«الأسر المنتجة» اصطلاح يحمل في معانيه الكثير حيث يجسد مفاهيم جديدة طرأت على مجتمعنا المحلي في مجال العمل الخاص أو ما يعرف عنه «بالمشروعات الصغيرة» التي بادر بها أفراد إماراتيون أرادوا أن يخرجوا من إطار الوظيفة التقليدية خاصة أن الكثيرين منهم كانوا يشغلون مهام في التربية والتعليم وفي دوائر محلية أخرى إلا أنهم فضلوا العمل الحر والاستقلالية عن الآخرين حتى يتمكنوا من مجاراة الحياة المعيشية التي سادها الغلاء في شتى المجالات الحياتية كما أنهم عكسوا وبجدارة مفهوم المجتمع المنتج بتحويله إلى واقع ملموس.

في جامعة زايد مؤخرا تم استقبال «الأسر المنتجة» ضمن معرض كبير استمر قرابة الأربعة أيام وضم أكثر من 35 مشاركا ومشاركة من أجل لفت أنظار الطالبات اللواتي تأكدن بأن العمل مهما كانت صعوباته إلا أنه يتطلب من المرء أن يمتلك العديد من الطموح والإرادة والإصرار على الانجاز دون الالتفات إلى كلام الناس أو العادات والتقاليد التي تنظر إلى أنه من العيب أن تعمل المرأة في مجال إنتاج الأعمال وبيعها خاصة أنه نقطة الانطلاق للكثير وخاصة السيدات اللاتي بدأن من المنزل، وبمرور الوقت تمكن من تشكيل قوي وانجاز بصمة لأعمال إماراتية 100%. بداية أردنا أن نتعرف على الهدف الأساسي الذي أرادت من خلاله جامعة زايد استضافة مجموعة من سيدات الأسر المنتجة،أوضحت لنا ميثاء العلي مسؤولة التسويق في الجامعة أن أهمية إقامة مثل هذه المعارض هو رغبتنا في أهمية تواصل طالبات الجامعة مع الأسر المنتجة من أجل إلقاء الضوء على انجازاتهم وأعمالهم التي جاءت بإرادة وعزيمة وصبر

كما أنه انطلاقا من كون مسؤولية بناء الأسرة والحفاظ عليها هي مسؤولية وطنية لا تقتصر على مؤسسة أو جهة واحدة لذلك أردنا ربط الجامعة كمؤسسة مجتمعية تعليمية مع المجتمع الخارجي. وأضافت إنه من خلال المعرض الذي يعتبر من الفعاليات الخيرية للجامعة خاصة أن العائد المالي الذي تم من خلال تأجير المكان بأسعار رمزية على المشاركات في المعرض تم جمعه لصالح صندوق التكافل الاجتماعي بالجامعة لمساعدة الطالبات من ذوي الدخل المحدود، مشيرة إلى أن المعرض حقق العديد من الايجابيات لاسيما أنه منح الأسر المنتجة فرصة لتسويق منتجاتهم المحلية على الطالبات والعاملين والمسؤولين في الجامعة وتنمية موارد الأسر المحدودة وتحويلها إلى أسر قادرة على الاعتماد على مواردها الذاتية، إلى جانب نشر ودعم الحرف الشعبية سواء في أعمال المأكولات التراثية الشعبية والأشغال اليدوية كتزيين الهدايا والشموع واللوحات الجدارية، أو من خلال تصميم الملابس التقليدية كالشيل والعبايات والجلابيات،

أما الإنتاج الآخر الذي تهتم به الأسر المنتجة فيما يتعلق بتصنيع العطور والبخور الخليجي والخلطات العربية، إلى جانب أعمال الماكياج وكريمات العناية بالبشرة، وآخر في مجال التجارة الالكترونية كاستضافة مواقع وتصميم صفحات الكترونية.

صعوبات ومطالب

التقينا بالسيدات الإماراتيات اللواتي يعملن ضمن مفهوم الأسر المنتجة للتعرف على الصعوبات التي وقفت أمامهن والعقبات التي واجهتهن خلال فترة الانجاز، وإدراك المطالب التي يطمحن من المجتمع بتوفيرها حتى تكتمل انجازاتهن، الكثير من ذلك تعرفنا عليه من خلال لقائنا مع البعض منهن في المعرض...

البداية كانت مع مشروع للعباية والشيلة لأم فهد وأم راشد اللتين كانتا تعملان في مجال التدريس من قبل وأرادتا بمحض رغبتهن أن تتركا التدريس وتتجها إلى العمل الحر، لأنهما وجدتا من خلاله المتعة الحقيقية واثبات الذات لذلك تولدت الفكرة منذ رمضان الماضي من خلال تأجيرهن لمعمل خاص ينفذ تصاميم العبايات والشيل

حيث التزمتا بالمشاركة في مختلف المعارض التي تقام على مستوى الدولة والتي تعتبر بمثابة تجمع للسيدات كالمدارس والكليات والجامعات وبيت المواهب والقرية العالمية من أجل تسويق منتجاتهن. من جانبها أوضحت أم فهد أن مهنة التفكير بتنفيذ مشروع خاص حتى لو كان صغيرا فان فوائده عديدة لا تقتصر فقط على الجانب المادي بل يساهم في اكتساب الخبرات وتنمية المهارات المختلفة لاسيما أن فكرة المشروع تساعدنا على إبراز ما لدينا من مهارات حول التصميم خاصة أننا نريد في كل موسم ابتكار التصاميم المناسبة.

وأكدت أم راشد أن الدعم المعنوي موجود من قبل أفراد المجتمع والقيادة الحكيمة التي تشجع السيدات على العمل من أجل الارتقاء بالمجتمع والتواصل مع الآخرين لاكتساب الخبرات دون الخروج من إطار العادات والتقاليد المجتمعية لأننا على يقين ودراية بأن اليد التي تعمل أفضل من اليد التي لا تعمل..

أم ناصر واحدة من السيدات اللواتي اجتهدن بالبحث عبر الانترنت واكتساب المعلومات من الأكبر سنا منها لمساعدتها على تميز عملها الحر منذ قرابة الخمس سنوات والذي يعنى ببيع منتجاتها الخاصة من عطور عربية وفرنسية ودخون إلى أن طورت مهاراتها وأصبحت قادرة على تصنيع كريمات الجسم والصابون المنعم والخلطات المختلفة، مؤكدة أن تواجدها في المعارض المختلفة تعد فرصة للتواصل مع أفراد المجتمع وتحقيق سمعة تؤهلها لبيع منتجاتها.

إلا أن أم ناصر تجد أن من الضروري لجهات المجتمع تقديم الدعم المعنوي للأسر المنتجة من خلال تحديد الرؤية أمامهم للمسار السليم نحو الأسواق التي تبيع بالجملة من حيث الاتفاق على تحديد الأسعار لضمان سير العمل بطريقة مناسبة

خاصة أن هذه تعد إحدى أهم العقبات التي تواجههم باستمرار من ارتفاع في الأسعار من قبل الباعة في المحلات، كما تطالب بضرورة دعم المؤسسات الحكومية كالأندية النسائية والجمعيات التعاونية لعرض المنتجات الإماراتية بشكل دائم، أو الانتهاج كبقية الدول الأخرى التي تنشئ أسواقا دائمة للحرف اليدوية تشجع من خلالها مواطني الدولة على إبراز مواهبهم والتحفيز على وجود علامة إماراتية تجارية.

معرض سنوي

تمتلك نجاة آل رضا موهبة التصميم التي فرضت عليها أن تهجر عملها الرسمي في إحدى المؤسسات المجتمعية قبل تسعة أشهر وتتجه بالتعاون مع شقيقاتها إلى العمل الحر من خلال مشروع يبرز أعمالا وأفكارا ذاتية حول بيع الشيل والجلابيات والإكسسوارات والملابس،

موضحة أن العقبة التي واجهتها في بداية المشروع هو ما ارتبط بنظرة المجتمع واستهجانه لفكرة أن تبيع الفتاة الإماراتية في منزلها وتستقبل السيدات إلا أن طموحها وقف كالسيف القاطع على هذه النظرة لأنها متأكدة بأن البداية مليئة بالصعاب ولا تكون إلا من البيت حتى يتحقق طموحها بأن تمتلك في المستقبل محلا ومعملا خاصا يحقق هدفها من المشوار العملي الخاص بها.

وأضافت إن العمل الحر للفتاة ضمان لاستقرار الحياة ومواكبة الرؤى الجديدة التي تحلق في سماء الارتقاء بالوطن، مشيرة إلى أن المعارض المختلفة ساهمت في إكسابها التواصل المعرفي بين الآخرين من مختلف فئات المجتمع وطبقاته مع الجهات والتنسيق معهم على تنظيم العديد من المعارض للمشاركة فيها.

وترى نجاة أنه من الضروري العمل على تنفيذ معرض كبير على مستوى الدولة والخليج العربي حتى ولو كان مرة كل سنة يشتمل على أعمال المرأة الإماراتية وهو ما يتطلب ضرورة تكاتف الجهود المجتمعية من أجل تبادل الخبرات بين سيدات الخليج واثبات أن المرأة الإماراتية قادرة على الانجاز،

مؤكدة أن وجودهن في معارض على مستوى المدارس والجامعات تعتبر بمثابة دفعة ايجابية للغير من الفتيات اللواتي يمتلكن مهارات مختلفة لإبرازها دون الخروج عن العادات والتقاليد من جهة أو الإنصات للآخرين بأنه من العيب أن تعمل الإماراتية في هذا المجال الحر.

وتمتهن «أم سعيد» مهنة عمل الخلطات الخاصة بالبخور والعود والدخون منذ قرابة 15 سنة وتمكنت من الحصول على الترخيص المنزلي بمسمى «الانطلاقة» من قبل الدائرة الاقتصادية قرابة الخمس سنوات والتي تخولها لبيع منتجاتها للآخرين في البيت، مشيرة إلى أهمية المعارض التي تشارك فيها والتي منحتها فرصة التعرف على أفراد متعددي الفئات والذين بنوا ثقتهم بأعمالها لذلك فإنها تنصح الفتيات بضرورة التخطيط السليم قبل البدء بعمل أي مشروع خاص مع ضرورة أن يتماشى هذا العمل مع مهاراتها.

إصرار على العمل

ثمنت طالبات جامعة زايد وجود مثل هذه المعارض في الجامعة خاصة أنها تعكس همم الأسر المنتجة والعزيمة التي تمتلكهم بالداخل من أجل إثبات الذات، وأوضحت الطالبة منى سليمان أن هذا المعرض اعتبرته فرصة حتى تقنع أهلها بموهبتها في مجال التصميم والتي وجدت أن البيت هو المكان الأول للانطلاقة نحو عالم العمل الحر، موضحة أن العادات والتقاليد هي التي تمنع بعض الفتيات من الانجاز وإبراز المهارات وخاصة المرتبطة بممارسة بيع الأعمال للآخرين إلا أنها تأكدت أن الطموح فوق كل اعتبار.

وأوضحت الطالبة موزة سيف أنها من خلال اليوم الأول من تواجد الأسر المنتجة في الجامعة نقلت لأسرتها مدى أهمية أن تحقق الفتاة الإماراتية ذاتها وطموحاتها دون وجود أي حاجز يمنعها طالما أنها لن تخرج من إطار العادات والتقاليد، مؤكدة أن الوقت الحالي الذي تشهده الدولة حمل تغيرا كبيرا على الأفراد وبث بداخلهم الرغبة يأهمية تحقيق الطموحات لاسيما عند الشباب الذين يمتلكون همما وأفكارا لا تعد ولا تحصى تعزز من التطورات المنشودة في المجتمع.

التخلص من الاتكالية

تمتلك الطالبة فاطمة عبدالله مهارة متميزة في تصميم ال«تي شيرت» ووضع الإكسسوارات المناسبة عليه لذلك فان إصرارها على تنفيذ مهارتها أصبح كبيرا خاصة بعد وجود الأسر المنتجة التي وجدت من خلالهم متعة كل فرد بالعمل الذي يهواه ويحقق من ورائه مكاسب مادية تحقق الاستقلالية والعيش بسلام بعيدا عن الاتكالية على الآخرين، موضحة أن ذلك لن يكون عائقا أمام عملها الرسمي بعد التخرج من تخصصها حيث أنها ستعتبر التصميم هواية لا غنى عنها في المستقبل

إيرادات صندوق التكافل

وصل إيرادات صندوق التكافل الاجتماعي إلى 3 ملايين و25 ألف درهم منذ إنشائه عام 2000 إلى الوقت الحالي، حيث تم إعانة أكثر من 800 طالبة من بينهن 196 طالبة هذا العام من خلال صرف إعانات ومساعدات مالية شهرية وتغطية تكاليف أجهزة الحاسب المحمول، إضافة إلى قيمة المواصلات الشهرية ومنح المكافآت والجوائز النقدية والعينية للمتفوقات.

وتعتبر أبرز المؤسسات التي ساهمت في دعم الصندوق من بينها هيئة آل مكتوم الخيرية ومؤسسة محمد بن راشد الخيرية والمستشفى الأميركي وبيت الخير ومؤسسة الهلال الأحمر إلى جانب عدد من كبار رجال الأعمال والمؤسسات الخاصة.

منال خالد: