مع تطور العصر وتزايد الإغراءات فيه، أصبح الشباب العاملون بين متطلبات كثيرة ومهمة سواء من الأشياء الضرورية أو الكماليات، عندما نتساءل فيما بيننا كيف ينفق الراتب الشهري الذي يحصل عليه الموظف؟ نجد الكثير من الأجوبة التي تشير في النهاية إلى أن الراتب لا يكفي لتغطية المتطلبات اليومية في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة بجانب الالتزامات الثابتة
بجانب أقساط السيارة وثمن الموبايل وتغييره المستمر بالأنواع الحديثة وغير ذلك الكثير من قائمة احتياجات نعرف بدايتها ويصعب الوصول إلى نهايتها، مما يعيد التساؤل: هل يذهب الراتب أو الدخل إلى بناء قاعدة المستقبل؟ أم يذهب وراء تلك الإغراءات التي يصعب على أي شاب أن يتجاهلها؟ ويرى ناصر خلفان الحساني متقاعد أن شبابنا اليوم يعتقدون أنه طالما لديك السيارة الفاخرة فلا داعي للعمل فالوالد موجود والأموال الكثيرة ستحقق السعادة، فيدفع بعض الشباب ما أمامهم وخلفهم من أموال ورواتب ومدخرات ويستدينون من البنوك ومن أهلهم لينفقوها على المظاهر الخادعة التي لا فائدة منها.
وأشار إلى أن افتقاد كثير من الشباب لمهارة إدارة أمواله وان كانت محدودة وتوجيهها إلى أمور مظهرية وامتلاكه لأكثر من رقم للهواتف المتحركة والكماليات مما يوقعه في هم الديون والقروض، وهناك من الشباب الذين يغيّر سياراته كل شهر أو شهرين وإن سألته من أين لك هذا؟ يقول «تدين واتزين»!! ويعتقد ناصر أن الوقوع في دوامة الاقتراض قد يؤدي بالمرء إلى أن يخسر حياته، ويخسر ماله، ويخسر عياله، فالواجب على كل شاب أن ينتبه لنفسه ويتعقل في صرف راتبه. - دور الأهل: ومن جانبه يؤكد عبيد مويله متقاعد أن بعض الشباب لا تكفيهم رواتبهم فيقترضون لتغطية نفقات الحياة والأعباء المعيشية، في حين أن البعض الآخر يرى في الاقتراض سبيلاً لتأمين كماليات الحياة وأسباب البذخ وأننا نتحسر على غياب النخوة والأصالة في بعض الشباب الذين تشغلهم المظاهر بمختلف أنواعها وإنفاق الأموال على الأمور التافهة، ومن تلك الأسباب التي تجعل الشباب الإماراتي منهمكاً وراء تلك المغريات هو عدم إحساسهم بالمسؤولية وتناسوا أنهم شباب اليوم وآباء للمستقبل،
فالواحد منهم يصرف راتبه بشكل جنوني على الزيارات الاجتماعية والهدايا، وبالتالي فانه لا يمكن أن يوفر لمستقبله، ومن هذا المنطلق يأتي دور الأهل في نصح أبنائهم ونهيهم عن الإسراف، فالإسلام دعانا إلى التعقل والحكمة في استغلال الأموال بشكل مناسب ونهانا عن التبذير. أما محمد ناصر الحساني فيقول: أتقاضى راتباً يكفيني ويسد احتياجاتي ويلبي متطلبات أبنائي ومستلزماتهم، حيث أنني انفق في حدود المعقول وأفكر بعقل في مستقبل أبنائي واحتياجاتهم، ودائماً احتاج إلى الانخراط بعمق في شؤوني المالية وأعرف حجم النقود التي احتفظ بها في حافظتي الشخصية، وأنا أتعجب من هؤلاء الشباب الذين يغيّرون سياراتهم وهواتفهم النقالة باستمرار رغم أن راتبهم لا يكفي ذلك بل يلجؤون إلى الاستدانة من البنوك لتغطية نفقاتهم.
التوفير لمستقبل أفضل
الموظف الهيل محمد قال: راتبي 13 ألف درهم و قبل استلامه اخطط جيداً ماذا سوف أفعل به وكيف سأوزعه بين أولوياتي، فالبنك يأخذ جزءاً منه وللسلفيات جزء وكذلك مسؤوليات الحياة أما بقية الشباب فأنا أرى أن من الواجب أن يهتموا بالتخطيط لأنفسهم مما سيساعدهم في حياتهم المستقبلية.
وأضاف إبراهيم بن سالم: استلم 8000 درهم في الشهر، وبصراحة لا يكفيني الراتب لأن كل شيء (غالي) فيأخذ البنك جزءاً منه والآخر لمصاريف الحياة وأكثر شيء يستحوذ على راتبي هو بترول السيارة، هناك الكثير من الشباب كل يوم يخرجون بشكل جديد تهمهم المظاهر بشغف كبير، وأنا أعارض هذا الشيء ولا يمكنني إسداء النصيحة لهم فهم لا يسمعون للنصح.
غفلة اجتماعية
هي ظاهرة اجتماعية منتشرة في الوقت الحالي بهذه الكلمات، بدأ الدكتور جواد فطاير عضو هيئة التدريس في قسم علم الاجتماع بجامعة الإمارات قوله حيث يرى «ان أبناء هذا الزمن لا يشعرون بالمسؤولية كما كان الوضع في السابق، بل تعودوا على الاستهلاك بدلاً من الإنتاج والتوفير والالتزام وهذا الموضوع سائد في كثير من المجتمعات وليس فقط في الإمارات،
فالآباء ينشئون ويربون ويتأملون من أبنائهم أن يعاونوهم، لكن الأبناء غير ملتزمين بالمسؤوليات ومعايير الصرف والآباء غير مستشعرين هذا الخطر على الأبناء وعلى الأسرة، فيجب علينا نحن الآباء أن نعيد النظر في مسؤولياتنا من زرع الإحساس بالمسؤولية وقيم تحمل عبء الأسرة ومشاركة الأب الذي ينتظره،
حتى وان كان الأب «مليونيراً» عليه أن يغرس في ابنه القيم والإيمان بذاته وتحمل المسؤولية وبالتالي نحن لا نلوم الشباب أنفسهم وعلينا أن نسلط الضوء حتى لا تزيد هذه الظاهرة وتصبح شائعة بين الناس فتكون لها عواقب نفسية واجتماعية وخيمة».
كما يضيف انه ليس من المنطق أن نرى أحد الشباب وهو يعمل موظفاً وفي نهاية كل شهر يتسلم الراتب لكنه بدلاً من أن يساهم في نفقات الأسرة أصبح العكس تماماً وأصبح الوالدين يعطيان أضعاف الأضعاف للشباب المتعلمين، فآباؤنا وأجدادنا تعبوا من أجل راحتنا وتربيتنا وعلى الشباب أن يتعلموا من الظروف. ويختم حديثه بقول إن أملنا في الأبناء أن يقدروا ويتحملوا المسؤولية ويكون استغلالهم لرواتبهم رشيداً كما أن الدين الإسلامي والأخلاق تحثنا على عدم الإسراف .
وسيلة للترفيه
وترى الدكتورة عوشة المهيري بقسم التربية الخاصة في جامعة الإمارات أن تربية الأبناء منذ الصغر على التوفير وحسن استغلال أموالهم يصقل شخصياتهم عندما يكبرون، بالإضافة إلى أن أبناء هذا الجيل لا يتوافر داخلهم الإحساس بالمسؤولية مثل آبائهم، فالتربية تلعب دوراً كبيراً في هذا الجانب،
فالأبناء إذا ربيتهم على بر الوالدين وصلة الرحم وحسن الاستثمار لأموالهم فإنهم عندما يكبرون يحسنون لآبائهم ويساهمون في مصاريف المنزل بدلاً من تبذيرها على أشياء أخرى لا تضر ولا تنفع. وتضيف المهيري: الدلال الزائد يلعب دوراً كبيراً في كيفية صرف الأبناء رواتبهم وهو ما يدفعهم لتصرفات وسلوكيات غير حميدة،
لكننا عندما نربي أبناءنا نعودهم منذ الصغر على توفير أموالهم بما يسمى بـ «الحصالات» وادخارها لمستقبلهم وحاجاتهم الضرورية فإننا بذلك نغرس فيهم عادات سليمة، لكن ما نلاحظه أن بعض شباب اليوم ليسوا على قدر كبير بالمسؤولية ويتخذون من أموالهم ورواتبهم وسيلة للترفيه في المظاهر لأنهم لم يتعبوا فيها.
تخطيط للمستقبل
علي التميمي موظف راتبه 25 ألف درهم، ودائماً ما يفكر بمستقبله ويخطط له، ولا تستهويه المظاهر كغيره من الشباب، لأن الراتب بدلاً من أن يصرفه على كماليات من سفر وتليفونات وسيارات يستثمر به مشروعاً يضمن له ولأسرته مستقبلاً ناجحاً، مشيراً إلى انه يحرص على عدم الإنفاق إلا على أشياء مفيدة وبما يعود عليه بمردود إيجابي.
الدكتورة فاطمة الشامسي تحذر من خطورة الاستهلاك التفاخري
الدكتورة فاطمة الشامسي أستاذة أمين عام جامعة الإمارات، لها وجهة نظر خاصة من الناحية الاقتصادية لرواتب الشباب، تقول إن رواتب الشباب تذهب إلى الاستهلاك أكثر من أي شيء آخر، وان شباب اليوم يفتقدون إلى الادخار والبيانات الاقتصادية أكدت أن نسبة الادخار لدى الشباب متدنية، فترى الشاب وهو لا يزال طالبا في المدرسة يريد أن يركب أفخم سيارة موجودة
وبالتالي فانه يجب أن يدفع أقساط كبيرة خصوصا لو كان الشاب من الشريحة الوسطى فيلجأ للديون حتى يركب هذه السيارة الفاخرة وفي النهاية يذهب نصف الراتب، وأيضا الشاب حديث التخرج، يفكر في الزواج وتكاليفه ومستلزماته وتقع خلفه مسؤولية إدارة الأسرة والصرف عليها كذلك الفتاه تدفع الجزء الأكبر من راتبها على اللبس والمجوهرات وغير ذلك، ومن هنا نلاحظ أن عنصر الادخار معدوم تماما وأنا أرى أن الاتجاه الموجود هو الاستهلاك التفاخري.
وتضيف الشامسي، من المفترض أن الشاب من بداية حياته يخطط في قضية الادخار خصوصا في المراحل الأولى من حياته فإذا اتبع هذا التخطيط فانه سوف تتكون لديه قاعدة في الغد عندما يترقى لوظيفة ما تكون نسبة الادخار التي يمتلكها كبيرة
وربما يدخل مشروعا خاصا به يعود عليه وعلى أسرته بالنفع وبالتالي فانه سوف يعيش مرتاح البال وفي حلقة خالية من الديون ولكن ان تمرد هذا الشاب على نفسه وأراد امتلاك كل شيء وهو لا يستطيع ولجأ إلى الديون والقروض بالتالي سوف يلاحق هذا المستوى ولن يستطيع النزول عنه وسوف تزيد مشاكله ولن يقدر على الموازنة بين احتياجاته وراتبه.
أمل الحساني



