ينتقل المؤلف عند هذا المنعطف من الكتاب إلى إلقاء الضوء على الصراعات الدائرة بين مختلف مراكز القوى في الإدارة الأميركية، فيشير إلى الكيفية التي استطاع بها دونالد رامسفيلد وزير الخارجية الأميركي آنذاك فرض سطوته وتشكيل فريق عمل مؤثر مع ديك تشيني نائب الرئيس الأميركي، بما في ذلك تهميش دور مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، حيث كان تشيني هو المسؤول الفعلي عن الأمن القومي، وليس كوندوليزا رايس خلال الولاية للرئيس جورج دبليو بوش.
ويلقي المؤلف الضوء على تأثير أحداث الحادي عشر من سبتمبر على آلية العمل في هذه الدوائر، حيث وجدت البيئة المثالية لعمل تشيني ورامسفيلد، حيث أصبحت القرارات تصدر في إيقاع لاهث، واستبعدت البيروقراطية التقليدية، ومن هنا جاءت قرارات الحرب في كل من أفغانستان والعراق. «كاسوس بيلي» ـ أو حالة الحرب لم تشتعل فقط على أرض العراق بل إنها اندلعت أيضا بين هذه الأطراف المتنافسة داخل تلافيف الإدارة الأميركية.
والغريب ـ يوضح المؤلف ـ أن العلاقات بين أعلى مستويات البنتاغون والمخابرات المركزية كانت على ما يرام، سمناً على عسل كما يقولون، في السنوات الأولى من رئاسة جورج بوش.
السبب كما يراه المؤلف يتمثل في أن مدير المخابرات كان يضمر نوعا من الخشية وربما الرهبة إزاء وزير الدفاع ولهذا كان رجل المخابرات يعمد إلى تزويد سيّد البنتاغون بقصص وطرائف يستقيها من عالم المعلومات التحتية أو السرية لزوم التسلية أحيانا ولزوم التوعية بما يدور في كواليس العالم في بعض الأحيان، كيف لا ورجل البنتاغون الأول يسيطر بحكم موقعه على 80 في المئة من ميزانية عالم المخابرات في الولايات المتحدة بأسرها! يضيف المؤلف قائلا:
من ناحيته كان الوزير رامسفيلد يستمتع بصحبة تينيت، ولو أن هناك مناسبات لم يتورع فيها الوزير عن توجيه عبارات خشنة، بل موجعة (ص63) إلى مدير المخابرات وعلى مسمع ومرأى من جمع آخرين، وهناك لحظات شهدت وزير الدفاع وهو يستمع إلى طرائف عالم المخابرات، السفلي كما قد نسميه، وبعدها يميل رامسفيلد على واحد من مساعديه في سؤال وجواب:
ـ هل كنت أنا بحاجة إلى أن أسمع هذه الأقاويل؟
ـ لا يا معالي الوزير، أنت لم تكن بحاجة إلى سماعها.
سطوة رامسفيلد
بالمناسبة ـ يشير المؤلف ـ إلى أن مدير المخابرات لم يكن المسؤول الوحيد في إدارة بوش الأولى الذي كان يشعر بالتهيب إزاء سطوة رامسفيلد. لقد أعلن وزير الدفاع منذ اللحظة الأولى أنه لن يتلقى أي أوامر من مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض (حيث كانت كوندوليزا رايس) وأنه لا يعرف سوى مستوى أعلى واحد اسمه الرئيس جورج بوش.. (ولو كان رئيسكم يريد شيئا من البنتاغون فعليه أن يتفضل بإبلاغي مباشرة وشخصيا .
وليس عن طريق الآنسة كوندي دع عنك معاونيها). وبعدها سارت الحكاية بأن وزير الدفاع أوحى إلى مساعديه الكبار في البنتاغون بأن يفعلوا الشيء نفسه الأمر الذي جعل كوندوليزا، رغم كونها المستشار الرئاسي للأمن القومي، عاجزة تماما عن الإمساك بأعنّة الأمور في دوائر الدفاع الأميركية.
فما بالك عندما يضيف مؤلف هذا الكتاب (ص65) أن رامسفيلد كان يستند أصلا إلى تحالف قام بينه وبين تشيني نائب الرئيس الذي كان (ولايزال) يشكل أكبر وأقوى مركز قوة في البيت الرئاسي، ولدرجة يقول معها المؤلف أن تشيني كان هو المسؤول الفعلي عن الأمن القومي، وليس رايس خلال الولاية الأولى للرئيس بوش ـ الابن.
ومن غرائب المصادفات أن رامسفيلد كان بالنسبة لتشيني في موقع المعلم والأستاذ ورئيس العمل في سابق الأيام وأن الرجلين عرفا من بعد كيف يعملان كفريق شديد التكامل ولدرجة أن كانت كوندوليزا رايس ـ كما ينقل المؤلف عن واحد من معاونيها ـ من أضعف مسؤولي الأمن القومي، ولدرجة أن أفضى الأمر إلى نتيجة يلخصها المؤلف في هذه العبارات:
ـ كانت النتيجة أن إدارة بوش الابن كانت أول رئاسة في التاريخ الحديث تبّوأ فيها البنتاغون مركز الجاذبية المهيمن بغير منافس على السياسة الخارجية للولايات المتحدة (نلاحظ هنا أن المؤلف أسقط بدوره جهود تهميش وزير الخارجية السابق المعتدل كولن باول).
في هذا الإطار كان بوسع الثنائي رامسفيلد ـ تشيني أن يفعلا كل ما يروق لهما (ص64) في حين كانت رايس عاجزة عن أن تفعل أو تنجز شيئا مذكورا.
ـ ماذا حدث إذن بعد 11 سبتمبر 2001؟
يجيب المؤلف قائلا: طرأت تحولات جذرية راديكالية ومفاجئة على السياسة الخارجية. زمان، وفي ظل الظروف الطبيعية، كانت السياسات الجديدة تستغرق وقتا طويلا في دراستها وهندستها ورسم معالمها والى حد الشهور وأحيانا السنين، لأن الأمر وقتها كان يقتضي استطلاع آراء ومداخلات دوائر ووكالات حكومية مختلفة ومتعددة، بما في ذلك آراء الكونغرس وخاصة لجانه النوعية المعنية بهذه القضية أو تلك.
وفي هذا السياق كان مسؤول هذا اللوبي أو تلك الجماعة المصلحية، فضلا عن سفراء الدول الأجنبية يقومون بأدوارهم ويطرحون مساهماتهم. وفي سياق هذه العملية ـ يضيف المؤلف ـ كان الفرقاء يصلون إلى حلول وسط ويلتمسون حد التراضي بين الأطراف ويحرصون على تلطيف أو ترقيق وصقل الأمور للتخلص من خشونة المواجهة.
ولو سارت الأمور على ما يرام كان الاقتراح يصل إلى مكتب الرئاسة البيضاوي والى كبار معاوني الرئيس وقد أصبح أقرب إلى التوافق بين آراء مختلفة ومنظورات ومنطلقات كانت متباينة ومن ثم يطرح الاقتراح ويتخذ القرار من موقع التوسط بمعنى الاعتدال وبمعنى الابتعاد عن التطرف ذات اليمين أو ذات اليسار.
كل هذا انتهى بعد 11 سبتمبر، لقد تسارعت وتيرة الاجتماعات التي كان يعقدها الرئيس بوش وكبار وزرائه ومستشاريه بشكل متواصل، وكان طبيعيا أن تصدر القرارات في إيقاع لاهث متتابع، وربما كانت تصدر من وحي اللحظة أو بدفع الأحداث، تصدر على الطاير.
كما يوضح مؤلف هذا الكتاب. صحيح أن البيروقراطية كانت ، بمعنى التنظيم الإداري الطبيعي موجودة في تلك المرحلة، لكنها استُبعدت وتم تهميشها لصالح المسؤولين الذين كانوا قادرين في تلك الفترة المحمومة الملتهبة على أن يردوا بسرعة ويتجاوبوا بغير توان ويطرحوا آراءهم بأكبر قدر من ثبات اليقين، ويصف مؤلفنا، جيمس ريزن، هذه الأجواء قائلا:
ـ كانت تلك هي البيئة المثالية إلى حد الكمال التي تناسب كلا من نائب الرئيس تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد.
مطلوب كلب واحد!
وسط هذه البيئة كان طبيعيا أن يعمد الشريكان النائب والوزير، إلى تحجيم مدير المخابرات المركزية. صحيح أن جورج تينيت كان لا يفتأ يردد مقولته الذائعة:
ـ أنا ولد خشن حازم من حواري كوينز في نيويورك.
لكن الأصح كما يوضح الكتاب (ص67) أن مدير المخابرات وقتها كان شغوفا بشيء أساسي هو أن يرضى عنه الآخرون، فما بالك أن يكون في مقدمة هؤلاء الآخرين وزير البنتاغون الذي لم يتورع عن إطلاق سلسلة من المبادرات التي أدت إلى تقليم أظافر الوكالة المركزية ومن ثم الحد من سلطات وصلاحيات مديرها، خاصة وقد جاء رامسفيلد إلى وزارة الدفاع وفي مقدمة أهدافه توحيد هذا التعدد في أجهزة الاستخبارات التابعة له، ويومها أطلق عبارته الشهيرة بوجه مساعديه قائلا:
ـ أيها السادة أنا أريد كلبا واحدا يمارس الرفس(!)
وكان يعني ـ كما يفسر المؤلف ـ إيجاد مستشار أعلى يدير كل أطراف إمبراطورية المخابرات التابعة للبنتاجون من أجل أن تصبح جميعا تحت سيطرة الوزير وطوع بنانه.
ثمة عامل آخر يوضحه الكتاب ويتمثل في حقيقة أن عملية أفغانستان كانت منفَّذة في الأساس تحت إشراف المخابرات المركزية حيث كانت قواتها شبه العسكرية تتعاون مع وحدات العمليات الخاصة. يومها لم يقتنع وزير الدفاع بأن يكتفي بالمقعد الخلفي في عربة أفغانستان بل أراد أن يستلم زمام المبادرة ويقفز إلى حيث عجلة القيادة.
وفي كل حال كانت مسألة أفغانستان أمرا يهون ولو بصورة نسبية، خاصة حيث تَوَافر لأميركا ولمخابراتها خبرة سابقة في مسرح العمليات الأفغاني منذ أيام مقاومة الغزو ـ الاحتلال السوفييتي في عقد الثمانينات.أما المشكلة التي استجدت بعد أفغانستان فكانت أعمق ضررا وأشد خطرا.
يقول مؤلف الكتاب عند منتصف الفصل الثالث، ولا ننسى أن عنوانه هو حالة الحرب ـ كاسوس بيللي باللاتينية: بينما ظل رامسفيلد يمارس ضغوطه بعد 11 سبتمبر 2001 بشأن السيطرة على العمليات السرية للمخابرات كان بول ولفووتز نائبه في وزارة الدفاع وغيره من عناصر المحافظين الجدد في البنتاجون، فضلا عن حلفائهم في مكتب تشيني، نائب الرئيس، يمارسون ضغوطا بغير هوادة للحث على المضي قدما في قضية سامة اسمها غزو العراق.
كان الموقف إزاء صدام حسين مختلفا في المخابرات المركزية عنه في دوائر المحافظين المتطرفين في البنتاجون. من ناحيتها كانت المخابرات المركزية تكثّف جهودها بعد أحداث 11 سبتمبر على ملاحقة أسامة بن لادن. ومن ناحيتهم كان صقور البنتاغون شغوفين بقضية غزو العراق وإسقاط النظام الحاكم وقتها في بغداد.
لكن كانت هناك دولة بعينها في الشرق الأوسط هي التي تؤرق دوائر الوكالة المركزية ولم تكن هذه الدولة هي العراق، بل كان اسمها.. إيران وخاصة في ضوء ما يصفه مؤلف الكتاب بـ قدراتها النووية الناشئة، فضلا عن روابطها الوثيقة بمنظمات عاملة في المنطقة. أكثر من هذا، لم تكن الوكالة المركزية ترى في صدام حسين ولا نظامه خطرا داهما ولا وشيكا يهدد أميركا وكان هذا أمرا يثير سورات من الغضب الجامح في نفوس المحافظين الجدد من صقور البنتاجون.
والأدهى من هذا أيضا أن محللي الوكالة المركزية ـ كما يؤكد المؤلف ـ (ص72 وما بعدها) أعلنوا عند سؤالهم أنهم لم: «يصادفوا أي دليل أو قرينة على تورط عراقي في أحداث 11/9/2001 ولا يملكون أي دليل حاسم بشأن علاقة إرهابية بين صدام حسين وأسامة بن لادن».بيد أن هذه الإجابات لم تكن محل رضا ولا ارتياح من جانب ولفووتز ولا دوغ فيث مساعِدُه في وزارة الدفاع، لشؤون السياسات.
سنوات الحرب الباردة
هنا تعود بنا تحليلات المؤلف لسنوات وأحداث إلى الوراء، أيام الحرب الباردة حين سبق لولفووتز أن انتقد الوكالة المركزية لأن تقديراتها لم تكن خشنة ولا ساخنة بما فيه الكفاية بشأن الخطر الذي تمثله دولة (مارقة) بتعبير التسعينات مثل كوريا الشمالية.. وفي هذا السياق يقول المؤلف:
يومها ساء ولفووتز وأثار حفيظته أن الوكالة المركزية لم تكن (صقورية) بما فيه الكفاية بل كانت أقرب إلى الليونة والنعومة في تقديراتها ويومها أيضا لم يفسر الرجل هذا الموقف على أنه التزام بالحقيقة الموضوعية التي أكدتها المعلومات المتوافرة بل شاء أن يفسرها (بصورة أيديولوجية كما نتصور من جانبنا) فكان أن وصف تقديرات المخابرات المركزية بأنها نموذج على «الخيانة الثقافية ـ الفكرية في مجتمع الاستخبارات».
بل وصل الأمر إلى أن وصف السي. آي. إيه بأنها «مؤسسة مارقة(!) مغرورة ومتقاعسة عن مؤازرة راسمي السياسات في دوائر الإدارة الأميركية». في السياق نفسه يرصد مؤلف كتابنا ـ الصحافي الأميركي جيمس ريزن ـ ملمحا لم يلق ما يستحقه من اهتمام. يقول المؤلف (ص72): لقد لعبت المخابرات الإسرائيلية دوراً خفيا في إقناع بول ولفووتز بأن ليس بوسعه أن يثق في وكالة المخابرات المركزية الأميركية(!) ويواصل المؤلف الحديث في هذه النقطة قائلا كان مسؤولو المخابرات الإسرائيلية دائمي السفر إلى واشنطون لإحاطة المسؤولين الأميركيين بما يدور..
ولكن مسؤولي الوكالة المركزية كانوا يتشككون في تقارير المخابرات الإسرائيلية إذ كانوا يعلمون أن الموساد (الصهيوني) كان يصدُر عن تحيز شديد للغاية بل واضح بجلاء ـ ضد العالم العربي، ولهذا ففي أعقاب كل زيارة إسرائيلية كانت الوكالة المركزية تُصدر تقارير يتم توزيعها على دوائر الحكومة الأميركية ولكنها كانت تهوّن إلى حد كبير من شأن ما كان الإسرائيليون يقدمونه (من معلومات أو تقديرات).
المشكلة أن ولفووتز استشاط وسائر صقور المحافظين في البنتاغون غضبا إزاء هذا الأسلوب، وكان أن شرعوا في إجراء مقابلات وعقد اجتماعات شخصية مع كبار مسؤولي المخابرات الإسرائيلية ومن ثم ساد التوتر إلى درجة الحرب الخفية بين البنتاغون وبين لانجلي (مقر المخابرات المركزية).
وسواس اسمه العراق
الغريب أن ثمة مسؤولين كباراً صرحوا لمؤلف الكتاب أن ولفووتز (هو الآن رئيس البنك الدولي) كان يشعر بندم عميق، أو بعقدة ذنب جسيمة بل هائلة حسب تعبير مؤلفنا، لأن إدارة بوش الأب لم تعمل على الإطاحة بصدام حسين في نهاية حرب الخليج الأولى عام 1991.
كان الصقر الأميركي يشغل منصب مدير السياسات في وزارة الدفاع وأعلن معارضته وقف سير الحرب بعد إنجاز تحرير الكويت ولم يستطع الضغط لتنفيذ ما يراه وما لبث الأمر أن تحوّل إلى نوع من الوسواس أو الهاجس الذي يملك عليه عقله في الليل وفي النهار، وها قد سنحت له فرصة الاستجابة إلى وسوسة الهاجس شديد الإلحاح، وعندما لم تستجب تقديرات الوكالة المركزية لطلباته فقد أنشأ من جانبه وحدة استخبارات خاصة داخل وزارة الدفاع عرفت باسم: «مجموعة تقويم مكافحة الإرهاب».
وكانت مهمتها غربلة المعلومات والتفتيش عن أي رابطة يمكن أن تصل بين العراق وتنظيم القاعدة. بعدها تحولوا إلى التقاط وتأييد المنشق العراقي أحمد الجلبي الذي كانت المخابرات المركزية قد استخدمته في أوائل التسعينات ثم استغنت عنه واصفة إياه بأنه «لا يمكن الاعتماد عليه » خاصة وقد انكشفت عمليات الاستخبارات التي كان قد أمر بتنفيذها بوش الأب داخل العراق.
والحاصل أن هناك من مسؤولي المخابرات المركزية من استشعر أن نشاط البنتاغون المحموم من أجل غزو العراق، من شأنه أن يضر حرب واشنطن المعلنة على الإرهاب الدولي، وكان منهم خبراء متمرسون أدركوا وقتها أن غزو العراق سوف يشتت الجهود ويصرف الأنظار ويحوّل دفة التركيز عن معركة أميركا ضد غائلة الإرهاب لاسيما وأن مثل هذه العمليات العسكرية من شأنها أن توزع قدرات الوكالة على جبهات وساحات ومسارح عمليات شتى ما بين أفغانستان إلى إفريقيا إلى العراق والشرق الأوسط بشكل عام.
لم يتورع هؤلاء المسؤولون الكبار عن الذهاب إلى مدير الوكالة ومصارحته بما تراءى لهم من تصورات وآراء. بيد أن استجابة تينيت لم تكن باعثة على الرضا بحال من الأحوال. ها هو واحد من كبار مساعديه يصرح لمؤلف الكتاب قائلا: لم أسمع منه قط تعبيرا عن رأي بشأن الحرب على العراق. كل ما هنالك أنه كان يعود من اجتماعات البيت الأبيض ليقول إنهم سوف يفعلونها، وإن الحرب حتمية وعلى الوكالة المركزية أن تؤدي دورها في هذا المضمار.
مؤتمران في روما ولندن
يلفت النظر في هذا الصدد إشارة المؤلف إلى ما حدث في شهر ابريل عام 2002 ـ بعد 8 أشهر من أحداث سبتمبر وقبل عام أو نحوه من حرب العراق. يومها عقد ضباط المخابرات الأميركية العاملون في أوروبا مؤتمرا خاصا في العاصمة الإيطالية روما. وخلال المؤتمر ألمح أعضاء فريق عمليات العراق بصورة بدت عَرَضية أن العراق ما برح يشكل بندا على أجندة بوش منذ الوهلة الأولى لولايته الرئاسية.
ويعلق ضابط حضر المؤتمر المذكور في تصريح للمؤلف على النحو التالي: قالوا إن الأمر كان على جدول أعمال بوش فور انتخابه رئيسا ولكن أحداث سبتمبر أدت إلى تأخير تنفيذه، وقالوا إن بوش كان ملتزما بتغيير القيادة في العراق.المهم أن مؤتمر روما أسفر عن تكليف الوكالة المركزية بشن حملة دعاية في كل أنحاء أوروبا ومن خلالها تعمل على اختلاق (بمعنى اصطناع) حكايات يتم بثها خلال الميديا الإعلامية الأوروبية دعما لشن الحرب على العراق.
ولم تمض سوى 7 أشهر حتى عقدوا مؤتمرا ثانيا في لندن هذه المرة وكان موضوعه: الموقف في الشرق الأوسط. كان اجتماعا سريا، كما يوضح المؤلف، وتم في السفارة الأميركية بالعاصمة البريطانية وكان الهدف هو حسم المواقف إزاء المضي قدما نحو الحرب في العراق. ومع ذلك فالموقف الرسمي لواشنطن كان يقول بالانفتاح إزاء الخيارات الدبلوماسية وأن الحرب على العراق ليست بالأمر المحتوم..
خاصة وقد شهدت الأمم المتحدة سجالا من مندوبي أميركا ومعارضيهم من أوروبا ذاتها. ويلاحظ أن من مصادر المؤلف في دوائر الوكالة المركزية منذ ألمح إلى أن مؤتمر لندن السري المذكور عرض لفكرة تنفيذ عمليات تخريبية داخل العراق كتمهيد للأعمال العسكرية الكاملة.
ولم يكن الهدف مجرد التدمير بل كان الهدف هو هز ثقة صدام حسين وقيادته في صفوف معاونيه ومنفذّي سياساته وحمله على التشكيك في مدى ولائهم للنظام الذي كان قائما في بغداد. كان الهدف كما لخصوه يومها هو إصابة الحكم في بغداد بمزيد من.. البارانويا وهو رهاب الشك وداء التخوف من كل سلوك والارتياب في أي احتمال.
المشكلة ـ يوضح المؤلف ـ أنه لم يكن أمام الوكالة المركزية خيارات متعددة ولا إمكانات متاحة داخل العراق. وحين فاجأتها الإدارة العليا بالاستعداد لعملية العراق، كان بانتظار مسؤوليها مفاجآت أخرى يقول واحد من هؤلاء المسؤولين إنه أصيب بما يشبه الصدمة حين كلفوه بتقليب وتقويم الملفات السرية التي كانت تحمل بطاقة «العراق» في أضابير الوكالة المركزية كان الرجل مذهولا إزاء ما وجده وبالأحرى إزاء ما لم يجده داخل تلك الملفات (ص83).
ويقول: تصورت أنني سأقرأ عن جواسيس لم يسمع بهم أحد ولكن لم أجد شيئا، ولا قرأت عن أي عميل لحسابنا كان مقربا من دوائر النظام الحاكم في بغداد ولا كان هناك أي مصدر موثوق لدينا كي يزودنا بمعلومات لها قيمتها بالنسبة لما كان يُعرف باسم برامج أسلحة الدمار الشامل، ولا عن نشاط دوائر الأمن العراقية ذاتها، ولهذا كانت النتيجة تتلخص في كلمة واحدة هي، «زيرو» أي لا شيء، اللهم إلا تلك التصورات الخيالية ـ الفانتازيا كما يصفها الكتاب عن عمليات تخريب أو حرب نفسية.
ولكن دون أن تتوافر أي معلومات يمكن التعويل عليها. وأظن ـ يضيف المصدر المذكور ـ أن القوم طرحوا حكاية عمليات التخريب الداخلي وألعاب الحرب النفسية وهز ثقة النظام لسبب واحد، لأنه لم يكن لديهم أي شيء آخر، لا عملاء، لا جواسيس، لا معلومات، زيرو.
في هذه النقطة يحاول المؤلف تبرير الموقف قائلا إن العراق كان قد هبط من حيث الأولوية أو الأهمية في أواخر رئاسة بيل كلينتون، لكنه ما لبث أن عاد إلى حيز الأهمية مع رئاسة جورج بوش، وكان على الوكالة المركزية أن تعاود نشاطها وتنفض الغبار عن أي ملفات بحوزتها لكي تجيب عن السؤال الذي كان مطروحا بكل إلحاح في أوائل عام 2003 وهو: هل يملك العراق برنامجا لأسلحة الدمار الشامل؟
عرض ومناقشة: محمد الخولي