يبدو أن وزير الخارجية الأميركي الجديد روبرتس غيتس على دراية جيدة بقوانين اللعبة، فقد ظهر ذلك جليا في تعامله العالي الحرفية مع الهجوم العاصف الذي شنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أميركا من على منبر مؤتمر الأمن الذي عُقد في مدينة ميونيخ الألمانية مؤخرا.
لقد قال غيتس: «باعتباري أحد مخضرمي الحرب الباردة، فقد ذكرني ما سمعته في خطاب الأمس بأوقات أقل تعقيدا». ومضى المدير الأسبق لوكالة الاستخبارات الأميركية في الحديث موجها كلامه بشكل مباشر إلى بوتين، حيث قال: «لقد عملت تماما مثل محدثكم الثاني بالأمس في مهنة الاستخبارات. وأعتقد أن الجواسيس السابقين لديهم عادة التحدث بشكل فظ وغليظ».
وأضاف غيتس: «غير أنني انتقلت إلى مجال آخر قضيت فيه السنوات الأربع ونصف السنة الماضية عندما توليت منصب رئيس إحدى الجامعات وتعاملت مع مناخ الكليات. وكما تعلّم عدد كبير من رؤساء الجامعات في السنوات الأخيرة، فإنه عندما يتعلق الأمر بالكليات فإنه إما أن تكون لطيفا أو ترحل».
وأضاف غيتس أنه سيذهب إلى موسكو للتحدث مع المسؤول السابق في الاستخبارات السوفييتية كي جي بي الذي سيترك منصب الرئيس خلال الفترة التي سيرحل أيضا فيها الرئيس الأميركي جورج بوش إلى كروفورد. أمر رائع بالطبع.
أحد الأخطاء التاريخية للإدارة الأميركية الحالية هو أنها استعدت روسيا التي كان الفوز بصداقتها أحد الإنجازات الكبيرة لإدارتي رونالد ريغان وجورج بوش الأب.وأحد فروض السياسة الخارجية لهذه الدولة هو أن يصلح الساسة ما وقع من أضرار.
ماذا فعلنا كي نستعدي روسيا؟
عندما انتهت الحرب الباردة قمنا نحن باستغلال لحظة التحول إلى «عالم القطب الواحد» حيث تحولت أميركا إلى القوة العظمى الوحيدة التي تسعى إلى الحصول على هامش التفوق الجيوسياسي على حساب روسيا.
فعلى الرغم من أن الجيش الأحمر قد انسحب من شرق أوروبا بشكل طوعي وشعرت موسكو أن هناك تفاهما ضمنيا بيننا على أننا لن نحرك قوات الناتو إلى الشرق، إلا أننا قمنا باستغلال الفرصة. فلم نقم بضم بولندا إلى الناتو فحسب وإنما قمنا أيضا بضم لاتفيا وليتوانيا وإيستونيا وبشكل فعلي كل أعضاء حلف وارسو، الأمر الذي وضع قوات الناتو أمام الحدود الروسية. والآن هناك مشروع لضم أوكرانيا وجورجيا من منطقة القوقاز، التي هي مسقط رأس ستالين.
ثانيا، دعمت أميركا خط أنابيب لنقل نفط بحر قزوين من أذربيجان عبر جورجيا إلى تركيا متجاهلا الأراضي الروسية.
ثالثا، على الرغم من أن بوتين قد أعطى الضوء الأخضر لاستخدام قواعد في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق من أجل تحرير أفغانستان، فإنه من الواضح الآن أننا مصممون على الإبقاء على تلك القواعد في آسيا الوسطى بشكل دائم.
رابعا، على الرغم من أن بوش باع أنظمة صواريخ دفاعية موجهة ضد الدول المارقة مثل كوريا الشمالية، إلا أننا نعلم الآن أننا في طريقنا إلى وضع أنظمة مضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية. ضد من ستوجه تلك الصواريخ؟
خامسا، نحن نقوم من خلال الهيئة القومية للديمقراطية وعبر فروعها الحزبية وعبر المؤسسات البحثية، التي يتم إعفاؤها من الضرائب، وكذلك عبر مؤسسات «حقوق الإنسان» مثل مؤسسة فريدوم هاوس التي يترأسها مدير عام «سي آي إيه» السابق جيمس ويسلي- نقوم عبر تلك المؤسسات بالتحريض على إحداث تغيير في الأنظمة الحاكمة في أوروبا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق وفي روسيا ذاتها.
لقد نجحت الثورات التي حظيت بدعم أميركي في كل من صربيا وأوكرانيا وجورجيا ولكنها فشلت في روسيا البيضاء. والآن فرضت موسكو قيودا قانونية على الوكالات الأجنبية التي تعتبرها، ولها مبررها في ذلك، عناصر مخربة للأنظمة الحليفة لموسكو.
سادسا، لقد شنت أميركا حملة قصف استمرت 78 يوما على صربيا بسبب جريمة الاعتداء على إقليم تابع لها أعلن التمرد عليها وهو كوسوفو وبسبب رفضها منح الناتو حقوق استخدام أراضيها. ومن المعروف أن روسيا الأم لها مصالح دائمة مع دول منطقة البلقان الأرثوذوكسية.
تلك هي شكاوى بوتين. ألا تحمل تلك الشكاوى شيئا من المنطق؟ لقد شجب جو ليبرمان ما وصفه بـ «بعبارات بوتين النارية التي ترجعنا إلى زمن الحرب الباردة».
ولكن ألم نقم نحن بما يمكن عدلا أن يوصف بأفعال تنتمي إلى حقبة الحرب الباردة؟
كيف ستكون ردة فعلنا اليوم إذا قامت الصين بضم كوبا ونيكاراغوا وفنزويلا داخل تحالف عسكري وأقنعت المكسيك ببيع نفطها إلى بكين وبتجاهل أميركا ثم بدأت في التدخل في شؤون أميركا الوسطى ودول الكاريبي من أجل إلحاق هزيمة انتخابية بالأنظمة الصديقة للولايات المتحدة؟ ماذا سيكون رد فعلنا تجاه خطوة روسية لوضع صواريخ مضادة للصواريخ في غرينلاند؟
يقول غيتس إننا خضنا حربا باردة ولا نريد حربا أخرى. ولكن موسكو ليست هي التي تشكل تحالفا عسكريا ضدنا يقف على حدودنا وليست هي التي تبني قواعد عسكرية وتضع أنظمة صاروخية مضادة للصواريخ بالقرب من أراضينا.
لماذا نفعل ذلك؟ إن بلدنا ليس في طريقه إلى خوض حرب مع روسيا حول استونيا. ففي الوقت الذي يعاني فيه جيشنا من جبهتي تمرد، كيف يتسنى لنا القتال؟ بضرب موسكو وسانت بطرسبرغ؟
فكما خدعنا أنفسنا بالاعتقاد أن هذه الحرب ستكون سهلة وبأن الديمقراطية سوف تعم الشرق الأوسط وبأن العراقيين سيحبوننا، فإن أميركا اليوم قد قطعت على نفسها تعهدات تعود إلى زمن الحرب الباردة في الوقت الذي لا نملك فيه الموارد التي تساعدنا على الوفاء بها. نحن نعيش عالما من الخداع الذاتي.
أثناء الحملة الانتخابية في هذا البلد يجب أن يكون هناك من يعود بنا إلى الواقع. فقد ولت أيام الإمبراطورية الأميركية.
عن: «انفورميشن كليرينج هاوس»