يتابع المؤلف هنا تفاصيل ما دار في الأروقة والدهاليز في عالم صنع القرار في واشنطن قبيل غزو العراق، ويرصد بدقة تحركات صانعي القرار الأميركيين ويركز على ما قامت به قيادات المخابرات الأميركية، الذي لم يتردد الرجل الأول فيها في وصف غزو العراق بأنه «عملية طرية»، وقامت قياداتها بإغلاق آخر جسر حاولت بغداد مده إلى واشنطن قبيل الغزو مباشرة، وتمتد المتابعة إلى مرحلة ما بعد الغزو عندما أفاقت القيادات المعنية على إصرار المسلمين العراقيين على طرد قوات الاحتلال خارج العراق أو تكبيدها قدراً هائلاً من الخسائر اليومية.

في غضون ذلك يتابع المؤلف تحول محطة المخابرات الأميركية إلى أكبر محطة من نوعها في العالم، حيث فاقت بكثير نظيرتها في سايجون خلال حرب فيتنام، ويوضح كيف فقد رئيسها منصبه لأنه كتب تقريراً يوضح فيه الحقائق الموجعة للوضع على الأرض في العراق. في مصارحة بينه وبين مؤلف كتابنا، قال اك داوننغ وكان مسؤولاً ـ ولا فخر ـ عن عمليات التجسس على منطقة الشرق الأدنى في وكالة المخابرات المركزية الأميركية: عندما طلبوا منا معلومات عن أسلحة الدمار الشامل وسألونا أن نقدمها تمهيدا أو تبريرا لعملية الحرب على العراق، لم يكن لدينا معلومات كافية ولا إجابات مقنعة، لهذا ظللنا ندق الأبواب ونكرر على الأسماع أن ليست لدينا مصادر للمعلومات داخل العراق، وكنت أعرف أن الأمر صعب إذ لم تكن لدينا (أميركا) أي قواعد دبلوماسية في بغداد.

في ضوء هذه التصريحات يضيف المؤلف معلقا وموضحا (ص 121 وما بعدها) ان التقرير اليومي الموجز الذي يطلع عليه الرئيس الأميركي كان يقدَّم منقوصا أو مبتسرا، وخاصة فيما يتعلق بالوضع والتطورات في العراق، وكانت هذه الحالة تشكل نقصا فادحا أو تناقضا صارخا بين فقر المعلومات إلى درجة «عَمَى المخابرات» .

كما يصفها المؤلف، وبين خطورة الهدف إلى درجة أن قرار غزو بلاد الرافدين كان قد اتخذ على أعلى مستوى في الرئاسة والبنتاغون، وكان المطلوب مزيدا من المعلومات التي تصلح لتكييف القرار ولاسيما أمام المجتمع الدولي والرأي العام الداخلي، وبالطبع أمام أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

وفي كل حال ـ يؤكد المؤلف ـ أن التقرير الرئاسي اليومي لم يعكس يوما حالة التشكك التي كانت تراود كبار مسؤولي وكالة المخابرات المركزية إزاء وجود (أو عدم وجود) أسلحة الدمار الشامل، باعتبار أن هذا العنصر كان سيد التبريرات التي يمكن أن تساق أو بالأحرى أن تسوَّق لتسويغ قرار الحرب وتغيير النظام الحاكم في بغداد على أنه يحكم دولة تحولت من وصف «المارقة» إلى وصف «محور الشر» الذي يهدد، حسب هذا المنطق، حالة السلم والأمن الدوليين، ويستوجب بالتالي التصرف على أساس الإحالة إلى أو الاحتجاج بالفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

بل أن مؤلف الكتاب لا يتورع عن المضي في تعميق هذا المنطق موضحا أن لا أحد يدري الوجهة التي كان سيتخذها سلوك الرئيس بوش لو.. نقول «لو» أمكن وقتها الوصول مباشرة إلى مسامعه وإبلاغه بكل صدق وصراحة أن ليس ثمة قرائن ثابتة ولا أدلة دامغة عن أسلحة الدمار بما يكفي تبريرا وجيها لشن الحرب التي اندلعت ـ كما هو معروف ـ في ربيع عام 2003، وبالطبع لا تزال مشتعلة هنا وهناك في بلاد الرافدين بكل ما جلبته من كوارث وضحايا لأهل العراق وللولايات المتحدة على السواء.

هنا يعلن المؤلف قائلا: لو كان هناك منْ عَمَد إلى الكلام بصراحة وإقناع فربما أدى الأمر إلى هدم منطق الحرب من أساسه.في هذا السياق يوضح المؤلف أيضا كيف أنه حرص على تقصّي هذه النقطة على وجه الخصوص، قال أن ثمة لجنة فرعية من لجان الكونغرس أجرت تحقيقات بعد الحرب ولاسيما في مجال الاستخبارات فماذا كانت النتيجة؟

تجيب سطور كتابنا (ص122): ذكرت تحقيقات اللجنة البرلمانية المذكورة أن النتائج الرئيسية التي توصلت إليها في هذا المضمار الدوائر المسؤولة المختصة كانت «تتسم بالمبالغة وتفتقر إلى السند المعلوماتي الذي يعززها، وأن التقديرات التي توصلت إليها دوائر الاستخبارات في مرحلة ما قبل الحرب وبالذات عن أسلحة الدمار الشامل.. كانت خاطئة من كل جوانبها»..

المخابرات و«اللقمة الطرية»

في ضوء هذا كله نشعر من استعراضنا لسطور ومضامين الفصل الخامس من الكتاب أن المؤلف يعمد إلى الملاحقة، لدرجة تضييق الخناق، لتصرفات وإجراءات جورج تينيت الذي كان يشغل وقت الحرب مركز المسؤول رقم واحد في وكالة المخابرات المركزية.

يوضح المؤلف أن تينيت سوف يدخل في دفاتر التاريخ من باب مرفوع عليه لافتة العبارة التي نطقها شخصيا أمام رئيسه جورج بوش وساعتها استخدم لوصف أسلحة الدمار الشامل عبارة من كلمتين هما بالعامية الأميركية «سِلام دَكْ» وبمعنى أقرب إلى «اللقمة الطرية»، أو الفوز المحقق أو القضية المكسوبة مئة في المئة.. وأيا كانت الدلالات، فالعبارة صارت مشهورة وذائعة بعد أن حققها وقام بنشرها الكاتب الصحافي المعروف بوب وودوارد في الكتاب الذي أصدره عن ملابسات حملة العراق بعنوانه الشهير:

«خطة هجوم»بعدها اقترنت حكاية «اللقمة الطرية» أو القضية المكسوبة مع اسم وتاريخ المدير (السابق) للوكالة المركزية الذي ساوره الغضب أو الحنق والسخط بعد الحرب، إذ شعر أن دهاقنة البيت الأبيض وكبار موظفيه يحاولون إلقاء اللوم عليه بمعنى جعله كبش المحرقة إزاء انكشاف خرافة أسلحة الدمار الشامل.

صحيح أن هذا الغضب الساخط لابد وقد تبددت سوراته بعد أن أنعم الرئيس بوش على تينيت بوسام الحرية الرفيع مكافأة على خدماته لكن مدير المخابرات وكبار مساعديه ظلوا يلتزمون - كما يضيف المؤلف - موقف الدفاع عن موقفهم والتبرير على طول الخط لما شاب معلومات وكالتهم من قصور.زاد الأمر سوءاً ما حدث في أوائل عام 2004 حين أعلن ديفيد كاي شق عصا الطاعة عن الوكالة المركزية التي كان في خدمتها.. كان السيد كاي يشغل موقع كبير مفتشي الأسلحة في العراق، أو كان بتعبير كتابنا يعمل كبيرا لصيادي أسلحة الدمار الشامل.

ولكن ها هو يعلن على رؤوس الأشهاد إن لم يكن هناك أسلحة ولا من يحزنون، وفي سياق تصريحاته الإعلامية حكى «كاي» عن آخر لقاء بينه وبين مدير الوكالة المركزية حيث صارحه المفتش بشكوك تراوده في الموضوع، ولكنه لاحظ أن مدير الوكالة كان يبحث عن خيط مهما كان واهيا يتعلق به لتأكيد الموضوع نفسه وفي ختام هذه المقابلة قال المدير على نحو ما أكد ديفيد كاي:

ـ أنا لا يعنيني ما تقول، وأنت لن تقنعني بأنهم لا يمتلكون أسلحة كيميائية.

يعلق المؤلف قائلا: وأخيرا في عام 2005 اعترف جورج تينيت علنا بأن عبارة «اللقمة الطرية» إياها كانت دقيقة (بمعنى أنه قالها حرفيا على نحو ما ذكر بوب وودوارد) ثم ألمح على استحياء بأنهما كانتا أغبى كلمتين نطق بهما في حياته.

..وسبق السيف العزل

هكذا تمت الاستعدادات للحرب تحت شعار يكاد يقول قضي الأمر أو سبق السيف العزل ولم يعد بالإمكان إرجاع العجلة الجهنمية عن الدوران، وجاء شهر مارس من عام 2003 حين تجمعت النذر وتكاثفت غيوم الحرب الوشيكة في الجبهة الشرقية للعالم العربي، ساعتها كان النظام العراقي ـ كما يوضح المؤلف (ص123) ـ يحاول جاهدا بل ويائسا أن يبعث بسلسلة من الرسائل عبر قنوات خلفية ليقول للأميركيين انه ليس هناك أسلحة غير مشروعة، لكن لم يكن هناك من يقرأ ولا من يسمع على الإطلاق.

من هذه القنوات الخلفية المريعة كما يصفها مؤلفنا ( الصفحة نفسها) قناة حاولوا بلوغ واشنطن من خلالها عن طريق مصدر لم يكن في الحسبان، كان هذا المصدر هو رجل أعمال أميركي لبناني الأصل ماروني المذهب عاش ونجح في الولايات المتحدة ثم عاد إلى بيروت محتفظا بعلاقات ظلت تربطه بعدد من المتنفذين الأميركيين، وخاصة من فصيل الصقور بالمحافظين الجدد المؤثرين في واشنطن .

وكان من بينهم ريتشارد بيرل وهو من غلاة الصقور المتشددين ـ المتطرفين وكان أيامها يعمل مستشارا ـ من الخارج ـ لحساب دوائر الحرب والاستراتيجية في البنتاغون، أما في بيروت فقد كان رجل الأعمال اللبناني على صلة أيضا بشخصية سورية نافذة بدورها عملت قبيل أسابيع من الغزو ـ على إنشاء صلة من نوع ما بين العنصر اللبناني وبين دوائر الاستخبارات العراقية التي كانت حريصة إلى درجة اللهفة طبعا على توصيل رسالة منها إلى واشنطن.

هَكذا سافر رجل الأعمال اللبناني ـ الأميركي إلى بغداد، اجتمع سرا مع مسؤولي المخابرات العراقية، قالوا له إن بغداد لا تملك أي أسلحة محظورة بل أنها على استعداد أن تسمح للأميركيين بأن يبحثوا عنها وأن يتأكدوا بأنفسهم من عدم وجودها، من فوره طار الوسيط اللبناني إلى لندن كي يلتقي مع ريتشارد بيرل ويبلغه أن العراقيين يريدون أن يجروا معه محادثات، من فوره أيضا اتصل بيرل مع مسؤول المخابرات الأميركية في لندن كي يستطلع الرأي فيما إذا كانت واشنطن مهتمة بالموضوع، هنا ينقل الكتاب عن ذاكرة ريتشارد بيرل ما يلي: عاد المسؤول الأميركي في لندن قائلا ان الرسالة الوحيدة التي يمكن نقلها إلى أركان النظام العراقي هي رسالة شديدة الإيجاز تقول: نلتقي في بغداد.

.. واندلعت الحرب

بهذه العبارة يصل المؤلف إلى خواتيم الفصل الخامس حيث يعلق قائلا وهكذا اندلعت الحرب، كان الغزو الأوّلي نصرا خاطفا، وكأنه استعراض باهر للقوة العسكرية التقليدية لأميركا، بل مضى الغزو بصورة أيسر مما تخيّل الكثيرون ولم يستخدم العراق أي أسلحة كيميائية ولا بيولوجية ولا نووية ضد قوات الولايات المتحدة، ولهذا فقد شكلت معدات الحماية التي حملتها تلك القوات عبر حدود الكويت ـ العراق نوعا من المتاع ـ العفش الزائد (بلغة شركات الطيران)..

بعدها ـ يضيف المؤلف أيضا ـ سقطت بغداد من دون أدنى مقاومة، وقبل أن يمضي وقت طويل كانت المخابرات المركزية تستعد لإعادة فتح محطتها في بغداد، ولأول مرة منذ أكثر من عقد من عمر الزمان.

هل ظلت سفينة الغزو تسير هكذا وسط بحر هادئ وتدفعها في رقة ودعة ريح رخاء؟

الإجابة هي بالطبع لا، أو على حد قول كتابنا: جاءت مرحلة ما بعد الغزو في العراق لتثبت أنها فترة أصعب بكثير مما كان يأمله أي إنسان. ولكن للأسف ظلت إدارة بوش ومعها المخابرات المركزية غارقة في حمأة التسييس لدرجة أن اقتضت الحقيقة وقتا طويلا لكي تؤكد نفسها في الذهن وتتجلى وتتجسد أمام العيون.

تلك هي السطور الأولى التي يفتتح بها المؤلف الفصل السادس من هذا الكتاب، ولما كان ثمة صراع بين أهداف السياسة وأجندات السياسيين وبين دواعي الحقيقة وضرورات الصدق الموضوعي، فقد اقتضى الأمر، كما يراه المؤلف، جهودا إعلامية تحاول خلط الواقع بالأمل، وإلباس الخطأ ثوب الصواب، والتلاعب بالحقائق الموضوعية، من أجل تسويغها أو حتى تزويقها كي «تقبضها» أو «تبلعها» جماهير المواطنين.بمعنى آخر، وحسب مصطلح أدبيات السياسة والميديا في أمريكا اقتضى الأمر إعادة غزل ونسج (حقائق) الحرب والسلام. هذا هو بالضبط عنوان الفصل السادس من الكتاب.

عسكريون ومخابراتيون

مع مفتتح هذا الفصل يوضح المؤلف أن الفترة التي نعمت فيها القوات الأميركية بسكرة الانتصار،وخاصة في بدايات الغزو والإطاحة بنظام صدام حسين، كانت فترة قصيرة نسبيا. وسرعان ما كشفت عما يصفه المؤلف بأنه «فجر كاذب» حيث «بدأت القوات الأميركية تواجه قوى حرب عصابات تمتلك ما يكاد يكون موارد وإمكانات بغير حدود،.

ولدرجة أن هذه القوى من «المتمردين» كانت مصممة على إلقاء بالأمريكيين وبالحكومة المؤقتة التي أقاموها هناك إلى خارج حدود العراق، وكان هذا ما شعر به القادة الميدانيون للقوات الأميركية وبخاصة في الفرقة الثالثة المدرعة بالجيش الأميركي ذات التاريخ الحافل الذي مازال يعتز به كل جنودها وضباطها منذ إنشاء هذا التشكيل العسكري المتميز في عقد الأربعينات من القرن التاسع عشر للميلاد.

هذا الشعور نفسه كان يراود أيضا مدير محطة الاستخبارات الأميركية المستجدة في العراق. كان المسؤول الاستخباراتي قد عاد إلى بغداد مكلفا بموافاة مقر الوكالة المركزية في لانجلي ـ واشنطن بأحدث تقديرات الموقف. وبالفعل كان قد أعد ـ كما يوضح مؤلفنا ـ تقديرا للموقف في شهر أغسطس (بعد الغزو بنحو 4 أشهر) ولكن بينما كان يرصد الأمور والتطورات فإذا بها تزداد سوءاً وبسرعة لاهثة وبدأ يعتقد - يضيف المؤلف - أن الولايات المتحدة تواجه خطر الخسارة لحرب كانت تظن أنها قد فرغت بالفعل من كسبها.

هكذا فعندما حّل شهر نوفمبر من عام 2003 شمّر مدير محطة المخابرات في بغداد عن ساعد الجد والصدق أيضا فكتب تقريرا أمينا وموجعا في الوقت نفسه عن تدهور الموقف، عن كيف كانت قوى الرفض أو «التمرد» تكسب في كل يوم أرضية جديدة وتستفيد من الفراغ السياسي والاقتصادي الذي سمحت أمريكا بوجوده في بغداد.. في ذلك السياق بالذات استخدم مدير المحطة تعبير «آرد وولف» وهو مصطلح قديم يتداوله محترفو ومسؤولو المخابرات الأمريكية.

وقد استمدوه من اسم ضبع أفريقي ولكن اصطلحت أجيال منهم على استعماله دلالة على أن الموقف آخذ في التدهور يوما بعد يوم، لم يكذب مدير محطة بغداد خبرا. بادر لفوره إلى إرسال تقريره إلى الرئاسة في واشنطون، كان تقريره مؤلما ولكنه كان صادقا وصريحا ومباشرا وان كانت تعيبه مشكلة واحدة، يلخصها الكتاب (ص127) في العبارات التالية: لقد ارتكب الرجل الخطيئة التي لا تغتفر: إنها خطيئة قول الحق(!).

ويواصل مؤلفنا الحديث قائلا: جاء التقرير بمثابة رصاصة انطلقت لتصيب إدارة الرئيس بوش، ولم يكن من سبيل إلى تجاهله بغير رد، وسرعان ما وجد صاحب التقرير نفسه وقد وجهوا إليه أسئلة موجعة بعضها يحيل إلى سوء سلوكياته الشخصية وكلها كانت محل رفض من جانبه وإنكار.

ومع مطالع عام 2004 شعر المسؤول المتمركز في بغداد بأنه سوف يتحول بدوره إلى كبش فداء كما يقال وخاصة فيما يتعلق بدور المخابرات المركزية في ملابسات «أبوغريب» ويومها قرر أن يغادر سلك المخابرات المركزية يحدوه شعور بالازدراء إزاء الظلم الذي واجهه أو الفظاظة التي عومل بها، وإن كان كبار مسؤولي الوكالة ينكرون - كما يوضح المؤلف أيضا - أي مساس بالرجل وقصارى الأمر.

كما أوضحوا من جانبهم، أن محطة بغداد تضخمت واتسعت أنشطتها لدرجة لم يعد بالإمكان معها أن تترك إداراتها لمسؤول شاب، كيف لا وقد ازداد عدد موظفيها من نحو 80 موظفاً في صيف 2003 إلى أكثر من 300 موظف مع أواخر ذلك العام ثم زاد العدد ليجعل من محطة المخابرات الأميركية في بغداد أكبر محطة من نوعها على مستوى العالم كله، أكبر من نظيرتها السابقة ـ محطة سايجون في ذروة ايام حرب فيتنام ـ وهكذا استعاضوا عن المسؤول الشاب (أو هَكذا اكتشفوا شبابه بعد تقريره المؤلم) ليحل محله مسؤول آخر أكبر سنا وأوسع خبرة وأشد تمرسا.

ماذا بعد؟

في هذا السياق ينقل الكتاب تعليقا أدلى به أحد مسؤولي الوكالة المركزية وقال فيه: عندما قرأت ذلك «الأردوولف ـ التقرير المؤلم الذي كتبه زميلنا الشاب في نوفمبر 2003 تصورت أن رئيس محطة بغداد قد أقدم على الانتحار.. المهني.

على الجانب الآخر من القضية، صدرت التوجيهات إلى كبار موظفي الوكالة بأن يراجعوا تقارير الاستخبارات التي كانت تعد «سلبية». وحتى عندما جاء المسؤول الجديد في محطة بغداد، ولم يملك الرجل بدوره سوى كتابة تقرير أمين ومؤلم أيضا حول سلبيات الأحوال ـ عادت التساؤلات في واشنطن ولانجلي من جديد حول محتويات هذا «الآردوولف» حسب مصطلح المخابرات، ولم تكن تساؤلات عن مبلغ مصداقية المعلومات أو دقة التقديرات، ولا عن مدى المهارة المهنية لكاتب التقرير بل كانت عن الولاء السياسي وعن الانتماء الحزبي لموظف المخابرات المركزية المستجد في بغداد.. وهل هو من الحزب الجمهوري الحاكم أو من الحزب الديمقراطي المعارض.

عند هذا المنعطف من البحث ينتقل الكتاب إلى نقطة أخرى حين يوضح أن أكبر مشكلة واجهت المخابرات الأميركية في عام 2004 كانت تتمثل في سؤال «ماذا بعد؟» وهذا السؤال لم يكن مقتصرا على دوائر الاستخبارات أو المعلومات بل كان بمثابة الداء أو الوباء حسب تعبير الكتاب (ص132) الذي اجتاح أيضا صفوف العسكرية الأمريكية.

وببساطة لم يكن هناك من يعرف ماذا يفعلون بعد أن وصلت القوات الأميركية إلى ساحات العاصمة العراقية بغداد، ومن عجب أن البيت الأبيض كان قد ترك أمر الإجابة عن سؤال «وماذا بعد»، لا لكي يتناوله السياسيون واختصاصيو العلاقات الدولية أو للعارفين بمسارح العمليات في منطقة الشرق الأوسط، بل تركوا التعامل مع السؤال إلى الدوائر العسكرية في البنتاغون مما قطع الطريق.

ـ كما يلاحظ المؤلف ـ على وزارة الخارجية كي تقدم إسهاماتها وتشارك برؤيتها إزاء تطور الأحداث. والمشكلة أن أهل البنتاغون لم يكن لديهم رؤية واضحة ولا متكاملة للتعامل مع عراق - ما بعد الغزو، بل اكتفوا بأن يحيلوا إلى عبارة «بناء الدولة» وكانت عبارة يبغضها المحافظون الجدد في إدارة بوش بوصفها من موروثات السياسة الخارجية لإدارة كلينتون السابقة.

بل كان الرئيس بوش قد انتقدها وخاض حملته الرئاسية الناجحة على أساس رفضها واستبعادها من قاموس السياسة الخارجية الجديدة لواشنطون، ولما كان البنتاغون قد خاض حربا ومارس الاحتلال في بلدين هما أفغانستان ثم العراق في غضون سنتين فقط، فقد كان طبيعيا أن يسود بين أروقته ومسئوليه منطق يقول بغير مواربة: دعكم من حكاية بناء الدولة، لقد خضنا حربا، ولا سبيل إلى أن نبدد مواردنا في هذا الغرض أو ذاك، كل ما نفهمه أن تخوض قواتنا العسكرية غمار الحرب ولا يعنينا حكاية إعادة البناء بعد انتهاء الاشتباك.

كانوا قد استقروا قبيل الغزو على إعداد وتشكيل حكومة من عناصر المنفيين العراقيين يصار إلى جلبها إلى بغداد لإدارة الأمور وإراحة بال الأميركيين، لكن الرئيس بوش عارض هذا الاتجاه موضحا أنه يرفع شعار الديمقراطية ومن ثم فلابد أن تعهد الأمور إلى حكومة يتم اختيارها من داخل العراق.يقول المؤلف: كان التزام بوش إزاء الديمقراطية أمرا محمودا، والمشكلة أنه لم يقدم إجابة عن سؤال التخطيط لمستقبل العراق في مرحلة ما بعد الحرب على بلاد الرافدين.

عرض ومناقشة: محمد الخولي