هناك مفهوم عالمي للأمن لا يمكن أن يتجزأ ويتمثل في المبدأ الأساسي الذي يفيد بأن «أمن الفرد هو أمن الجميع» وكما قال الرئيس الأميركي الأسبق فرانكلين روزفلت في بداية الحرب العالمية الثانية فإنه: «عندما يتعرض السلام للانكسار في أي مكان بالعالم فإن أمن جميع الدول سيكون في خطر».

تلك الكلمات تنسحب على كل الأزمنة حتى يومنا هذا. فمنذ عقدين فقط كان العالم منقسما أيديولوجيا واقتصاديا، وكانت الإمكانات الإستراتيجية الكبيرة للقوتين العظميين في العالم هي التي تضمن الأمن العالمي. وقد تسببت حالة الجمود تلك في تهميش أكثر المشكلات الاجتماعية والاقتصادية تعقيدا. وكما هي الحال في أي حرب، فإن الحرب الباردة قد خلفت وراءها أسلحة حية، إن أردنا التحدث بشكل مجازي.

تلك الحرب قد تركت وراءها معايير مزدوجة وتشويهاً للحقائق وما بقي من مفاهيم الحرب الباردة. إذن ما معنى مفهوم «العالم ذو القطب الأوحد»؟ مهما حاولنا تجميل هذا المصطلح فإنه في النهاية يصف سيناريو لا يوجد به سوى مركز واحد للسلطة ومركز واحد للقوة ومركز واحد لصنع القرار.

إنه عالم لا يوجد به سوى سيد واحد مهيمن على العالم. وهذا بالطبع أمر في غاية السوء والشر، ليس لكل من يعيش هذا النظام فحسب، وإنما أيضا للقوة المهيمنة الوحيدة عليه، وذلك لأنها تدمر نفسها بنفسها من الداخل. وهذا الأمر بالطبع لا يمت للديمقراطية بصلة؛ وذلك لأن الديمقراطية هي قوة الغالبية مع مراعاة مصالح وآراء الأقلية.

نحن في روسيا نتلقى باستمرار دروسا حول الديمقراطية. ولكن لسبب ما فإن الذين يعلموننا لا يريدون هم أنفسهم أن يتعلموا. وأنا أتصور أن هذه الفردية في التعامل ليست غير مقبولة فحسب، وإنما هي أيضا مستحيلة الاستمرار في عالم اليوم. فالنموذج نفسه معيب.

فهو في جذوره ليس له أي أساس أخلاقي تقوم عليه حضارة حديثة. ولكن ما يلاحظ في عالم اليوم هو وجود اتجاه لفرض هذا المفهوم، أي مفهوم العالم ذي القطب الواحد، على الشؤون الدولية. ولكن ما النتيجة؟إن الأفعال الفردية والتي تكون عادة غير شرعية لم تحل أية مشكلات. فضلا على ذلك فإنها تسببت في مآس إنسانية، وأوجدت بؤر توتر جديدة في العالم.

فلنتابع ما حدث بأنفسنا، الحروب لم تتراجع وكذلك هي الحال مع الصراعات الإقليمية والمحلية. وحتى عدد الذين تُقتلون اليوم يفوق نظيره في الماضي. وهناك أكثر من ذلك بكثير. نحن نشهد حاليا استخداما مفرطا للقوة المسلحة في مجال العلاقات الدولية، وهي القوة التي تدفع العالم إلى هوة من الصراعات الدائمة.

ونتيجة لذلك، لم تعد لدينا القوة الكافية للعثور على حل شامل لأي من تلك الصراعات. كما أصبح من المستحيل إيجاد تسوية سياسية لأي مشكلة. نحن نشهد كل يوم مزيدا من الرفض والاستهانة بالمبادئ الرئيسية للقانون الدولي. فهناك دولة واحدة وهي الولايات المتحدة قد تعدت حدودها بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وهذا الأمر يتضح في كل السياسات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتعليمية التي تفرضها على الدول الأخرى.هذه الهيمنة عن طريق القوة بالطبع تدفع عددا من الدول إلى حيازة أسلحة دمار شامل. بالإضافة إلى ذلك، فإن التهديدات التي تواجه العالم مثل ظاهرة الإرهاب قد اكتسبت الآن أبعادا عالمية.

وأنا مقتنع بأننا وصلنا إلى لحظة حاسمة يجب علينا فيها أن نفكر بجدية في هيكلية الأمن العالمي. فنحن يتعين علينا أن نمضي في البحث عن توازن أكثر عقلانية بين مصالح جميع المشاركين في الحوار الدولي، لاسيما وأن المشهد العالمي أصبح يتغير بسرعة كبيرة وغدا أكثر تنوعا عن ذي قبل.

هناك حاجة ماسة لا تقبل التشكيك إلى الصراحة والشفافية وعدم المراوغة في مجال السياسة. يجب أن يكون اللجوء إلى استخدام القوة في الحالات الاستثنائية فحسب وأن يكون استخدام الخيار العسكري مثل اللجوء إلى عقوبة الإعدام في الأنظمة القضائية لبعض الدول.

غير أننا في عالم اليوم نشهد عكس ذلك. فنحن نشهد وضعا نرى فيه دولا تحرّم عقوبة الإعدام على القتلة وأعتى المجرمين وتشترك علنا في عمليات عسكرية من الصعوبة بمكان اعتبارها شرعية، على الرغم من حقيقة أن تلك الصراعات تقتل الشعوب بمن فيهم المدنيون بالألوف والمئات.

وفي الوقت ذاته فإننا نواجه سؤالا يفيد ما إذا كان ينبغي لنا أن نظل صامتين أم لا أمام ما يحدث من صراعات داخلية في بعض الدول وما تفعله الأنظمة الشمولية والطغاة وما يحدث من انتشار لأسلحة الدمار الشامل. هل يمكن أن نلتزم باللامبالاة أمام تلك الأمور؟ بالطبع لا.

ولكنني مقتنع بأن الآلية الوحيدة التي يمكن أن تجعل استخدام القوة المسلحة الخيار الأخير تكمن في الالتزام بميثاق الأمم المتحدة. إن استخدام القوة لا يمكن اعتباره شرعيا إلا إذا صدر به قرار من الأمم المتحدة. ثمة قضية أخرى مهمة تمس بشكل مباشر الأمن العالمي هي محاربة الفقر. فمن ناحية يجري تخصيص موارد مالية لبرامج مساعدة أفقر دول العالم.

ومن ناحية أخرى يتبين أن الدول الغنية تمنح دعمها المحلي لبعض السلع وفي الوقت ذاته تحجب المنتجات عالية التقنية عن الدول النامية. دعنا نسمي الأشياء بأسمائها. فهناك يد توزع المساعدات الخيرية واليد الأخرى لا تُبقي على التخلف الاقتصادي فحسب وإنما أيضا تستفيد منه.

إن التوتر الاجتماعي المتزايد في المناطق المرهقة اقتصاديا يسفر بشكل حتمي عن نمو التطرف والإرهاب والصراعات الداخلية. وفي حال حدوث كل هذا في منطقة مثل الشرق الأوسط التي يوجد بها في الأساس شعور بأن العالم غير عادل، فإنه يكون هناك خطر حدوث حالة من عدم الاستقرار في العالم كله.

يتعين على دول العالم الكبرى إدراك هذا التهديد. ومن ثم فإنه يجب عليها أن تبني نظاما عالميا من العلاقات الاقتصادية يكون أكثر ديمقراطية وأكثر عدلا؛ نظاما يمنح الجميع الفرصة في النمو والتطور.إن روسيا بلد يتمتع بتاريخ ضارب الجذور وتعمل دائما على ممارسة حقها في تنفيذ سياسة خارجية مستقلة.

ونحن لن نغير هذه السياسة اليوم. وفي الوقت ذاته فنحن على علم بحقيقة أن العالم قد تغير وندرك جديا وبشكل واقعي الفرص والإمكانات التي نمتلكها. وبالطبع فإننا نود التعامل مع شركاء لديهم شعور بالمسؤولية والاستقلالية نستطيع التفاعل معهم من أجل بناء عالم عادل وديمقراطي يضمن الأمن والاستقرار ليس فقط للأقلية وإنما للجميع.

ترجمة: حاتم حسين عن: «غارديان»