هل يأتي يوم نودع فيه استخدام النقود كما ودعنا أشياء أخرى كثيرة لم يعد لها وجود في حياتنا بفعل مطرقة التقنية الحديثة؟ هذا السؤال بات يفرض نفسه منذ أن تزايد معدل استخدام بطاقات الائتمان من قبل المسافرين وشاع بين الأفراد العاديين الذين لا يفضلون حمل أوراق البنكنوت لاعتبارات أمنية.
غير أن القضية اكتسبت بعدا جديدا في السنوات الأخيرة، بعد أن تعدى الأمر استخدام بطاقات الائتمان ليشمل استخدام بطاقات ذكية أخرى والاستفادة من التطور الرهيب في عالم التقنيات اللاسلكية، ليتحول الهاتف المحمول إلى أحد البدائل المطروحة بقوة ليحل محل أوراق البنكنوت التي يبدو أنها، مثل أشياء كثيرة في حياتنا، في طريقها لتصبح شيئا من الماضي.
لقد شاع على نحو ملحوظ في الآونة الأخيرة استخدام الهواتف النقالة كأداة لإنجاز مختلف أنواع عمليات الدفع . ففي الولايات المتحدة ، وفقا لمجلة «إيكونوميست»، ارتفع بشكل ملحوظ عدد عشاق فريق كرة السلة «أتلانتا هوكس» الذين يجربون أجهزة معينة من هواتف نوكيا المتصلة ببطاقات الائتمان لدخول الإستاد الذي يستضيف مران فريقهم المفضل، ومن أجل شراء بعض المرطبات التي تباع داخله. غير أن الأمر في أماكن أخرى غدا أكثر تطورا وتعقيدا.
فالمرء يمكنه قضاء يوم كامل في النمسا من دون أن يحمل أي أوراق نقدية أو بطاقات ائتمان وذلك عن طريق شراء كل احتياجاته بالهاتف النقال، بما في ذلك البضائع الاستهلاكية،وفقا لبيان صادر من شركة أرثر دي ليتل، وهي شركة استشارات إدارية. وبحسب تقديرات هذه الشركة فإن حجم المدفوعات عن طريق الهواتف النقالة في العالم، سيرتفع من 2,3 مليارات دولار في 2003 إلى أكثر من 37 مليار دولار في 2008.
وفي قارة آسيا يجري استخدام الهواتف النقالة في شراء كثير من الأغراض. فمؤخرا، أعلنت شركة فيزا وشركة إس كى تيليكوم، وهي شركة الهاتف النقال الأولى في كوريا الجنوبية، تدشين نظام جديد للدفع عن طريق الهواتف النقالة قالت إنه سيفيد أكثر من 30 ألف مشترك في الخدمة.
وفي اليابان تتم مئات الألوف من التعاملات التجارية والصفقات بالإضافة إلى شراء تذاكر السكك الحديدية وابتياع الخضروات عن طريق قيام المستهلك أو العميل بتمرير هاتفه الخلوي في آلة إليكترونية تماما كما يحدث مع بطاقة الائتمان. ويجري تأكيد المعاملة عن طريق سماع صوت جرس مميز يؤكد إنجاز المعاملة.
غير أن الأمر لم يعد يقتصر على أوراق البنكنوت وحدها بل أن هناك عددا من المعاملات المصرفية ستتم عن طريق الهواتف النقالة. فمؤخرا أعلنت 19 شركة هاتف نقال لديها شبكات في أكثر من 100 دولة في مختلف أنحاء العالم أن أصحاب الهواتف النقالة سيكون بوسعهم إرسال الأموال إلى الخارج عن طريق هواتفهم.
وستتولى شركة ماستر كارد مهمة تشغيل هذا النظام، الذي سيجري تنفيذه عبر الرسائل نصية. أما من ليس لديه حسابات بنكية فإن ما لديهم من مال يمكن أن يحول إلى بطاقات، مثل بطاقات الهاتف المسبقة الدفع، يمكن من خلالها شراء الأغراض التي يريدها الشخص من دون أن يضطر إلى حمل الأوراق النقدية.
يقول سونيل بهارتي ميتل، وهو رئيس شركة بهارتي، التي تعد من أكبر شركات الهواتف النقالة في الهند: «أجهزة الهاتف النقال ستُحدث ثورة في عالم تحويل الأموال. فالفكرة تتمثل في أننا يجب علينا اختراق هذا العالم الذي يقدر حجمه ب 250 مليار دولار يقوم بإرسالها المهاجرون والمغتربون إلى أقاربهم وأصدقائهم في أوطانهم سنويا».
وتقوم حاليا شركة فودافون البريطانية ومجموعة سيتي غروب المصرفية بإطلاق خدمة دولية لتحويل الأموال يمكن القول إنها منبثقة من رحم خدمة «إم بي إي إس إيه» لتحويل الأموال، وهي خدمة تعمل بشكل ناجح للغاية في كينيا. يقول السير جون بوند، الرئيس السابق لمجموعة إتش إس بي سي المصرفية البريطانية والرئيس الحالي لفودافون، إن التطورات التقنية الهائلة الحاصلة في العالم تحتم الاستفادة من الهواتف النقالة في إدارة خدمات تحويل الأموال.
و لا شك في أن الحصول على تذكرة القطار أو شراء صحيفة أو فنجان من القهوة عن طريق تحريك الهاتف عبر آلة إليكترونية هو أمر أفضل بكثير وأكثر سهولة من البحث عن نقود في الجيب ويوفر على الفرد قدر الإزعاج الذي قد يتسبب فيه عدم التمكن من الحصول على عملات معدنية لدفع خدمة صف السيارات وما ماثلها.
وجاء نجاح تجربة استخدام البطاقات الذكية مسبقة الدفع التي يستخدمها البريطانيون عند ركوبهم المترو، وكذلك نجاح خدمة مثيله في هونج كونج، ليثبت أن هذه التجربة يمكن توسيعها لتشمل الهواتف النقالة. فقد أثبتت الإحصائيات أن الدفع النقدي لتذاكر المترو في بريطانيا قد انخفض إلى 5% فقط بُعيد استخدام تلك البطاقات. كما أصبحت التذاكر المدفوعة نقدا أكثر تكلفة من البطاقات الذكية.
وقد قدمت شركتا ماستر كارد وفيزا مؤخرا بطاقات بلاستيكية لا يتعين استبدالها مقابل أي مشتريات تقل قيمتها عن 25 دولارا. وفي وقت لاحق من العام الجاري سيجري تجربة نظام مزدوج في لندن يجمع بين خدمة الدفع المسبق لتذاكر المترو وخدمة بطاقات فيزا الموحدة التي يصدرها بنك باركليز البريطاني للقيام بالتعاملات الفورية التي لا تتعدى قيمتها 10 جنيهات إسترلينية.
وتعتمد أنظمة الدفع اللاسلكي على تقنية تعرف اختصارا باسم « إن إف سي» يجري تزويد البطاقات الذكية بها عن طريق شريحة إليكترونية صغيرة. وما يحدث هو أنه يجري تفاعل بين البطاقة المزودة بهذه التقنية وبين الجهاز الإليكتروني الذي يجري تمرير البطاقة داخله. ويقوم هذا الجهاز ببث شحنة كهربائية إلى داخل الشريحة، ما يسمح بتبادل سريع للبيانات من أجل إتمام المعاملة، مثل خصم تعرفة ما من القيمة المخزنة في هذه البطاقة.
هذه الشريحة لا تُكلف سوى سنتات قليلة ويمكن أن توضع داخل أي جهاز نقال. والفكرة هنا تتمثل في أنه بدلا من أي يتم حمل بطاقة ممغنطة أخرى من البلاستيك مثل بطاقات الائتمان فإنه يمكن أن يجري وضع تلك الشريحة داخل الهاتف النقال. وقد تبين أن العمليات التي تتم عن طريق وسيلة الدفع هذه أقل خطورة نسبيا من عمليات الدفع التي تتم عبر بطاقات الائتمان.
فمن ناحية سيضمن التجار الحصول على المبلغ المطلوب ومن ناحية أخرى فإنه حتى في حال ضياع الهاتف فإن الخسارة لن تكون كبيرة لأن التقنية تتيح إغلاق الهاتف عن بعد. ويرى الخبراء أن ما يحدث في المجتمع الياباني حاليا يمثل خير دليل على الأفاق الواسعة التي تنتظر مجال استخدام الهواتف النقالة كأدوات دفع نقدي. فعلى الرغم من أن معظم اليابانيين يملك الواحد منهم أكثر من بطاقة ائتمان،
إلا أن الدفع النقدي لا يزال هو المسيطر على السوق وذلك في ضوء تدني معدل الجريمة بشكل ليس له مثيل في العالم. غير أنه على الرغم من ذلك فإن الفترة القليلة الماضية أثبتت أن الهواتف النقالة في طريقها إلى تغيير وسائل الدفع التقليدية في المجتمع الياباني.
فقد تبين أن الأشخاص الذين هم على عجلة من أمرهم، وما أكثرهم في المجتمع الياباني الذي يسيطر فيه عامل السرعة على إيقاع الحياة بشكل ملحوظ للغاية، يفضلون الدفع عن طريق الهواتف النقالة نظرا لسهولة الاستخدام وسرعته. ومن ثم فقد حلت الهواتف النقالة محل أوراق البنكنوت في عدد كبير من التعاملات النقدية،
وباتت تُستخدم في الأغراض التي من المفترض أنها كانت مقنصرة على بطاقات الائتمان وبطاقات التعريف الشخصي والمفاتيح الممغنطة لفتح الأبواب الخاصة، الخ. فمعظم اليابانيين يعتقدون الآن أن هواتفهم النقالة هي أكثر أمانا حيث إنه إذا تعرضت للسرقة فإنه يمكن إغلاقها عن بعد لحماية ما بها من أرصدة مالية أو أي معلومات قيمة.
جاء في تقرير صادر عن شركة يوروتكنولوجي اليابانية: «نحن نرى أن شركات الهواتف النقالة وكذلك شركات بطاقات الائتمان داخل وخارج اليابان يتعين عليها الاستعداد لإمكانية نجاح أنظمة الدفع عن طريق الهواتف النقالة. فهذا الأسلوب الجديد في الدفع بات يعيد كتابة تاريخ صناعة البطاقات الائتمانية».
إعدادـ حاتم حسين