي العام عليه و سواء اُعتبرت تلك الآراء مسيئة للبعض أم لا. ثانيا يجب ألا يكون للمؤسسات الأكاديمية أي حق في الحد من حرية العاملين بها على أن تُمنع تلك المؤسسات من اتخاذ أي إجراءات تأديبية بشأن العلماء بسبب ما يتبنونه من آراء».
و في كلمة له على الموقع الإلكتروني للمنظمة، قال البروفيسور روي هاريس، الأستاذ في جامعة أكسفورد: «إن إقناع سلطات الجامعات بالموافقة على هذه المبادئ يعد خطوة حيوية في اتجاه حماية الحرية الأكاديمية في المستقبل».
يقول البروفيسور ماري إيفانز، من جامعة كينت «الجامعات بحاجة إلى المحافظة على قدرتها على التفكير بشكل غير نمطي و عدم الاكتراث بما يضعه البعض من خطوط حمراء. فلا يجب على تلك المؤسسات قبول دور الدُمى التي تحركها البرامج الحكومية وقتما و كيفما شاءت».
يقول سيمون دافيز، منسق مجموعة البحوث السياسية في كلية لندن للعلوم الاقتصادية: «يعتريني قلقٌ عميق بسبب العدد الكبير من الأكاديميين الذين يهربون رعبا جراء ما يجدونه من ترهيب. فبدلا من التفاعل بروح التحدي مع العالم الخارجي فإن الأكاديميين قد أخرصت ألسنتهم بسبب البيئة الظالمة والمتعنتة التي يسيطر عليها السياسيون بما يضعونه من قواعد و مدونات سلوك تخدم مصالحهم».
واستشهدت المنظمة في هذا الصدد بما قاله العالم بيتر آغر الذي تقاسم جائزة نوبل في الكيمياء مع مواطنه الأميركي روبرت ماكينون في 2003 بشأن إنه خصص جزءا من قيمة الجائزة للمساعدة في الدفاع عن الحرية الأكاديمية ضد القيود التي فُرضت على العلماء ضمن الحرب الأميركية على ما يسمى الإرهاب.
وقال آغر الأستاذ بكلية الطب التابعة لجامعة جونز هوبكينز «توجد بعض القضايا الاجتماعية التي نضعها في اعتبارنا مثل العلماء الذين يتعرضون للاضطهاد في العالم وفي الولايات المتحدة». وأكد أهمية دعم القضايا الاجتماعية التي يعد العلم طرفا فيها مثل قضية العالم الأميركي توماس بتلر خبير الطاعون الذي وجهت له السلطات الاتحادية بأميركا الكثير من الاتهامات.
وكان آغر قد اكتشف الغشاء الذي تنتقل عبره المياه من وإلى الخلية البشرية عام 1988. وتقاسم مع ماكينون الجائزة المالية التي تبلغ 3, 1 مليون دولار. وأدى اكتشاف آغر على وجه الخصوص إلى مجموعة من الدراسات في مجال الأبحاث الفسيولوجية والجينية ودراسات في الكيمياء الحيوية عن القنوات المائية في البكتيريا والنباتات والثدييات
حاتم حسين
