في ختام هذا الكتاب يلقي المؤلف الضوء على جوانب شتى من آليات عملية صنع القرار في واشنطن، ويوضح أنه كما كان صعود المحافظين الجدد في العاصمة الأميركية مذهلاً في ظل إدارة الرئيس جورج بوش فإن غروب شمسهم قد بدأ بمغادرة دونالد رامسفيلد للبنتاغون، وهو ما يعني عملياً أن أحلامهم فيما يتعلق بالشرق الأوسط التي دارت حول مفاهيم مثل «الفوضى الخلاقة» و«الشرق الأوسط الكبير» لن تلبث أن تذوب ثم تموت.
تتجلى شخصية الجنرال الأميركي كولن باول قرب ختام هذا الكتاب في إطار من الاحترام الذي يوليه المؤلف لهذه الشخصية، التي توليّ صاحبها ـ كما هو معروف - مناصب عسكرية كان أهمها رئيس أركان القوات المسلحة الأميركية (وهو بمثابة القائد العام لتلك القوات
حيث أن رئيس الأركان هو أعلى منصب يلي رئيس الدولة بوصف الأخير القائد الأعلى للقوات المسلحة) وعندما تولى الجنرال باول منصب وزير الخارجية وكان ذلك محل ارتياح أفاد كثيرا الولاية الأولى للرئيس بوش، فها هو مسؤول ينتمي إلى الملونّين في الولايات المتحدة ويستند إلى سجل عسكري احترافي يبعث على الاحترام ثم يتولى أكبر منصب دبلوماسي في البلاد.
بيد أن السنوات الأربع التي أمضاهن الجنرال باول في منصب وزير الخارجية لم تكن ـ فيما يبدو أو فيما تسرب من معلومات من هذا المصدر أو ذاك ـ سنوات سعيدة أو باعثة على الرضا الكامل. يقول مؤلف الكتاب في الفصل السابع: مع حلول نوفمبر 2004 كان كولن باول أقرب إلى أسد مهيض يعاني برد الشتاء،
كان شخصية حزينة وإن ظلت تحتفظ بقدر من رصانة الجلال وكأنها كانت تجسد صفوة كانت تنسحب تدريجياً من مسرح الأحداث، ثم يضيف المؤلف قائلا: عندما توارى كولن باول بالفعل مع الولاية الثانية للرئيس بوش فإن ثمة شاهدا يمكن أن يعبر عن فترة توليه وزارة الخارجية يقول إن كان هذا العملاق كان يستحق أفضل مما ناله.
قبل ذلك التاريخ بسنوات أربع كان كولن باول قد انضم إلى إدارة بوش وسط وعود أفضل وآفاق أوسع نطاقا، قدموه في إهاب بطل أميركي، وكان بوش قد وعد الناخبين أنه سيجعل من باول ـ في حالة النجاح في سباق الرئاسة ـ قائدا للفريق المختص بالسياسة الخارجية،
يومها كان مرأى باول إلى جوار المرشح بوش مشهدا يبعث الطمأنينة في نفوس جموع الناخبين، ولم يكن هذا الاطمئنان مستندا إلى فراغ، ولا لمجرد الأمنيات العذبة أو الإعجاب المنبهر بسيرة عسكري شق طريقه عصاميا إلى ذروة المهنة، كان الناس يتصورون أن هذا الاختيار من جانب بوش،
يعني أن الرئيس الجمهوري الجديد سوف يسير على الطريق نفسه الذي اشتهر عن الجنرال باول وهذا الطريق أو النهج يلخصه كتابنا في عبارات تقول: التوسط المتزن أو الاعتدال بغير تطرف في التعامل مع قضايا السياسة الخارجية وهو النهج العملي ـ البراغماتي الذي ظل سائداً ومتبعاً في المكتب الرئاسي البيضاوي طيلة حقبة الرئيس بوش الأسبق.
رسالة إلى الناخبين
إذا كان الاختيار قد اتجه إلى الثنائي ديك تشيني (وزير الدفاع الأسبق) نائبا للرئيس وكولن باول (رئيس الأركان الأسبق) وزيرا للخارجية، فقد شكل هذا الاختيار رسالة إلى جموع الناخبين بأن السياسة الخارجية والعلاقات الدولية للولايات المتحدة سوف توضع في يد الثنائي نفسه الذي شارك طرفاه، تشيني وباول، في نجاح عملية «عاصفة الصحراء»، وقادا تحالفا دوليا واسع النطاق لم يفض فحسب إلى تحرير الكويت بل أفضى كذلك إلى نهاية للحرب الباردة في مطالع التسعينات ولصالح أميركا بالدرجة الأولى.
يقول مؤلف الكتاب ايضا: هذا هو ما توقعه باول بكل تأكيد، بل كان يتوقع ما هو أكثر من ذلك: لقد عاد باول إلى صفوف الخدمة العامة آملا أن ينسج على منوال مثله الأعلى وهو جورج مارشال أشهر شخصية أميركية بعد الحرب العالمية الثانية، وكان مارشال بدوره جنرالا تحوّل إلى وزير
أو كان عسكريا ارتدى ثوب الدبلوماسي بعد أن اختاره الرئيس ترومان ـ كما هو معروف ـ وزيرا للخارجية فكان أن أطلق خطته الشهيرة التي أدت إلى إعادة إعمار أوروبا بعد ويلات الصراع الدولي وحملت خطته الاسم الذي صاغته أدبيات الصحافة العربية في عبارة من كلمتين هما: مشروع مارشال.
كان من أقوى الجوانب في شخصية كولن باول هو الشعور العميق بالولاء، ولكن كان هذا الجانب ـ ويا للتناقض ـ هو أخطر ما في شخصية الجنرال من.. عيوب! وهكذا فمع مرور الأيام، ومع توالي التطورات في الأحداث، أصبح الولاء عبئاً فادحا على كاهل الرجل حيث لم يتحقق ـ كما يؤكد المؤلف ـ أي من التوقعات التي طالما كان يعقد عليها الآمال.
بل وجد الرجل نفسه في حال من التهميش وكأنه ـ بتعبير المؤلف أيضا ـ وجد نفسه محاصرا في فخ الإدارة التي ظل نفوذه في أروقتها يتضاءل مع مرور الأيام، وهكذا ظل المراقبون يرصدون أزمة الجنرال المحترم وقد أحاطته المؤامرات، لا من جانب زميله رامسفيلد وزير الدفاع ـ
بل من جانب رفيق الأمس تشيني الذي عاد من دنيا البزنس بعقلية مختلفة تماما عن أيام بوش الأب، وكان هذا التحول مدعاة لحيرة أشد من جانب وزير الخارجية باول الذي كانت تراوده شكوك كثيرة إزاء عمليات التخطيط والتنفيذ في حملة العراق، وإذ تجاوزه رفاق الأمس، لم يكن أمام وزير الخارجية سوى «أن يواصل دورا حضاريا ملطفا يؤديه في نوع من الوساطة أو التواصل المتحضر بين إدارة عناصر وفصائل المحافظين الصاعدة في واشنطون وبين العالم الخارجي».
مع مدير المخابرات
من جانب آخر عمد باول إلى توثيق علاقاته مع عناصر من معتدلي الإدارة في واشنطون وكان في مقدمتهم جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية. مع ذلك تتمثل المفارقة العجيبة في أن هذه العلاقة الوثيقة، ومن ثم الثقة العميقة التي أولاها باول إلى تينيت، هي السبب في أفدح كارثة حلّت بوزير الخارجية الأميركية وتمثلت ـ
كما قد نذكر، في مشهد الجنرال ـ الوزير وهو يقدم عرضا بالصوت والصورة لما وصفه بأنه أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها نظام صدام حسين في العراق. وكان العرض شيئا مؤسفاً، مجردا من صدق المضمون وصلابة المحتوى،كان أقرب إلى الخدعة الجوفاء ـ أو «الفياسكو» كما يقول التعبير الشائع.
وزادت المأساة ـ كما يوضح الكتاب ـ لأن باول وضع كل ثقله، وكل تاريخه، إلى جانب اسمه ورتبته خلف هذا العرض الذي ما كان ليقدم عليه سوى بناء على تطمينات جورج تينيت، صديقه في جادة الاعتدال، وبعدها لم تنج من التجريح والتشكيك سمعة الجنرال كولن باول للأسف الشديد.
وهنا يفتح المؤلف قوسا قرب ختام الكتاب يكتب فيه السطور التالية: في أعقاب إعصار «كاترينا» الذي شهده خريف عام 2005، وفيما كانت كفاءة إدارة بوش ومصداقيتها مطروحة على محك الاختبار بل والتحقيقات، صرح كولن باول لمحطة «إيه. بي. سي» بأنه أدرك، بيقين، أن العرض الذي قدمه في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشأن أسلحة الدمار الشامل قد أساء بالقطع إلى سمعته،
ولكن الجنرال أصر من جديد على عدم توجيه اللوم إلى تينيت شخصيا بشأن ما تلقاه باول من المخابرات المركزية من معلومات كانت تعوزها الدقة والصواب.وهكذا كان مصير الجنرال، أو كان نصيبه المكتوب ـ كما يقولون ـ على الجبين، لقد عاش فورة النصر الأولى في حرب العراق، وبعدها شهد بالقطع تحّول الأمور إلى الأوضاع الأكثر دموية والأقدح خطورة، وبين الحالتين تبدد حلمه الأثير في أن ينضم إلى سيرة ومآثر جورج مارشال مثله الأعلى في بانثيون العظماء الأميركيين.
بين الدبلوماسية والعسكرية
عند هذه النقطة من طروحات الكتاب يقف بنا المؤلف (ص151 وما بعدها) عند لحظة مواجهة شهدها نوفمبر 2004 بين كل من وزير الخارجية باول ووزير الدفاع رامسفيلد. أصل الحكاية أن وزير خارجية أميركا راعه اتساع زراعة وتجارة الأفيون في أفغانستان بعد انتهاء العمليات العسكرية الأميركية التي أفضت إلى الإطاحة بنظام طالبان في كابول
وتنصيب حامد قرضاي رئيسا للبلاد، في تلك الفترة طالع كولن باول التقارير التحذيرية التي أعدها روبرت تشارلز وكان من مجموعة مساعديه المسؤول عن مكتب مكافحة المخدرات على الصعيد الدولي. كانت تقارير المخابرات المركزية ـ والشهادة لله ـ تصدر حاملة أرقاما مفزعة من حيث تزايد الحجم وتفاقم التأثير بشأن الاتجار في مخدرات الأفيون بالذات الناشئة من أفغانستان. وكان تشارلز، مساعد وزير الخارجية يشعر بالفزع إزاء هذه الظاهرة.
وعلى حد تعبير مؤلفنا كان الرجل جمهوريا حتى النخاع لكن حجم محصول الأفيون سبب له إزعاجا شديدا ويومها شعر بأن من واجبه أن يبلغ كل طرف مسؤول في صفوف ومستويات الإدارة بأن على واشنطون أن تفعل شيئا، أو تتخذ إجراء إزاء هذا الخطر،
وكان يحذر مستمعيه قائلا: لن يمضي وقت طويل حتى نشعر أن ما حققناه من تقدم سياسي في أفغانستان قد أغرقه طوفان الأفيون، ولقد بدأت في دق ناقوس الخطر. وعلى سيادتك ـ من موقعك وفي ضوء أفكارك ـ أن تأخذ هذا الأمر مأخذ الجد لأن الأفيون سوف يلتهم الديمقراطية التي سعينا إليها.
لا عجب أن ينال روبرت تشارلز التأييد، كل التأييد، من جانب رئيسه المباشر، وزير الخارجية كولن باول، لكن العجب أن كانت تقاريره وتحذيراته تلقى إهمالا بالغ الوضوح من جانب البيت الأبيض، وهذا ما حمل إليه شعورا بالإحباط العميق، ولأنه كان لا يفتأ يحذّر من مغبة احتمالات المستقبل، سواء من ناحية خطر الأفيون أو من ناحية تداعيات هذا الخطر على تآكل أي منجزات سياسية أو أي تحولات ديمقراطية أو حتى شبه ديمقراطية في أفغانستان،
فقد وجد الرجل نفسه معزولا أو يكاد يكون معزولا وسط دوائر الإدارة الحاكمة، ولدرجة أن أطلقوا عليه من باب التنّدر لقب «مستر كاساندرا» وهي العّرافة التي تقارب «زرقاء اليمامة» في تراثنا العربي القديم، الفتاة الشابة التي وهبتها السماء القدرة على قراءة المستقبل أو التنبؤ بما ينطوي عليه الآتي من أحداث،
وطبعا كانت التسمية تشي بمواقف السخرية إزاء مسؤول شاب آثر أن يحذّر باستمرار من مغبة احتمالات المستقبل ولم يصل إلى هذه التحذيرات بفعل موهبة النبوءة، لا على مستوى فتاة اليمامة ولا على مستوى كاساندرا في أساطير اليونان، بل كان يتوصل إلى هذه التطورات الخطيرة من خلال مداومة الاطلاع المتعمق على تقارير وكالة المخابرات المركزية الآتية من الميدان ما بين زراعات الأفيون ومعاقل الحكم في أفغانستان.
وبفعل المواجهات التي شابها التوتر بين وزير الدفاع المتفائل دوما، دونالد رامسفيلد، وبين وزير الخارجية الشديد الولاء كعسكري سابق كولن باول، أدت التقارير والتحذيرات البالغة التشاؤم التي ظل يدبجّها مساعد وزير الخارجية روبرت تشارلس إلى أن أبلغوه رسميا من جانب البيت الأبيض بأنه أصبح «غير مناسب» في منصبه بالخارجية
لأنه يرفض أن يلزم الصمت بشأن الأحوال التي كانت متدهورة في أفغانستان. وعندما ظل مصّرا على الكتابة والكلام، جاءت أواخر عام 2004 حين رفعوا رسميا درجة التحذير فقالوا له انه أصبح غير مناسب على الإطلاق.وما ان تولت كوندوليزا رايس حقيبة الخارجية، وكان ذلك في مستهل ولاية الرئيس بوش الثانية حتى أجبرت روبرت (بوب) تشارلز على ترك منصبه وكان ذلك ـ يوضح مؤلفنا ـ في أوائل عام 2005.
خسائر ومغارم
في السياق نفسه يوضح المؤلف أن عملية العراق جاءت على حساب الجهد الحربي في أفغانستان. ويقول انه حتى لو كانت قد صدرت الأوامر إلى البنتاغون لملاحقة زراعة وتجارة الأفيون (المدمرة اقتصاديا وصحيا) في أفغانستان لما استطاع مسؤلو البنتاغون أن يفعلوا شيئا له قيمة، فلم تكن بحوزتهم قوات كافية من حيث العدد والاستعداد لكي يقوموا بهذا العمل في أرض الواقع وعلى نحو مؤثر أو فعال.
ويعترف المؤلف أيضا بأن واشنطون لم تعد تهتم في قليل أو كثير بحكاية آفة الأفيون، بعد أن اكتفت بذلك الانتصار الذي روجت له ميديا الإعلام الأميركي ممثَّلا في إسقاط حكم طالبان في أفغانستان، وكان أن تركوا الأمر إلى البريطانيين (ص155) الذين كانوا مهتمين بعمق بالغ بمسألة الأفيون الذي كان ينتج في الأرض الأفغانية
ثم يجد طريقه في نهاية المطاف إلى شوارع لندن، بيد أن الانجليز بدورهم كانت لديهم قوات عسكرية محدودة وموارد استخباراتية قليلة، أقل بالطبع من الأميركيين. وهكذا ـ يضيف المؤلف ـ «جاء عام 2002 وهو أول سنة تدخل فيها أفغانستان حقيقة تحت السيطرة الأميركية ـ جاء ليشهد انبعاثا دراميا (مثيرا وحافلا) لتجارة الأفيون..
بل وصلت هذه التجارة إلى عنان السماء بعد أن تولت الأمور في العاصمة كابل حكومة أفغانية يؤازرها الأميركيون فكان أن رُفعت قيود المكافحة التي تمارسها الحكومة المركزية لدرجة أن بلغ الإنتاج 1258 طناً من هذا المخدر اللعين في عام 2002 ثم تضاعف هذا الحجم في عام 2003 وبلغ الضعف أيضا في عام 2004 حتى باتت أفغانستان، كما يسجل الكتاب،
(ص156) تنتج نسبة 87 في المئة من مجموع ما ينتج في العالم من مادة الأفيون ويشتق منها كذلك مخدر الهيروين بكل خطورته الجسيمة وبكل أسعاره التي بلغت 7 مليارات دولار في عام 2004 وهو مبلغ كان كفيلا ـ برأي مؤلف هذا الكتاب ـ بأن ينشر آفة الفساد في أوصال أداة الحكم في أفغانستان، ولم يكن مثل هذا الفساد ليقتصر على زراعة المخدرات،
ولا حتى على سلوكيات التربح والانحراف، بل كان محققا أن تنتقل عدواه أيضا إلى مجالات السياسة وقضايا الشأن العام. ويلفت النظر في هذا السياق السطور التي وردت في صفحتي 156 و157، ويحيل المؤلف فيها إلى «بارنت روبين» الذي يصفه الكتاب بأنه أحد ثقات الخبراء الأميركيين الاختصاصيين في أفغانستان.
لقد كتب الخبير الأميركي المذكور في عام 2004 يقول: ان وزير الدفاع رامسفيلد اجتمع إلى عدد من القادة العسكريين الأفغان «الذين كان الناس هناك يعرفون أن كلا منهم كان من الحماة الأساسيين (الأب الروحي بتعبير عصابات المافيا) لتجارة المخدرات. وكانت الرسالة واضحة للعيان: ساعدونا على محاربة الطالبان وبعدها لن يتدخل أحد في عمليات الاتجار التي تمارسونها»!
الرئيس يرفض «ناركوستيت»
من ناحيته لم يأل وزير الخارجية باول أي جهد في مداومة الاتصال بالرئيس بوش، ولا في محاولة إقناعه بأن أميركا لا يجدر بها أن تشجع على قيام «دولة مخدرات» (ناركوستيت حسب تعبير الكتاب) في أفغانستان، وهنا يؤكد المؤلف أن الرئيس الأميركي بدا عليه الاقتناع التام بطروحات ومناشدات وزير خارجيته.
ولكن شدّ ما كان إحباط مساعدي كولن باول حين لم يتخذ الرئيس إجراء فعالا ولا تدبيرا ناجزا ضد دولة المخدرات «ناركوستيت».. وكان في مقدمة هؤلاء المعاونين المحبطين، خائبي الأمل مدير مكتب المكافحة بوزارة الخارجية روبرت تشارلز الذي ألمحنا إليه.
وهنا يصف الكتاب ما آل إليه حال هذا المساعد المتحمس في سطور صفحة 161 التي تعكس من وجهة نظر المؤلف كيف كانت تسير الأمور عند أعلى مستويات الإدارة في واشنطون.. تقول السطور: سرعان ما أدرك تشارلز، وقد غمرته مشاعر من خيبة الأمل الممرورة، أن رئيس الولايات المتحدة لم يكن صاحب الكلمة الأخيرة في كل حالة مطروحة على صعيد الإدارة الحاكمة،
كان تشارلز على وشك أن يكتشف ما كان الوزير كولن باول يعرفه بالفعل: أن دونالد رامسفيلد ومعاونيه في البنتاغون كانوا يتعاملون مع بيانات الرئيس على أنها لا تعدو كونها مجرد بدايات أو استهلال للأمور، بل كان هناك أكثر من مناسبة ـ يضيف المؤلف ـ تَجَاهل فيها وزير الدفاع قرارات صادرة من الرئيس وتم ذلك على مرأى ومسمع من مجلس الوزراء.
وفي ذلك الوقت كانت كوندوليزا رايس، وهي مستشارة الأمن القومي وقتها، عاجزة أو كانت عازفة عن الاضطلاع بمسؤولياتها في التنسيق بين مختلف دوائر الحكم، فلم تعمل على ضبط تصرفات وزير الدفاع الذي ظل سادرا ممعنا في تنفيذ الأجندة التي كان يعتمدها في مجال السياسة الخارجية.
غروب شمس المحافظين
ثم يصل بنا المؤلف إلى خاتمة الكتاب حيث يوازن الصحافي جيمس ريزن بين ما عانته المخابرات المركزية من استضعاف خلال السنوات الخمس المنقضية من حكم الرئيس بوش، وما أصبح يلاقيه خصومها وهم فصيل المحافظين الجدد في إدارة بوش من تضاؤل متواصل في النفوذ الذي كانوا يتمتعون به
وخاصة بعد مغادرة رامسفيلد مكتبه في وزارة الدفاع وسَبَق ذلك مغادرة نائبه الأكثر تطرفا السيد ولفووتز مكتبه من البنتاغون إلى رئاسة البنك الدولي في واشنطون وقبلهما جاء تخلي ريتشارد بيرل الذي كان يحمل أحيانا لقب «أمير الظلام» عن موقعه بدوره إذ كان مسؤولا عن التخطيط الاستراتيجي في وزارة الدفاع الأميركية.
ويخلص المؤلف إلى سطور ختامية يقول فيها: كان الصعود المذهل لمتطرفي المحافظين الجدد في ظل إدارة الرئيس بوش قد أدى إلى انقسام صفوف النخبة من أعضاء الحزب الجمهوري لدرجة أن كثيرا من جمهوريي الوسط (المعتدل) ممن سبق وخدموا الرئيس بوش الأب بدوا وكأنهم أقرب إلى مسار
ودعوات الحزب الديمقراطي المعارض، وكان النموذج الأوضح من هذه النخبة هو برينت سكوكروفت مستشار الأمن القومي للرئيس الأب الذي لم يتورع عن إعلان رأيه قائلا بأن الرئيس بوش الابن قد أصبح مبهورا بل مأخوذا ـ ومسحورا وواقعا تحت تأثير أرييل شارون رئيس وزراء إسرائيل السابق(!)
من ناحيتهم كان المحافظون الجدد يوجهون اللوم إلى وكالات ودوائر شتى ومنها المخابرات المركزية، وكانوا يتهمونها بأنها مملوءة بعناصر البراغماتيين ويرون في ذلك مسبّة، أي القصد أو الرقة أو الاعتدال، وبالنسبة للشرق الأوسط كانوا يتهمون المعتدلين بأنهم ينظرون إلى الشرق الأوسط كما هو،
مع أن المفروض في رأيهم أن ينظروا إلى المنطقة كما «ينبغي» أن تكون.. (ومن ثم كان المحافظون يطرحون شعارات الفوضى المنظَّمة.. أو فرض الديمقراطية، دع عنك مخططات الشرق الأوسط الكبير، أو الجديد، كانت هذه كلها أحلاما. لكن الأحلام.. لا تلبث أن تذوب.. ثم تموت، خاصة إذا ما كانت أحلاما متطرفة تراود فريقا من غلاة المتطرفين.
عرض ومناقشة: محمد الخولي