قرأت مرة في سيرة الشاعر عمر أبو ريشة (1910 -1990م) الذي ولد في منبج حيث ولد أبو فراس الحمداني، وتدفقت شاعريته... وحين تقرأ عن شاعر فإنك تضع في مخيلتك سلفاً أنه من خريجي كلية الآداب قسم اللغة العربية مثلاً، وقد تعتقد أيضاً أن لمعلم اللغة العربية دورا في اكتشاف براعم الموهبة فيه، ولكنك لن تتوقع ـ حتماً ـ أن هذا الشاعر خريج جامعة مانشستر ومتخصص في الكيمياء العضوية التي أغرم بها.

وقد يصدمك الواقع الذي يجبرك على تخطي عتبات الزمن لتكون زميلاً للشاعر أبي ريشة على مقاعد الدراسة حتى يتسنى لك رؤية الجرم الذي ارتكبه المعلم في حقه يوماً حين أعلن الشاعر حربه النفسية ضد الأدب العربي شعراً ونثراً !!

ففي حادثة رواها الشاعر عن نفسه في إحدى مقابلاته حين واجهه سؤال في اختبار مادة اللغة العربية «ما هو رأيك في أبيات البحتري هذه؟» فأجاب أبو ريشة عن فطرة شاعرية وتذوق أدبي أنه لا يعتبر من ذكر شاعراً وعلل أسبابه المنطقية!!

فما كان من المعلم إلا أن أطلق سهاماً من الاتهامات وكلمات السخرية مؤنباً إياه، قارئاً على الطلاب إجابة عمر لتكون عبرة لمن تسول له نفسه إبداء رأيه ولم يكتف بذلك بل منحه درجة متدنية تؤهله لاجتياز المادة فقط وبتقدير منخفض، فكانت ردة فعل الشاعر هجر الأدب العربي شعراً ونثراً، ولم يكن يتوقع أنه سيكون شاعراً على حد قوله.

استوقفتني هذه الحادثة التي كادت تقضي على موهبة شاعر و تحرمنا من شعر يرتقي بذائقتنا، وينساب بخفة إلى شغاف قلوبنا. وحين يتحدث المرء عن حجم معاناته ومرارتها ويسهب في وصف آثارها وتبعاتها، فإن تلك المصيبة ـ مهما عظمت ـ لا تقارن بمصيبة تحطيم المبدعين من فتياتنا وفتياننا، لأننا نقضي بذلك على إرث هذه الأمة وحاضرها ومستقبلها. دعوة لاكتشاف الطاقات وعدم تحجيم القدرات.. لعلها تصل.