يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع تلك المرحلة التي اتخذت فيها واشنطن قرار غزو العراق وشرعت تعد لتجهيز الساحة الدولية لقبول التنفيذ كما مضت تراكم المعلومات الضرورية لجعل الغزو حقيقة واقعة، حيث يكشف المؤلف النقاب عن إصابة واشنطن بما يسميه بعمى المخابرات في مواجهة بغداد، مما دفعها إلى اعتماد معلومات مصطنعة ومشكوك فيها وتقديمها للعالم على لسان وزير خارجيتها باعتبارها تفسيراً للحرب الوشيكة.
وتتصاعد هذه الظاهرة إلى حد أن المؤلف يعرب عن اعتقاده بأن مسؤولي المخابرات ربما حجبوا عن البيت الأبيض تلك الشكوك المطروحة حيال نوعية المعلومات المتاحة لهم عن أسلحة الدمار الشامل العراقية ومدى مصداقيتها، وقد وصل هذا الحجب إلى التقرير اليومي الذي تقدمه المخابرات للرئيس الأميركي. يبدو الفصل الرابع من الكتاب من سطوره الأولى وكأنه فصل مكتوب في دراما مسرحية، فهو يحوي رسما لشخصيات وسرد الأحداث وإن كانت العهدة بطبيعة الحال على الراوي وهو مؤلف هذا الكتاب.في صفحة 85 تبدأ سطور الفصل بفتح الستارة على مشهد جديد، يتناهى إلى القارئ أو المتفرج ـ سيان ـ رنين جرس الهاتف وتدخل إلى مقدمة المسرح سيدة أنيقة تميل بشرتها إلى السمرة ويتولى المؤلف تعريفنا بها على النحو التالي:
ـ طبيبة عراقية في الخمسين من العمر، كانت مشغولة حين دق الجرس، وزاد انشغالها حين تلقت المكالمة الغريبة، قال المتحدث بأدب جم إنه يتكلم من المخابرات المركزية. كان ذلك في شهر مايو من عام 2002.. أضاف المتكلم قائلا:
ـ سيدتي هل يمكن أن نلتقي؟
كان يتكلم برزانة وثقة، لكنها ظلت تتساءل عن السبب الذي يدعو مسؤولا من المخابرات المركزية لكي يتصل بها من ولاية بنسلفانيا إلى حيث تعيش هي وتعمل في ولاية أوهايو.
سرعان ما زالت مشاعر الفضول لتحل محلها مشاعر من الخوف، وكانت مشاعر قديمة موروثة في نفس الطبيبة على مدار عقدين مضيا من الزمن هاجرت فيها مع زوجها من العراق إلى أميركا وأنجبا طفلة جميلة وشرعا في بناء حياة هادئة.كان ذلك بعد عام 1979.
وهكذا قررت الدكتورة العراقية أن تتأكد من هوية المسؤول الأميركي الذي هَاتَفها، وكان أن اتصلت بمسؤول رضي أن يصغي إلى مشكلتها في مكتب التحقيقات الفيدرالي وبعد أقل من ساعة جاءها الجواب:
ـ نعم، كانت المكالمة الهاتفية من مسؤول يعمل لدى وكالة المخابرات المركزية، ولا مانع من أن يتم لقاء بين السيدة الطبيبة وبين السيد «كريس» وهو اسم كودي في أرجح الأحوال.
لقاء مع كريس
فيما كان «كريس» يحاول الالتقاء بالطبيبة العراقية كان الرئيس الأميركي (الجديد) جورج بوش قد قرر غزو العراق. ولذلك عمد الرئيس في خطاب «حالة الاتحاد» الذي ألقاه قبل المكالمة الهاتفية بخمسة أشهر (يناير 2002) إلى تضمين الخطاب إشارة لها مغزاها تصف نظام بغداد أيامها بأنه جزء من «محور الشر» الذي يشكل خطرا على أمن وسلام العالم، بعدها دارت آلة الدعاية الأميركية، وكان موضوعها المفضّل هو أن النظام العراقي المذكور يمتلك أسلحة الدمار الشامل، سواء كانت من النوع البكتريولوجي ـ أو الكيميائي، ناهيك عن النوع النووي وهو الأدهى والأشد خطورة.
كانت التهمة الأولى مجسدة في بث الأقاويل التي تفيد بأن بغداد ـ تلك الأيام ـ كانت مأوى للإرهابيين، فما بالك بوشائج قالوا أنها تربط بين النظام في بغداد وتنظيم القاعدة في أفغانستان؟
وفي معرض التعليق يقول مؤلف كتابنا:
ـ كان المنطق الأميركي يشير إلى أن صدام حسين يمكن أن يستخدم أسلحة الدمار الشامل ضد أميركا(!) أو يمكن أن يسلمها إلى الإرهابيين ليقوموا بهذا العمل نيابة عنه. وفي كلتا الحالتين، فمن شأن هجوم يستخدم أسلحة كيميائية أو بيولوجية أو نووية أن يجعل ما حدث في 11 سبتمبر أقرب إلى لعبة أطفال.
بعدها، وعلى مدار أشهر الربيع من عام 2002 نفسه ـ تكاثفت هذه الدعايات وتعمقت تلك التحذيرات لتصل إلى درجة الإنذارات. في الإطار نفسه ظهر تشيني، نائب الرئيس، على الشاشات المتلفزة ليعلن أنه «يكاد يكون متأكدا» بأن بلاده معرضة للمزيد من الهجمات الإرهابية، وتَابَعه في ذلك المسار رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي مضيفا أن الهجوم هو مسألة وقت ليس إلا، ثم بلغ الأمر ذروته بتصريحات الرئيس بوش في برلين التي قال فيها أن مثل هذه الاحتمالات كفيلة بأن تتحقق بكل خطورتها المدمرة على يد الإرهابيين «الذين لا يصغون إلى صوت العقل ولا الضمير».
وقائع الربيع الساخن
في ذلك الربيع الساخن، كانت الحرب في أفغانستان تكاد تصل إلى نوع من النهاية، مما أدى بالإدارة في واشنطن إلى تحويل بوصلة اهتمامها نحو بغداد.وقرب الصيف ـ بالتحديد في يونيو عام 2002 ـ قررت الطبيبة عراقية الأصل أن تلتقي بكريس الذي طلب منها أن تساعد في شن الحرب على الإرهاب من خلال رحلة لاستطلاع الموقف ميدانيا في العراق، بحيث توافي واشنطن بكل ما يتاح لها من آراء ومعلومات. إلى هذا الحد كانت الوكالة المركزية، بجلالة قدرها، فقيرة من حيث المعلومات .
وأيضا من حيث العناصر البشرية العاملة لحسابها. وفيما سافرت الطبيبة إلى بغداد كانت دعايات واشنطن قد بلغت إحدى نقط اللاعودة، وبمعنى أن الحرب على العراق باتت أمرا لا رجعة فيه، وهو ما عبرت عنه كوندوليزا رايس إذ كانت مستشارة الأمن القومي في البيت الأبيض حين صكت عبارة قالت فيها:
ـ فيما يظل هناك تشكك في أمر السرعة (بالنسبة للخطر المتوقع) فلسنا نريد أن يتحول الدخان من فوهة المدفع إلى سحابة ناتجة عن تفجير نووي.في الإطار الإعلامي المشحون نفسه بدأت عملية التسريب فكان أن نشرت «نيويورك تايمز» في عدد 8 سبتمبر تقريرا أكدت فيه أن العراق حصل على أنابيب البلوتونيوم اللازمة لإعادة بناء برنامجه النووي.
في مجلس الأمن
على الرغم من أن الطبيبة عادت من العراق وأكدت عدم وجود أسلحة الدمار الشامل إلا أن التقارير السرية ومن ثم التصريحات العلنية كانت على عكس ذلك تماما، وعندما بدأ وزير الخارجية كولن باول عرضه المتلفز الشهير أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير عام 2003 مؤكدا وجود هذه النوعيات المدمرة من الأسلحة، كان فريق من العلماء في العراق يعرفون بيقين أن المعلومات يشوبها خطأ فادح .
وأن واشنطن لم تعمل وفق ما قدموه من نصائح وما ساقوه من تأكيدات، ومن البديهي أن معلومات الجنرال باول لم تكن صحيحة، وأن كثرة من العلماء والباحثين العراقيين وبعض المفتشين الدوليين كانوا على حق، وأن نظام العراق لم يمتلك أسلحة الدمار التي تكرر ذكرها والتحذير من خطورتها، لكن هذا كله تكشّف وانتشر بعد غزو العراق، أي بعد فوات الأوان. يقول مؤلف كتابنا:
ـ صحيح أن مسؤولي القمة في المخابرات المركزية صرّحوا علانية أن تقديراتهم بشأن امتلاك العراق لأسلحة الدمار كانت مبررة تماما من واقع المعلومات المتاحة، لكن في واقع الأمر ـ يضيف المؤلف ـ فإن كثيراً من مسؤولي الوكالة المركزية من مستوى المحللين إلى مستوى كبار المديرين كانوا يعرفون أنهم كانوا يفتقرون قبل الحرب إلى قرائن كافية لإدانة العراق في هذا الصدد، بيد أن هذه الشكوك وجدت من يخنقها بفعل الضغوط الهائلة التي مورست على هؤلاء المسؤولين والموظفين، وربما لم يكن تينيت مدير الوكالة وصفوة معاونيه على وعي بهذه الأجواء من الضغوط. ولكن النتائج كانت في غاية القسوة، وتمثلت في حقيقة واحدة هي أن الوكالة المركزية أصيبت بمرض خطير اسمه حمى الحرب.
وفي هذا السياق أيضا يورد المؤلف إفادات وشهادات أدلت بها عناصر من مسؤولي دوائر المعلومات والتحليل وتقدير الموقف داخل الوكالة، وقد أورد أسماء بعضهم فيما عمد إلى حجب أسماء آخرين، ومنهم من شاهد العرض الذي قدمه الوزير بأول أمام أعضاء مجلس الأمن في مبنى الأمم المتحدة في نيويورك ويومها قال قائلهم (ص110): هذا أمر معيب ولسنا نملك هذا النوع من المعلومات.
شبان الاستخبارات
على الضفة الأخرى من الموضوع كانت ثمة ترحيب بأي معلومات متطرفة أو ملتهبة يمكن أن تؤيد حكاية أسلحة الدمار الشامل، حتى لو جاءت هذه المعلومات من أدنى المستويات الوظيفية أي من الموظفين الشبان المبتدئين في سلك العمل بالوكالة المركزية وكانت منهم نوعيات يصفها المؤلف بأنها «الصقور.. الشبابية» وهؤلاء أمكنهم الوصول أو الاتصال بأعلى مستويات الإدارة داخل الوكالة، كيف لا وقد كانت تقاريرهم تدعم وتعزز بيانات المسؤولين الكبار والقادة في البيت الأبيض!
وفي أحد الاجتماعات السرية المهمة التي ترأسها المدير تينيت شخصيا، ناقش المجتمعون حكاية استيراد العراق أنابيب الألمنيوم وساعتها أبدى أحد كبار المحللين تشككه في إمكانية استخدام هذه الأنابيب للأغراض النووية. وهنا سمع المجتمعون هتاف محلل شاب يقول: هذا هراء.. ليس لها سوى استخدام واحد (يقصد المجال النووي).
بعدها سمع الحاضرون كلمة أخرى: هذا عظيم.وكانت كلمة استحسان صادرة بالذات من مدير وكالة المخابرات المركزية تأكيدا لما أعلنه الفتى المستجد الذي لم يكد عمره يزيد على 25 عاما.
مذكرة داوننع ستريت
يسترعي الاهتمام وسط هذه الأجواء ما يشير إليه المؤلف من أن القوم في مستودع تحليل المعلومات ومصنع تقديرات الموقف في الوكالة المركزية كانوا يعلمون أن الحرب آتية لا ريب فيها. وربما كانوا يوقنون بأن معلوماتهم وتقديراتهم ـ أو فلنقل تحوطاتهم وتحذيراتهم ـ لم تكن هي العامل الحاسم في الحل والربط، لا في قرار للحرب ولا في خيار للسلام.
في هذه الأجواء أيضا كُشف النقاب عما وصفوه بأنه «مذكرة داوننغ ستريت» وهي التقرير الموجز الذي جرى تسريبه من دوائر رئاسة الوزارة البريطانية بشأن سياسة الحرب المحتومة على العراق وقد انتهت سطوره بالإشارة إلى ما تم من «توجيه المعلومات والحقائق وبصورة مصطنعة لكي تخدم هذه السياسة».
وهنا أيضا يلاحظ المؤلف أن مدير المخابرات الأميركية اعتذر عن المشاركة في واحد من اجتماعات التعاون والتبادل الدورية مع نظرائه الانجليز كان الاعتذار بدعوى الشواغل وذلك رغم إصرار عجيب من جانب البريطانيين الذين شعروا بأنهم في ظلام من المعلومات من جهة وإزاء نوايا أبناء العمومة الأميركان من جهة أخرى. وعندما تم الاجتماع أخيرا في إحدى ضواحي واشنطن عاد الطرف البريطاني ليحرر مذكرة داوننغ ستريت التي أشارت ـ كما ألمحنا ـ إلى أن قرار الحرب كان أمرا مقضيا وأن كل أعمال المخابرات كانت أمرا تابعا أو ثانويا لسياسة غزو العراق.
المناخ المسموم
إذ يتحول المؤلف إلى الفصل الخامس من الكتاب يعمد إلى الإشارة إلى ما يصفه بأنه «المناخ المسموم» الذي عاشت فيه دوائر الاستخبارات والمعلومات في أمريكا قبيل شن الحرب على العراق ومن هذه السموم فئة يسميها المؤلف بأنها: «المحتالون والمزيفون» وكان بينهم عدد كبير من المهاجرين أو الهاربين أو المنفيين من العراق ممن ظلوا يرددون حكاية امتلاك بغداد أسلحة الدمار الشامل.
ومن أشهر هذه العناصر من حمل اسم «كورفيبول» وهو اسم رمزي بالطبع لعنصر عراقي الأصل ظل مصرا على أن بغداد استطاعت تطوير وتأسيس مختبرات متنقلة ودائبة الحركة للأسلحة البيولوجية بحيث تضلل بحكم حركتها الدائمة مفتشي الأسلحة الدوليين وخبراء الأمم المتحدة المبعوثين إلى العراق.ويؤكد المؤلف أن معلومات «السيد كورفيبول» هذا هي التي استند إليها وزير الخارجية باول في بيانه الشهير أمام مجلس الأمن الدولي.
بعدها ـ والحق يقال ـ أصدرت اللجنة المستقلة المعنية بأسلحة الدمار تقريرا خلصت فيه إلى أن «دوائر الاستخبارات أصدرت في الأساس أحكاما خاطئة (أو مضلّلة) بشأن وضعية برامج الحرب البيولوجية وأن الأساس الجوهري الذي أدى إلى هذا الخطأ كان يتمثل في إفادة مصدر بشري وحيد هو «كورفيبول» الذي ثبت اتصافه بالاصطناع أو الاختلاق (الكلمة المستخدمة في الانجليزية يمكن ترجمتها بأنها «مفبركاتي»).
من جانبه يواصل مؤلف الكتاب تقصي حكاية هذا المفبركاتي (116 وما بعدها) ويكتشف ـ ويا للغرابة ـ حقيقة صادمة، كما يسميها، تتمثل في أن المخابرات الأميركية اعتمدت على معلوماته دون حتى أن تراه أو تجتمع شخصيا إليه (!) قبل نشوب الحرب على العراق. كان صاحبنا عراقيا يعيش في المنفى.
وكان مصدرا استخدمته المخابرات الألمانية التي رفضت أن تهيئ سبل الاتصال الشخصي المباشر بينه وبين المخابرات الأميركية. وقد ذكر الألمان أن «مصدرهم» سوف يرفض الحديث إلى الأميركيين، ومن ثم اكتفوا بالاستعداد بتقديم تقارير مصورة بالفيديو تستند إلى المعلومات التي كان يقوم بتقديمها.
الأسوأ من هذا أن التقارير المصورة لم تكن تقَّدم مباشرة من برلين إلى لانجلي ـ مقر الوكالة المركزية قرب واشنطن بل كانت تقدم عن طريق وحدة المخابرات العسكرية الأميركية في ألمانيا ومنها إلى كل دوائر الاستخبارات الأميركية ومن ثم كانت المعلومات تطرح عن طريق وسيط ثالث.
والأدهى أن الألمان في مرحلة ما من هذه العملية ما لبثوا أن حذروا من مغبّة التعويل الكامل على معلومات «المصدر» إياه، وفي لقاء على غداء عمل بين مسؤول المخابرات الأميركية ومسؤول المخابرات الألماني ـ حذر الزميل الألماني من أن تُؤخذ إفادات المصدر بحرفيتها.. لماذا؟ لأن كورفيبول رجل.. مجنون(!) .
والاستماع إليه بهذه الطريقة (الجادة) نوع من إضاعة الوقت ونحن (الألمان) لسنا متأكدين من أنه يقول الحق، والأسوأ أن هناك تساؤلات عن مدى سلامته العقلية ومن ثم مدى الاعتماد على ما يفيد به من معلومات وآراء، فالرجل أصيب بانهيار عصبي! هكذا كانت الرسالة الألمانية واضحة بصورة موجعة ومؤداها أنه لا ينبغي للأميركيين أن يستخدموا معلومات هذا المصدر.
في تلك اللحظة كم كانت دهشة، بل هي صدمة، المسؤول الأميركي، ورغم ما نقله إلى رؤسائه في الوكالة المركزية من تحذيرات، إلا أنه روّع حين لم تقتصر الوكالة الأميركية عند مجرد تصديق كورفيبول المذكور أعلاه، بل إن معلوماته، وأغلبها مصطنع ـ مفبرك كما ألمحنا ـ كانت هي الأساس الذي استندت إليه البيانات الشفوية والإفادات التحريرية والعروض المتلفزة التي قدمها الجنرال كولن باول في مجلس الأمن تبريرا لشن الحرب على العراق.
نصيحة لمدير الوكالة
كان وزير الخارجية الأميركية معذوراً . إن زوايا الكواليس تشير إلى أن الخطاب تم إعداده بغير الإشارة إلى معلومات المصدر العراقي عن المختبرات البيولوجية المتنقلة. ولكن أروقة الكواليس حملت رسائل مختلطة بل مشوشة أحيانا بشأن جواز إدراج هذه المعلومات. قال الألمان إن بالإمكان إدراجها لكن مع توخي الحذر وطلب درمهلر المسؤول الكبير في الوكالة المركزية مقابلة عاجلة مع رئيسه الأعلى، المدير تينيت ليقول له بكل أدب:
ـ سيدي أنت تدرك أن ثمة مشاكل مع المصدر الآتي من ألمانيا.
كانت إجابة مدير الوكالة المركزية عبارة عن تمتمات بانت منها كلمات مختلطة من قبيل:
ـ أجل، أعرف، نعم أنا أدري.. الخ.
والواقع أن تينيت كان مشغولا بأمور أخرى أهمها التوجه إلى نيويورك والإقامة في أكبر فنادقها للإشراف على (إخراج) الخطاب الذي كان منتظرا من وزير خارجية بلاده لكي يصغي إليه المجتمع السياسي في العالم كله.
الى هذا الحد كان القوم بحاجة إلى معلومات، أي معلومات، بقدر ما كانت تعوزهم مبررات، أي مبررات لزوم تكييف وتسويغ القرار السياسي المتخذ عند المستوى الأعلى بشن الحرب على العراق وتغيير النظام الذي كان حاكما في بغداد، وزاد الأمر سوءاً أنه كانت معلوماتهم الاستخباراتية شحيحة ـ ضئيلة وربما مشوشة مما دعاهم أو اضطرهم ـ كما رأينا ـ إلى الاعتماد على مصادر، بعضها تافه وبعضها كاذب وبعضها محترف للاصطناع أو الفبركة أو التلفيق.
في هذا الإطار يشكو مسؤلو الوكالة ـ على نحو ما يعرض المؤلف (ص120) ـ من أن فرع الشرق الأدنى لم تكن لديه المعلومات الكافية ولا كان بوسعه أن يخرج بإجابات شافية عن تساؤلات واستفسارات كان ينبغي طرحها قبيل تنفيذ الحملة العسكرية على بغداد. كانت المشكلة التي طرحوها تتمثل في أن نظام العراق السابق كان نظاما مقفلا ولم تكن هناك علاقات دبلوماسية تربط بينه وبين أمريكا، وهي المشكلة نفسها التي ربما لاتزال قائمة - كما يضيف المؤلف - بالنسبة لبلدان أخرى منها إيران ومنها أيضا كوريا الشمالية.
الإصابة بالعمى
لهذا كانت الحالة في العراق قد أصيبت حسب المصطلح المستخدم في لانجلي بمرض اسمه «عَمَى المخابرات» وربما جاء هذا المرض الاستخباراتي نتيجة لنوع من الغرور أو نوع من الاسترخاء أو لمزيج من النوعين، فبعد النجاح في حملة تحرير الكويت، وبعد فرض العقوبات الاقتصادية على العراق، أمكن تحجيم، وربما حصار النظام الحاكم هناك، لدرجة فرض نوع من الوصاية الاقتصادية على تعاملاته مع الخارج بموجب الإجراء الدولي الشهير الذي حمل أيامها اسم برنامج «النفط مقابل الغذاء».
هنالك ركنت أوساط السياسة والعسكرية ومعها بداهة دوائر المعلومات والاستخبارات إلى نوع من خمول الدعة أو هو غرور الاسترخاء ـ كان ذلك في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون وربما كان ثمة مشاكل أخرى استحقت مزيدا من اهتمام تلك الإدارة وكانت في مقدمتها أزمة البلقان أو حادثة تدمير سفارات أمريكا في أفريقيا، ناهيك بوقائع المحاكمة (السلوكية) التي نصبوها ضد بيل كلينتون شخصيا.
وأيا ما كان الأمر فالحاصل أن العراق - كما يشير المؤلف - قد تراجعت أهميته كبند على أجندة المخابرات الأميركية إلى مرتبة أدنى بكثير من سواه، وهي الأجندة التي تحمل اسم «قائمة الأهداف الصلبة أو الصعبة» خاصة وقد كان نظامه محصورا ـ كما نعلم ـ ضمن نظام حظر الطيران في الوسط ونظام طوارئ الأمم المتحدة في الجنوب، ونظام الحكم الذاتي للأكراد في الشمال، وهكذا جفت الاعتمادات وتضاءلت الموارد وقلّت المصادر.
مع هذا كله يضيف المؤلف قائلا: ليس من الواضح ما إذا كان هذا الفقر في المعلومات عن العراق قد شرحوه بما يكفي أمام الرئيس جورج بوش، ومن الممكن تماما أن يكونوا قد حجبوا عن البيت الأبيض تلك الشكوك التي ظلت تراود كبار مسؤولي الوكالة المركزية إزاء نوعية ومصداقية المعلومات التي كانت متاحة في ذلك الوقت عن أسلحة الدمار الشامل العراقية، وربما تعرضت لهذا الحجب أهم وثيقة كانوا يعدونها كي يطلع عليها المسؤول الأول في البلاد وتحمل الاسم التالي: التقرير اليومي الموجز لاطلاع السيد الرئيس.
عرض ومناقشة: محمد الخولي
