أجرى موقع «ربليون» الإلكتروني، مؤخراً، حواراً مع المفكر المصري سمير أمين، دار حول موضوعات شتى تنوعت وفق التطورات الجارية على الخارطة السياسية العالمية، حيث يتحدث مثلاً عما يسميه «ميوعة» المشروع الأوروبي ويقول: «أوروبا ليست موجودة،
الموجود هو الوجه الأوروبي للمشروع الأميركي»، ويعرج على الهموم الاقتصادية والسياسية التي تدخل في صلب اهتمامات المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي بات يسمى المنتدى «المناهض لدافوس» الذي انعقد مؤخراً في العاصمة الكينية نيروبي، والذي رغم صغره إلا أن رمزيته كبيرة،
خصوصاً وأنه يشارك فيه ممثلون عن القوى الاجتماعية الكبرى التي تعد من ضحايا السياسات الرأسمالية. كما يتطرق المفكر المصري، الذي يتميز بغزارة إنتاجه الفكري، إلى بؤر الصراعات السياسية في العالم وفي القلب منها الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، حيث يعتبر أن الدولة العبرية ما هي إلا أداة عسكرية ضاربة للقوى الإمبريالية العالمية في منطقة الشرق الأوسط. وفيما يلي نص الحوار:
* انسجاماً مع تحليلك، فإن الرأسمالية والعولمة كانتا موجودتين دائماً، لكن بعد الحرب العالمية الثانية كنا قد دخلنا في مرحلة جديدة تدخل في صلبها استراتيجية الولايات المتحدة القائمة على نشر عقيدة مونروي في العالم بأسره. ما هي، من وجهة نظرك، السمات التي تتميز بها هذه المرحلة الجديدة من العولمة وما هي الأهداف التي تحظى بالأولوية لاستراتيجية الولايات المتحدة؟
ـ في أساس هذه المرحلة الجديدة هناك تحول في الطبيعة الامبريالية (وأنا أتحدث هنا عن الامبريالية وليس عن الإمبراطورية على غرار توني نيجري)، فحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الإمبريالية تتصرف بصيغة الجمع وكانت القوى الإمبريالية في صراع دائم فيما بينها،
ومن ثم شهدنا تحولاً هيكلياً ولد الامبريالية الجماعية التي أطلق عليها اسم «الثالوث» وهو مصطلح رمزي نوعاً ما ومكون من الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، أي مجموع الأجزاء المسيطرة على رأس المال ولديها مصالح مشتركة في إدارة النظام العالمي. ذلك النظام، الذي يمثل شكلاً جديداً للإمبريالية أمام 85% من سكان العالم، «يتطلب» الحرب. وهذه هي على وجه الدقة النقطة التي يتضح من خلالها مشروع «المؤسسة» الأميركية، الذي يعكس وجهة غالبية الطبقة التي تقود المجتمع في الولايات المتحدة والمستعدة للسيطرة عسكرياً على الكوكب.
الولايات المتحدة اختارت شن الهجوم الأول على الشرق الأوسط بسبب سلسلة من الدوافع، يتصدرها دافعان أساسيان: النفط والسيطرة العسكرية على المناطق النفطية الرئيسية في العالم، التي يمكن عن طريقها ممارسة قيادة مسلم بها تشكل تهديداً دائماً لكل القوى الاقتصادية والسياسية المزاحمة . ولأن الولايات المتحدة لديها في المنطقة أيضاً ما أسميه حاملة طائراتها الثابتة، أي دولة إسرائيل، التي تضمن لنفسها عن طريقها أداة ضغط متواصلة ووظيفية باحتلال فلسطين وكذلك العدوان على لبنان كما بات واضحاً مما شهدناه مؤخراً.
* أكدتم أن النزعة العسكرية العدوانية للولايات المتحدة ليست مرادفاً للقوة بقدر ما هي وسيلة لموازنة اقتصادها القابل للانكسار. هل لكم أن توضحوا لنا ما معنى ذلك على نحو أفضل؟
ـ انسجاماً مع النظرية المسيطرة، فإنه من المؤسف أن جزءاً كبيراً من الرأي العام الأوروبي هو ضحية أيضاً، فالتفوق العسكري للولايات المتحدة يمثل المركز السطحي لتفوق يقوم في نهاية المطاف على الفعالية الاقتصادية والهيمنة الثقافية. لكن الواقع هو أن الولايات المتحدة وجدت نفسها في موقع قابل للانكسار إلى الحد الأقصى والذي يظهر في العجز الهائل الحاصل في التجارة الخارجية
ومن تلك الهشاشة يشتق الخيار الاستراتيجي للطبقة القائدة في الولايات المتحدة الذي يصب في استخدام العنف العسكري. ثمة وثائق في البنتاغون تثبت أن الولايات المتحدة اعتبرت أنه من الممكن اللجوء إلى حرب ذرية قد يصل تعداد ضحاياها إلى 600 مليون نسمة، أي ما يعادل 100 محرقة كما كتب دانييل إيلسبيرغ.
* أمام تفرد الولايات المتحدة، يبدو أن أوروبا لا تزال عاجزة عن صياغة مشروع سياسي بديل بشكل حقيقي. كيف يتعين على أوروبا أن تتحرك؟
ـ في هذه اللحظة وعلى الرغم من أن الكثير من الأوروبيين يرفضون ذلك، إلا أني لا أعتقد بأن أوروبا تمر في ظروف تمكنها من أن تشكل عنصراً بديلاً لهيمنة الولايات المتحدة. وسيتعين عليها الخروج من حلف الناتو وكسر التحالف العسكري مع الولايات المتحدة وتحرير نفسها من الليبرالية. غير أن القوى السياسية والاجتماعية الأوروبية تبدو في هذه الساعة مهتمة بأي شيء
ما عدا مشروع من هذا النوع إلى درجة أنها عززت ـ مثلما فعل الحزب الاشتراكي الإيطالي في يومها ـ الروح الأطلسية والتحالف مع الناتو والاشتراكية الليبرالية. ليس هناك أوروبا أخرى في الأفق. وفي هذا السياق، فإن أوروبا ليست موجودة والمشروع الأوروبي هو مجرد الوجه الأوروبي للمشروع الأميركي.
* بيد أن الهوامش الخاصة ببناء «أوروبا أخرى» موجودة، ولقد تحدثتم عن صراع ثقافات سياسية يضع أوروبا في مواجهة الولايات المتحدة.
- الثقافات السياسية لأوروبا قد تشكلت في سياق القرون الأخيرة على قاعدة الاستقطاب بين اليمين واليسار، الذي كان يقف إلى جانب التنوير والثورة الفرنسية والحركة العمالية والثورة الروسية. التاريخ الأوروبي هو تاريخ ثقافات سياسية قائمة على عدم الوفاق، تبسط الصراع وتصل به إلى ما هو أبعد من النسخة المختزلة من الصراع الطبقي. أما ثقافة الولايات المتحدة، في المقابل، فإنها قصة أخرى ولقد تشكلت على أساس أنها ثقافة الإجماع: إجماع على إبادة الهنود الحمر وعلى العبودية وعلى العنصرية. وفي المقام الأول إجماع على الرأسمالية، التي لم تطرح على بساط البحث في الولايات المتحدة.
وإذا كان هناك صراع طبقات، فإنه لا يوجد حالة استقطاب خاضعة لذلك الصراع. وعملياً، فإن موجات الهجرة المتعاقبة، التي بفضلها تشكل الشعب الأميركي، قد استبدلت تكوين الوعي السياسي وأحلت محله وعياً جمعياً. ونحن نشهد اليوم محاولة لـ «أمركة» أوروبا واستبدال ثقافة الصراع وإحلال ثقافة الإجماع مكانها، حيث يستهدف ذلك ألا يكون هناك يمين ويسار ولا مواطنون، وإنما مجتمعات غنية نوعاً ما.
* حقق المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي ولد من رحم تظاهرات سياتل المناهضة للعولمة، صدى معيناً . بيد أن للمنتدى اشتقاقاً «غربياً» أقل بكثير مما يعتقد.
- المنتدى الاجتماعي العالمي هو كيان له طابع غربي يقل كثيراً عن الطابع الذي حمله اللقاء الأول الذي تم في البرازيل وليس صدفة أن تمت اللقاءات التالية في بومباي وباماكو وكاراكاس وكراتشي وأن المنتدى الأخير قد تم في نيروبي . من المناسب عدم نسيان أن منظمة التجارة العالمية قد شلت في سياتل ليس بفعل التظاهرات الأميركية، وإنما بفعل صوت غالبية البلدان السائرة في طريق التطور.
وأول اللقاءات التي دبت الحياة في المنتدى الاجتماعي العالمي كان ذلك اللقاء الذي أطلق عليه اسم «ضد دافوس في دافوس»، حيث خرجت تظاهرة- صغيرة الحجم لكنها كانت ذات قيمة رمزية كبيرة- تم تنظيمها في عام 1999 من قبل منتدى البدائل العالمي،
والتي بفضلها تمكن ممثلو ضحايا السياسات الرأسمالية الليبرالية من مناقشة أجندة دافوس الرسمية . كنا قلائل، لكننا كنا نمثل قوى اجتماعية كبيرة، من نقابيين وسكان أصليين، وكوريين وبرازيليين ومنظمات نسويه وفلاحين وجمعيات افريقية ومدافعين عن الحقوق الاجتماعية والحركات البرازيلية . من هناك ولدت فكرة تحديد لقاء جديد على مستوى أكبر.
ترجمة: باسل أبو حمدة عن «ربليون»