النجاح الكبير الذي حققه مسلسل التشويق الأوروبي «عقول إجرامية» (كريمينال مايندز) تعدى الإعجاب العادي الذي قد يتملك المشاهد عندما يتابع مسلسلاً أو فيلماً تلفزيونياً تروق له طريقة إخراجه أو أداء الممثلين فيه.

فالأمر مع «كريمينال مايندز»، هذا المسلسل الذي وصل عدد مشاهديه إلى أكثر من 8 ,16 مليوناً في بريطانيا، جد مختلف. فقد تبين من خلال استطلاعات الرأي أن المسلسل بالفعل دفع البعض إلى محاولة طرق مجال علم النفس الإجرامي والحصول على فرص عمل به.الشخصيات الرئيسية في هذا المسلسل هم علماء نفس اختصاصيون في مجال علم النفس الجنائي ويعملون في وحدة للتحليل السلوكي. هؤلاء العلماء يستخدمون معرفتهم وخبرتهم بطبيعة العقل الإجرامي في القبض على الجناة قبل أن يُقدموا على اقتراف جرائم جديدة. المسلسل يطرح السؤال الملح التالي: كيف يمكن للفرد أن يقرأ ما يفكر فيه الشخص صاحب العقل الإجرامي؟

يقول المنتج التنفيذي للمسلسل إيد بيرنارو إن كل حلقة من ذلك العمل لها مرجعيتها الواقعية في الحياة الحقيقية وأنه قد تم الحصول على رخصة فنية لقولبة الأحداث بشكل درامي، الأمر الذي بدوره طرح سؤالاً آخر وهو أي من ملامح المسلسل حقيقية وأيها خيالية درامية؟يصور المسلسل الطبيب أو العالم النفسي باعتباره عنصراً من عناصر المجتمع يلعب دوراً أكثر فعالية بكثير مما يتصوره الناس العاديون. يقول مارك زوكر، وهو الرئيس الأكاديمي لكلية العدل الجنائي في جامعة كابلان: «نحن كلنا نجد متعة في متابعة أحداث الإثارة وعمليات مطاردة الجناة والقبض عليهم.

في تلك الأحداث لا يظهر دور عالم النفس لأنه لا يكون مصاحباً لرجال الشرطة عند مسرح الجريمة أو عند القبض على الجاني. غير أن معظم الناس ينسون أن كثيراً من عمليات المطاردة والضبط تلك سبقتها أسابيع كثيرة بل شهور وأحياناً سنوات من العمل والإعداد من جانب علماء نفس من أجل فك رموز بعض القضايا وربط الخيوط حتى يتمكن رجال الشرطة من الوصول إلى الهدف».

وبينما تبدو حقيقة مهنة عالم النفس الجنائي مختلفة عن تلك التي شاهدها المتابعون في مسلسل « كريمينال مايندز» إلا أن حقيقة المهنة هي أيضاً مثيرة للغاية. يقول الدكتور كيث دوركين، رئيس قسم علم النفس وعلم الاجتماع في جامعة أوهايو نورثيرن:

«العمل في مجال علم النفس الجنائي ممتع للغاية. وإذا كان الشخص يتمتع بقدر من التعليم في هذا المجال فإن طرق ميدان علم النفس الجنائي سيؤهله لعدد كبير من الوظائف. أثناء عملك في ذلك المجال يمكنك إنجاز شيء مختلف كل يوم. فأنت يمكنك إسداء النصح لأناس ارتكبوا جرائم من قبل ويحتاجون إلى تقييم نفسي. عدد كبير من علماء النفس يأخذون في استكشاف مجالات عمل مرتبطة بالكمبيوتر مثل دراسة أسلوب حياة مجرمي الشبكة العنكبوتية أو المساعدة في مكافحة عمليات النصب الالكترونية».

ويؤكد الدكتور دوركين أن علم النفس الإجرامي يتطور كل يوم ولا يزال أمامه آفاق تطور واسعة للغاية. ويضيف في هذا الصدد: «من المستحيل أن نعلم إلى أين سيأخذ المستقبل هذا المجال. فأنا على سبيل المثال لم أكن أعلم عندما بدأت في هذه المهنة أنني في يوم من الأيام سأذهب إلى مساعدة من يرتكبون الجرائم الجنسية على الإنترنت. فعندما بدأت هذه المهنة لم يكن هناك إنترنت بعد».

في ضوء النمو السريع للأنشطة الإجرامية المرتبطة بالإنترنت أصبح هناك حاجة ماسة إلى الإلمام بالتكنولوجيا الحديثة بين رجال تطبيق القانون. فبحسب إحصائيات مكتب العمل البريطاني فإن فرص العمل في جميع ميادين تطبيق القانون سوف تنمو بنسبة تتراوح بين 9 % إلى 15 % بحلول عام 2014.

يقول دوركين: «عالم النفس يقضي جزءاً كبيراً من وقته أمام شاشة الحاسب الآلي في قراءة الكتب والمقالات وفي مقابلة المشتبه فيهم والمجرمين. كما أنه يجري الاستفادة من خبرة عالم النفس الجنائي في تعليم وتثقيف الأفراد الآخرين العاملين في مجال كشف الجريمة». ويضيف دوركين: «علماء النفس يؤلفون الكتب وينشرون المقالات ويحاضرون في الجامعة ويدرسون في مجال تطبيق القانون».

ومن أجل أن يستطيع الشخص الحصول على وظيفة في هذا المجال، فإنه يحتاج إلى تدريب جيد ومناسب. يقول دوركين: « غالبية علماء النفس العاملين في هذا المجال حاصلون على شهادات دكتوراه في علم النفس. غير أن درجة الماجستير قد تكفي للالتحاق ببعض الوظائف في هذا المجال.

وفي الوقت ذاته فإن المجال ليس مقتصراً على أصحاب الدراسات العليا فحسب، فالأشخاص الذين لديهم درجة البكالوريوس في علم النفس يمكنهم العمل في مجال تطبيق القانون في إطار فريق عمل يتكون من عدد من علماء النفس».

يقول ستيفين هاندرز مارك، وهو أستاذ علم النفس في جامعة أوهايو نورثيرن، إن الركن الركين في علم النفس الجنائي هو أن تبحث في أسباب الفعل وليس في كيفية ارتكابه.

ويضيف في هذا الشأن: « جوهر هذا الفرع من العلم يقوم على دراسة الدوافع وراء ارتكاب الفعل. هناك دوافع معينة وراء أن يقوم قاتل على سبيل المثال بربط الضحية وخنقها أو عندما يتعقب عاهرة أو يقتل عارضة أزياء، الخ».

ويقوم هاندرز مارك بإيضاح تلك المفاهيم إلى طلابه في الجامعة حيث يطلب منهم دراسة ما أجراه هو وزملاؤه من الأساتذة من مقابلات مع المجرمين بجانب شرح حالات إجرام سابقة ويلجأ أحياناً إلى إعادة تمثيل بعض الجرائم حتى يقوم الطلبة بتحليلها.

غير أن الدكتور دوركين يقول إن هذه المهنة لا تناسب الجميع. ويضيف في هذا الصدد: رأيت أن الناس أعجبوا بشدة بمسلسل «عقول إجرامية». عند بعض الناس تترك تلك الوظيفة أثراً سيئاً حيث تحولهم إلى أناس يشكون في كل من حولهم وتتولد لديهم نظرة ساخرة عن كل ما يجري في العالم.

غير أنه عندما يتعلم الشخص قواعد العمل في هذه المهنة فإنه من المستحيل أن يجد ما هو أفضل منها. نحن تتاح لنا فرصة أن نشهد أعنف جرائم القتل وفي الوقت ذاته تتاح لنا فرصة وقاية الناس منها عن طريق العلم والتعلم. وهذا هو أفضل ما في المهنة.

إعداد: حاتم حسين