يكشف المؤلف، مع اقترابه من المنعطف الأخير من كتابه، القناع عن الحقيقة التي طالما حجبت عن الرأي العام، وهي أن العراق أريد تحويله إلى مختبر لمشروعات المحافظين الجدد وأفكارهم التي لم يكن قد تم بيعها في الولايات المتحدة، نفسها ويشير إلى أن محاولة التصدي الجدي لعلامات الاستفهام المتعلقة بما بعد الوصول إلى بغداد طرحها فريق تابع لمجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، نحيت توصياته جانباً، الأمر الذي ترتبت عليه نتائج أقل ما يقال فيها أنها كارثية بكل الأبعاد.

وفي غضون ذلك كانت بغداد تمضي في طريق يناقض كل التوقعات الأميركية باستقبالات بالزهور والورود، فقد كانت الاستقبالات في المدن العراقية بالانفجارات على جوانب الطرق وبدوي الرصاص في الأفق، الأمر الذي حمل الرئيس الأميركي على استدعاء رئيس محطة المخابرات الأميركية في بغداد وإطلاعه على حقيقة ما يجري على أرض العراق. في محاولة لإحقاق الحق، يؤكد مؤلف هذا الكتاب أن مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض كان قد شكّل مجموعة عمل لمتابعة إرهاصات ثم ملابسات ووقائع الحرب الأميركية على العراق ثم عهدوا الى هذا الفريق من باحثي السياسة والاستراتيجية بالإجابة على سؤال وحيد هو: ماذا بعد الوصول الى بغداد؟ وربما كان هذا الفريق البحثي من الأعمال الإيجابية القليلة التي أنجزتها كوندوليزا رايس إذ كانت تتولى مستشارية الأمن القومي بمعنى رئاسة المجلس الرئاسي المذكور.

المهم أن مجموعة الدراسة خرجت بمحصلة دوّنتها على شكل توجيهات تسترشد بها أميركا في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب في العراق، وجاءت هذه التوجهات السياسية على شكل بندين رئيسيين كالتالي: 1 ـ الإبقاء على الجيش العراقي (التابع للنظام السابق الذي تمت الإطاحة به) بغير تغيير ومن دون مساس. 2 ـ عدم إدخال تغييرات أساسية أو جذرية على الإدارة ـ الحكومة العراقية ـ بمعنى إبقاء مخطط تفكيك البنى البعثية عند أقل حد ممكن. يؤكد المؤلف قائلا (ص133): هذه النتائج والتوصيات تم إيجازها في تقرير مختصر، ورُفعت الى الرئيس بوش وكبار معاونيه قبل الغزو مباشرة، ولكن النتيجة كانت تجاهل هذه التوصيات وخاصة الأخيرتين منها، وكانت المحصلة النهائية هي غياب خطة معقولة ومعتمدة وواضحة للتصرف إزاء مرحلة ما بعد انتهاء عملية الغزو في العراق، لا من جانب الدوائر العسكرية في البنتاغون، ولا من جانب الدوائر الدبلوماسية في الخارجية، ولا أيضا من جانب الدوائر السياسية في البيت الأبيض.

رغم هذا فمازال مسؤولو الرئاسة في واشنطن يقولون إنه كان لديهم ما كان يعرف باسم (المرحلة الرابعة من عملية الحرية العراقية) ـ الوصف الكودي للحرب على العراق وهي الخطةالتي دعت الى إنشاء ( مكتب التعمير والمساعدة الإنسانية ـ أوهرا ) حسب الاختصار المستخدم، لكي يتولى إدارته الجنرال المتقاعد غاي غارنر، ولكن الرئيس بوش ارتأى أن هذا المكتب لابد وأن يقتصر على تقديم مساعدات إنسانية وعلى تغذية اللاجئين و(إضاءة الأنوار في بغداد) بعد ظلام عمليات الغزو، وبمعنى أنها مهمة مرحلية مؤقتة من شأنها أن تمهد الى إيجاد حكومة عراقية تتولى تسيير الأمور في بلاد الرافدين. لهذا فسرعان ما استعاضوا عن مكتب (أوهرا) بإنشاء هيئة يصفها المؤلف بأنها كانت مضطربة ومعاقة وحملت بدورها اسم (سلطة التحالف المؤقتة) وعهدوا برئاستها، كما هو معروف، الى مسؤول سابق بالخارجية اسمه بول بريمر.

ومن المفارقات أن هذه الهيئة الجديدة وقد ترأسها، كما أسلفنا، دبلوماسي من الخارجية، كانت تقدم تقاريرها، لا الى الوزير باول رأس الدبلوماسية الأميركية ولا حتى الى مواقع رسم السياسات في البيت الأبيض، ولكن كانت تقدمها الى الدوائر العسكرية في البنتاغون.

نعم كان وضعا في غاية التناقض والغرابة في آن. كيف لا وها هو مؤلف كتابنا (ص134 وما بعدها) يصف أبعاده على النحو التالي: في تلك الفترة، سرعان ما شهدت العاصمة بغداد أفواجا من المسؤولين والموظفين من صفوف الحزب الجمهوري ومن الفصائل الأيديولوجية للمحافظين الجدد، وقد تدفقوا موجة من بعد موجة للعمل في سلطة التحالف إياها، كانوا يسعون الى تحويل العراق الى مختبر لتجريب الأفكار المحافظة التي لم يستطيعوا حتى تاريخه (بيعها) على صعيد الولايات المتحدة، ولكن بينما عكف هؤلاء العقائديون على تجريب مشاريعهم الأثيرة المتعصّبة، كانت بغداد قد بدأت في الالتهاب الى درجة الاحتراق.

بين التقصير والغرور

زاد الأمر سوءاً ـ كما يوضح المؤلف أيضا ـ أنه كان هناك من مسؤولي البيت الأبيض والبنتاغون من أقنع نفسه بأن هذا الافتقار (المعيب بالطبع) الى خطة واضحة أو رؤى محددة كان يمثل في حقيقته نهجا متبصّرا أو رؤية، ثاقبة (!) يشهد على هذا الخطل في السلوك السياسي ذلك الحديث الذي أدلى به الى مجلة (أتلانتيك) الشهرية بكل نفوذها ورصانتها المعروفة، دوغ فيث وكيل وزارة الدفاع وهو في مقدمة صقور المحافظين الجدد الذي اعترف (بكل فخر واعتزاز).

قائلا: لن تجد سيادتك أي ورقة، ولن يعثر أي امرئ ضمن ملفاتنا وسجلاتنا ولو على قطعة ورق وحيدة تقول: يا معالي الوزير أو يا فخامة الرئيس، اسمح لنا أن نحيطك علما بأبعاد صورة عراق ـ ما بعد الحرب وها هي معالم الخطة التي تحتاجها في هذا الخصوص، ولو حاول أحدهم أن يفعل ذلك ـ لو سولت له نفسه أن يفعلها ـ لوَجَد نفسه خارج مكتب رامسفيلد بأسرع ما يمكن (مطرودا بالطبع). وبصراحة أيضا لو سولت لأحدهم نفسه أن يقول: دعوني أصّور لكم ما عسى يحدث في المستقبل، فلن يتاح له حتى أن يكمل بقية الجملة التي ينطق بها.

ومرة أخرى يعلق مؤلفنا، الصحافي المتمرس جيمس ريزن، موضحا أن أمر هذا الغياب للتخطيط أو لرؤية المستقبل أو التحسب العاقل الحكيم لتطورات الأحداث، كان يمكن أن يكون أخف وطأة وأقل خطرا لو.. كانت واشنطن قد بعثت في حملة (فريدوم) العراقية عددا يكفي من القوات، لكن المشكلة أن رامسفيلد كان مصّرا على معارضة ما رفعه كبار القادة العسكريين من توصيات رغم اعتقادهم أن العملية العسكرية تم تخطيطها وتجهيزها في ظل قوة عسكرية بلغت من صغر الحجم حداً يدعو الى الخطر الجسيم.

وعندما أعلن الجنرال اريك شينسكي رئيس أركان الجيش أمام الكونغرس في فبراير 2003 (قبيل الغزو بأسابيع) أن الأمر سوف يقتضي حشد مئات من آلاف الجنود في مرحلة ما بعد الحرب، فوجئت أوساط شتى بهجوم شنّه كل من وزير الدفاع رامسفيلد ونائبه ولفوويتز على المسؤول العسكري الكبير باعتبار أن كلا منهما كان يرى أن الحرب يمكن كسبها بقوة قليلة العدد، بل كان يعتقد أن أي حديث يقول إن الحرب، أي حرب توازي بداهة ضغطا على القوات وربما استنزافها، هو ضرب من الهرطقة، بمعنى الكفر السياسي والعسكري على السواء.

بيد أن المشكلة تمثلت في مغزى الرسالة التي تلقاها ولاشك، وفهم فحواها بلا ريب سائر القادة العسكريين داخل هيئة الأركان ومن خارجها وكان مؤداها ـ بكلمات كتابنا ما يلي: ممنوع أي شكوى من حجم الموارد المتاحة لحرب العراق (بشرية أو مادية) هذا إذا كنت سيادتك تريد الاحتفاظ بوظيفتك في سلك القوات المسلحة.

يضيف المؤلف متأملا وربما متهكما: في مرحلة زمنية لاحقة، سوف يشكو كل من بوش ورامسفيلد من أنهما كانا باستمرار على استعداد لإرسال مزيد من القوات لو كان القادة العسكريون قد طلبوا ذلك، لكن الجنرالات كانوا قد تعلموا أن لا يطلبوا.

فترة سماح ولكن..

في السياق نفسه يلتمس الكتاب شيئا من العذر إزاء هذا السلوك، سواء من جانب البنتاغون أو البيت الرئاسي، والحق أنه استمتع الطرفان بما يصفه الكتاب بأنه (فترة سماح)، هي بالضبط ـ في تصورنا ـ فترة ذهول الصدمة التي واكبت الغزو وأعقبت مباشرة عملية دخول العاصمة العراقية، بغداد. ساعتها كان ثمة ملابسات ربما أفضت الى التصور بأن ثمة ترحيبا هنا أو هناك بالأميركيين بوصفهم محرري العراق!

وهنا أيضا لا يسعنا سوى أن نحيل في هذا الصدد الى ما قد نصفه من جانبنا بأنه الإطار المرجعي في البنية النفسية الجماعية للشعب الأميركي، إنه الإطار الذي يعود بالذات الى مرحلة الحرب العالمية الثانية، كان من حسن حظ أميركا أن زج بها رئيسها فرانكلين ديلانو روزفلت (1882 ـ 1945) الى أتون الحرب الثانية ولكن بعد ثلاث سنوات أو نحوها من اشتعال نيران هذا الأتون. وبالتحديد بعد أن وقعت فرنسا تحت سنابك الغزو والاحتلال النازي عام 1940 وبعد أن تعرضت انجلترا لأخطر وأشرس الهجمات الجوية على يد طائرات (مسر شميت) الألمانية في معركة بريطانيا الموجعة المدمرة خلال عام 1940 أيضا.

صحيح أن أميركا ذاقت أيضا جزءا من ويلات الحرب وخاصة بعد تحطيم أسطولها في ميناء بيرل هاربور في المحيط الهادي، إلا أن الأميركيين استمتعوا مع الحقبة الختامية من الحرب الكونية الثانية 1944 ـ 1945 بالدخول الى عدد من أقطار أوروبا بالذات حيث استقبلهم السكان بالورود وخلعوا عليهم أكاليل الغار تحت شعار أنهم المحررّون وهو اللقب الذي ازدانت به العسكرية الأميركية، ولم تقصّر أفلام هوليوود المزوقة بألوان الطيف المصطنع في تأكيده وتجسيده وتصويره في أكثر من دراما رفعت الجندي والضابط الأميركي بطل تحرير أوروبا والشرق الأقصى الى عنان السماء.

جدلية الاستقرار

عندنا أن هذه الصورة تم استدعاؤها مع دخول القوات الأميركية أرض العراق ومن ثم الى مشارف العاصمة بغداد حيث لم تقصّر بدورها ميديا الدعاية والإعلام ولاسيما من حيث تأكيد وترويج الدعوة الى نشر الديمقراطية التي كان المقصود منها جعل العراق نموذجا يحتذى به في تلقّيها وتطبيقها.

لكن مثل كل أنماط سلوكية ترتبط بالنزوع الإنساني، كان هناك عند الجانب الآخر من المعادلة ظاهرة مستجدة على مسرح الأحداث. والظاهرة نطلق عليها من جانبنا عبارة: جدل الاستقرار السطحي أو المرحلي.

ومعناها أن فترة السماح المؤقتة التي واكبت ملابسات الغزو وأعقبت دخول العاصمة العراقية مالبثت أن أسلمت الى فترة هدوء كان مرحليا بدوره بقدر ما كان خداعا بالمقياس نفسه، هذا الهدوء أفضى بالمسؤولين الأميركيين ومعاونيهم، وأصدقائهم.. أو مؤيديهم من العراقيين الى حالة من الاسترخاء المغرور فكان أن شنوا الحملة التي رفعت شعار (اللاتبعيث) إن جازت التسمية، ويصفها مؤلفنا بأنها كانت حملة تطهير جسيمة الخطورة انطوت على طرد وتشتيت العناصر المنتمية في السابق (سواء عن رضا أو عن إكراه أو عن إغضاء أو اتقاء للسلامة) الى تنظيمات البعث الذي كان حاكما في العراق، وأعقب ذلك أيضا إجراء جاء أشد خطرا وأفدح خطورة وهو تفكيك وتسريح الجيش العراقي (ص135).

وفي معرض التحليل يقول المؤلف ان هذه الإجراءات أوصلت النخبة السُنّية في العراق الى تصوّر يفيد بأن الأميركيين في سبيل تغيير شكل وتقاليد الحكم في العراق، بمعنى أن واشنطن لن تقف كما تصوروا وربما كما أذاعت وروجت عند الإطاحة بصدام حسين نظاماً وأفرادا ومفاهيم بل انها بسبيل الإطاحة بما درج العراق على معايشته عبر عشرات من السنين منذ الاستقلال. ثم يصف المؤلف هذه الإجراءات الأميركية سواء من حيث تصورها أو من حيث تطبيقها، أنها جاءت أقرب الى نوع من هندسة المجتمع تتم تاريخيا وتكاد تماثل ما تم من اعادة تشكيل المجتمع الأميركي ذاته في الولايات الجنوبية عقب هزيمتها لصالح انتصار الشمال في الحرب الأهلية الأميركية.

وهكذا دارت عجلة الرفض ـ المقاومة والتمرد، أيا كان اسمها في أرض العراق، والمشكلة أن ظلت إدارة بوش تنظر الى هذه التحركات والتقلّصات على أنها مجرد مناوشات متناثرة، أو حوادث فردية لا تربط بينها أي خيوط وأنها مجرد (صحوة الموت) أو تصرفات يائسة تقوم بها عناصر أشد يأسا من الفاقدين، المحبطين الذين سوف يغمدون أسلحتهم، ويخرسون أصواتهم ويكفون اياديهم ما أن يتم القبض على صدام حسين شخصيا، وهذا لم يحدث بطبيعة الحال، حتى بعد القبض على صدام حسين نفسه.

وأيا ما كان الأمر، وبصرف النظر عن التعقيدات وربما خلط الأوراق بالنسبة لما وقع من أحداث أو عمليات تفجير أو تدمير داخل العراق فالمشكلة ـ كما يؤكد مؤلف الكتاب ـ هي أنه لم يكن هناك مسؤول ضمن إدارة بوش مستعد لأن يتصور أن هذه الحركات المسلحة كانت تشكل ولو في جانب منها رفضا وتمردا تحدوه نوازع وطنية وقومية وتغّذيه مشاعر الحنق والسخط التي تعتمل في نفوس جموع السُنّة وغيرهم من أبناء العراق.

وكان هذا أيضا هو موقف الدوائر العسكرية في البنتاغون التي يتهمها المؤلف بأنها خالفت القاعدة البديهية المعروفة التي تقول: (اعرف عدوك).

من جانبها ايضا لم يكن لدى وكالة المخابرات المركزية أي تصوّر متبلور إزاء تطورات ومن ثم تعقيدات الموقف في أرض العراق. عشية الغزو لم تقدم الوكالة العتيدة معلومات يُعتد بها أو يسترشد بها العسكريون بشأن أبعاد الوضع السياسي هناك قبيل عملية الغزو، وكان من هؤلاء العسكريين ـ الجنرال ديفيد ماكرنان مثلا وهو قائد القوات البرية ـ من كان يسأل أكثر من مسؤول في الوكالة المركزية بشأن الطرف الذي يمكن أن يكون وسيطا بين العسكرية الأميركية وبين قطاعات الشعب العراقي بحيث (تضمن استمرار إدارة دولاب العمل في البلاد).

والحاصل أن المسؤول في وكالة الاستخبارات أجاب بأن وكالته ليس لديها إجابات عن مثل هذه التساؤلات. ولا يبدو ـ كما يلمح المؤلف ـ أنه كان هناك من مسؤولي الوكالة أو كبار مديريها من أعطى مثل هذه المشكلة بكل حيويتها قدرا من عمق التدبر أو جدية التفكير.

اقتراح شركة النقال

من ناحية أخرى كانت أركان الوكالة تأمل في أن يتيح إنجاز عملية الغزو فرصا جديدة لكي تمارس الوكالة مسؤولياتها الأساسية في جمع المعلومات من داخل العراق. لكن الكتاب يعود ليؤكد أن كثيرا من هذه الفرص جرى تبديدها نظرا لغياب التخطيط السليم في فترة ما بعد الغزو.

وفي هذا السياق بالذات يشير المؤلف الى خطة أخرى كانت قد وضعتها وكالة الأمن القومي المسؤولة عن عمليات التجسس الإلكتروني وكانت تقضي بإنشاء (شركة متقدمة) بمعنى شركة واجهة تدير شبكة هواتف متحركة أو محمولة وتهيئ في الوقت نفسه فرصة أمام وكالة الأمن القومي للتصنت على كل مكالمة هاتفية تتم عبر هذا الهاتف الخلوي النقّال في طول البلاد وعرضها وبالتالي يصعب كثيرا على العناصر المسلحة سبل الاتصالات الإلكترونية من دون أن تكشفها دوائر الاستخبارات الأميركية.

مع ذلك ـ يضيف الكتاب ـ إن وكالة الأمن القومي عمدت الى تأخير تنفيذ تلك الخطط لفترة طالت ولدرجة (أن لم يكن ثمة خيار أمام سلطة بول بريمر سوى أن تفتح المجال أمام عطاءات تمنح بموجبها امتياز شبكة الهواتف المحمولة لشركات متنافسة من القطاع الخاص) (ص141).

وفي أغسطس عام 2003 وقعت كارثة تفجير مقر الأمم المتحدة في بغداد ومصرع عدد من كبار موظفيها. وبعد يوم واحد من الحادث المروع لم يكن من سبيل أمام مدير محطة المخابرات المركزية هناك سوى تقرير كتبه الى الرئاسات في واشنطن حول أبعاد ومرامي حادث مفجع بهذا الحجم والخطورة.

هكذا تلقت دوائر واشنطن العليا تقريرا سوبر خطير يحمل صفة (أردوولف) ـ مصطلح الوكالة المركزية الذي يصدق على أصعب التقارير التي تهدد بالويل والثبور كما قد نقول ـ كان التقرير يؤكد أن قصف وتدمير مقر الأمم المتحدة في بغداد يشكل جزءاً من استراتيجية تقودها عناصر مسلحة، تشكل قوى جديدة وجسورة أيضا وترمي الى عزل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة والتهوين من شأنه ومن قدراته.

ثم يحذر التقرير من أن هذه العناصر تمتلك القدرات الكفيلة بمواصلة شنّ هجماتها على هذا النوع من (الأهداف الناعمة)، وعليه فقد خلص تقرير الاستخبارات من بغداد الى أن القبض على صدام حسين لن يشكل نهاية لهذا المد من العنف، ويرجع السبب ببساطة الى أن الرئيس العراقي المخلوع لم يكن يتولى قيادة هذا العنف، لا من قريب ولا من بعيد.

مذكرة من بريمر

وصل التقرير بكل قسوته وإحباطاته، الى واشنطن. كانت العاصمة الأميركية تعيش أجواء زهو الاحتفالات بما حققته من نصر في أرض العراق. ولهذا طالعت إدارة بوش تقريرا كئيبا شديد السلبية. ومن جانبه كان مندوبها ـ بريمر ـ قلقا إزاء تلك المحتويات الكئيبة التي شملها تقرير الأردوولف المخابراتي المذكور، ولهذا عمد بريمر الى أن يرفقه بمذكرة كتبها بنفسه في آخر سطور التقرير وحاول فيها أن يهّون أو يخفف من وقع التحليلات والاستنتاجات التي خلص اليها رئيس مكتب المخابرات المركزية في بغداد.

يضيف كتابنا قائلا: قال بريمر في مذكرته المرفقة: إن التقرير يبالغ كثيرا في تقدير قوة المسلحين، واضاف أنه لا يظن أن من شأن (صراع خفيف) كذلك الذي يحدث في العراق أن ينال من الانتصارات التي أحرزتها أميركا في العراق حتى ولو زادت الأوضاع سوءا واختتم بريمر مذكرته قائلا: إن اعادة التعمير ماضية على قدم وساق برغم أحداث التمرد هنا أو هناك.

ورغم هذه التطمينات القادمة ـ كما رأينا ـ من ميدان الأحداث، إلا أن هذا الميدان كان يعاني موضوعيا من مشكلة واجهتها المخابرات المركزية من حيث حجم موظفيها أو مسؤوليها القادرين على استخدام اللغة العربية، هذا رغم أن دوائر الوكالة المركزية اجتاحتها حسب تعبير كتابنا موجات متدفقة من الضباط الذين اسندت إليهم مهام مؤقتة وجاؤوا من أنحاء العالم، لكن قلة منهم هي التي كانت قد اكتسبت خبرة ما في العالم العربي، وقلة أقل (نحو 40 ضابطاً فقط) هي التي تتكلم العربية وكان هناك أيضا نقص في عدد المحللين ومسؤولي تقدير الموقف داخل أروقة الاستخبارات.

وثمة تقرير آخر من النوع البالغ الصرامة والمنذر بالخطر ـ من طراز (أردوولف)، أرسلته محطة بغداد الى واشنطن، ويعرفونه في أوساطها بأنه التقرير الذي حمل العنوان التالي: (التمرد المتوسع في العراق). وربما كانت صراحة المعلومات وعمق التحليلات التي احتواها مثل هذا التقرير هي التي جعلت أوساط الوكالة نفسها تثني عليه، وهي أيضا التي جعلته محل اهتمام عميق من جانب البنتاغون والبيت الأبيض، وهي كذلك التي دفعت الى إرسال برقية شفرية الى مدير محطة بغداد تقول سطورها: احضر حالا الى واشنطن لمقابلة الرئيس بوش ووضعه في صورة التطورات.

عرض ومناقشة: محمد الخولي