يستمد هذا الكتاب أهميته من حساسية الموضوع الذي يتناوله وهو التاريخ السري لوكالة المخابرات المركزية الأميركية وإدارة بوش، حيث يغوص المؤلف، وهو صحافي متخصص في شؤون الأمن القومي الأميركي يعمل لدى صحيفة ( نيويورك تايمز)، في أعماق عالم صناع القرار السياسي والعسكري في الولايات المتحدة

ليكشف لنا أسراراً خطيرة استقاها من مصادر يبقيها مجهولة الهوية حول قضايا وملفات الأمن القومي وبخاصة طريقة تصرف إدارة بوش مع أحداث 11 سبتمبر وما تلاها من إجراءات فرضتها أجهزة الاستخبارات واعتُبرت تدخلاً في الحياة الخاصة للأميركيين وانتهاكاً لحقوقهم.

هذا ناهيك عن التضارب الذي حصل بين أجهزة الدولة المختلفة حول أنجع السبل في التعامل مع التهديدات المحتملة لأميركا في إطار ما سمي بـ ( الحرب على الإرهاب). وينفذ المؤلف كذلك إلى ما وراء الكواليس في العلاقات الدولية للولايات المتحدة ليكشف لنا سر التوتر في علاقات أميركا ببعض الدول ومن الذي يقف وراء تغيير التقليد الذي كان متبعاً في السياسة الخارجية الأميركية حتى عهد كلينتون.

لأمر ما يشغف الكتّاب والمبدعون الأميركيون، من السلالة الصحافية بالذات، باختيار كلمة (حالة)عنواناً لمؤلفاتهم التي يصدرونها وخاصة حين يكون الشأن الذي يشغلهم هو السياسة الأميركية عند مستوياتها العليا ما بين البيت الرئاسي الأبيض إلى دوائر الدفاع في البنتاغون إلى وكالات الأمن القومي والاستخبارات أو الدبلوماسية الخارجية.

هكذا تابعنا فيلماً عرضوه في أميركا منذ سنوات باسم (حالة حصار)، ثم طالعنا كتاب بوب وودوارد الصادر مع خريف العام الماضي بعنوان (حالة إنكار)، وها نحن نتابع هنا الكتاب الصادر في نفس الفترة تقريباً بعنوانه الرئيسي وهو: حالة حرب

وإذا كانت (حالة الإنكار) بحاجة إلى نوع من الشرح أو قدر ما من التفسير،

فإن (حالة الحرب) التي نحن بصددها قد لا تحتاج إلى تكييف بقدر ما تحتاج إلى تفصيل، وهو ما قد يشير إليه العنوان الفرعي لكتابنا الذي صاغه المؤلف في عبارات تقول: التاريخ السري لوكالة المخابرات المركزية وإدارة بوش.وبهذا فالمؤلف يعد قارئيه بأن يغوص معهم في بحور متلاطمة من الأسرار التي تخصّ الأمن القومي كما يَنفْذ إلى كواليس العلاقات الدولية للقوة العظمى الوحيدة في عالم اليوم.

ويبدو من سيرة مؤلفنا أنه مؤهل لاجتياز غمرات موضوعه فمازال متخصصاً في تغطية قضايا الأمن القومي عن (نيويورك تايمز) كبرى وأهم صحف الولايات المتحدة، كما أنه عضو في فريق الصحافيين الحاصلين على جائرة (بولتزر) الرفيعة عن تغطية أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بكل التحولات التي أحدثتها في البنية السياسية والاجتماعية بل والفكرية في أميركا.

يلاحظ مع أولى صفحات الكتاب إشارة المؤلف إلى من وَصَفهم بأنهم (المصادر مجهولة الأسماء)، موضحاً أنه لا غنى للمحقق الصحافي عن الاستعانة بهذه النوعية من المصادر التي أفاد منها كثيراً ومازال يُبقي هويتها الحقيقية طي الكتمان.

وعلى عادة الكتب الأميركية يبدأ كتابنا بتصدير افتتاحي ثم ينتهي بفذلكة ختامية، وبين الافتتاح والختام يطالعنا المؤلف - جيمس ريزن بتسعة فصول يكتبها على طريقة السيناريو الحافل بالأحداث والشخوص وحبكات الدراما لزوم الإثارة والتشويق.

مكالمة متوترة

ها هي الدراما تفتح ستارتها على مشهد محادثة (متوترة) كما يصفها المؤلف بين الرئيسين رقم 41 ورقم 43 من رؤساء أميركا، كل منهما يحمل اسم جورج وكل منهما يحمل لقب بوش.كان ذلك - كما يوضح المؤلف - في عام 2003 وشهدت المكالمة الهاتفية محادثة تعبر عن فترة طويلة من (الاحتكاك، الطويل) وإن كان سره مكتوماً تحت السطح بين رئيس أب ورئيس ابن، ورغم أن التفاصيل مازالت عند الطرفين

إلا أن مسؤولين كباراً أشاروا إلى أنها تعلقت بانتقادات وجهها الأب إلى أسلوب إدارة أمور البلاد الذي اتبعه الابن وخاصة أن بوش - الأب كان يشعر بعدم الارتياح لأن نجله كان يسمح لوزير الدفاع رامسفيلد ولكادر من تيار المحافظين الجدد الأيديولوجي بأن يمارسوا نفوذاً واسع النطاق على السياسة الخارجية

وخاصة ما يتعلق بالعراق، فيما كان الرئيس (الابن) يصرف النظر عن نصائح المعتدلين بمن فيهم (وقتها) وزير الخارجية كولن باول. انتهت المكالمة الهاتفية على نبرة غضب من جانب الابن، الذي ما لبث أن عاود الاتصال بالأب معتذراً عما بدر منه من جفاء في السلوك.

يضيف المؤلف قائلاً: لم تشهد علاقتهما جفاء بعد ذلك، ولكن هذا الاحتكاك (الهاتفي) كان يؤكد كيف ابتعدت رئاسة جورج بوش - الابن عن مركز التوسط (بمعنى التريث أو الاعتدال) في إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة على نحو ما كان يمارسه والده الرئيس الأسبق.

بعدها يمضي مؤلفنا ليوضح أن أميركا ظلت بعد الحرب العالمية الثانية، وخاصة في قضايا الحرب والسلام تتوخى جادة الحذر فلا تحاول إدخال عنصر الأيديولوجية في السياسة وتتوقى قدر الإمكان الدخول في قضايا أو مشاكل تُلحق الخطر بالجنود الأميركيين خارج الحدود (كانت حرب فيتنام استثناء مؤلماً جاء ليؤكد صدق القاعدة السابقة).

والمهم أن بوش الأب نشأ على هذا التقليد في إدارة الشأن الدولي الأميركي، ومن ثم فقد قاد حرب تحرير الكويت مستنداً إلى تحالف دولي واسع النطاق، ثم قاوم إغراء مواصلة زحف قواته إلى بغداد لإسقاط نظام صدام حسين في عام 1991.

وحين صوّت الناخبون لصالح جورج بوش - الابن فقد أيدوه حين أعلن في أكتوبر 2000 قائلاً: إنني أخطط لاتباع قاعدة التواضع في السياسة الخارجية، فلو كنا أمة فظة غليظة لأثرنا سخط الآخرين علينا، وهم جديرون بأن يرحبوا بنا إذا ما كنا أمة تجمع بين فضيلة التواضع وقوة الشكيمة.

لكن ها هو الرئيس الابن يفارق هذا كله بعد أحداث سبتمبر 2001، ويخالف كل تقاليد السياسة الأميركية في الداخل وفي الخارج. فماذا كانت النتائج؟يلخص المؤلف في مستهل الكتاب قائلاً: من هذه النتائج إيجاد برنامج جديد للتجسس على صعيد الداخل، وتحويل أفغانستان إلى دولة مخدرات (ناركو - دولة كما يسميها) ثم تحويل العراق إلى ساحة من الفوضى ضاربة الأطناب.

بعدها يتحول بنا المؤلف إلى علاقة الرئاسة بالمخابرات وقد تجسدت منذ ربيع عام 2001 في الصلة الوثيقة التي ربطت بين الرجلين: الرئيس جورج بوش والسيد جورج تينيت مدير وكالة المخابرات المركزية. نشأ تينيت كفتى من أصل يوناني في ضاحية كوينز الشعبية في نيويورك وعرفه الناس رجلا مهّدل التكوين، ضخم الجثة لا يفارق السيجار شفتيه، خبيراً في لعبة كرة السلة منذ أيام الدراسة في جامعة جورجتاون،

ولكن خشونة طباعه وسلاطة لسانه، إلى حد التجاوز أحياناً، كانت من العوامل التي جعلته مفضلاً لدى الرئيس القادم من براري تكساس، أما قمة البراعة - يضيف المؤلف فكانت تتمثل عند تينيت فيما يلي: بادر إلى معرفة ما يريده رئيسك، ثم تأكد من أن تقدم له كل ما يريد.

وكان ما يريده الرئيس الجديد هو جلسة صباحية مبكرة يلخص فيها مدير المخابرات المركزية - شفوياً بالطبع - أبعاد الموقف الداخلي والخارجي، كان سلفه بيل كلينتون رجلاً يجيد فن، القراءة وليس مجرد الإصغاء أو التلقي الشفهي، لهذا ألغى كلينتون حكاية التلقين الصباحي يومياً وأمر بإعداد مذكرات مكتوبة كي يطالعها رئيس الدولة ضمن واجباته اليومية،

لكن ها هو السيد بوش يعيد قاعدة اللقاء الصباحي ويتيح من ثم فترات متكررة من اللقاء مع تينيت الذي ما لبث أن تبلورت له مكانة خاصة من حيث التأثير والنفوذ. صحيح أنه كان هناك منافس داخل مكاتب البيت الأبيض اسمه، كوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي (في الولاية الرئاسية الأولى)

لكن الصحيح أيضا أنه كانت مجموعة تينيت من دوائر السي. آي. إيه تبث أقاويل ضد رايس بدعوى أنها ليست بالوسيط الأمين بين الوكالة العتيدة وفخامة رئيس البلاد.ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر فكان أن وطدت علاقة الرئيس مع مدير المخابرات الذي اقتضت الظروف العصيبة وقتها أن يظل ملازما له من ناحية وأن يواصل تبرير وتبييض وجه (وكالته) وموظفيه من ناحية أخرى.

فضائح غير ديمقراطية

بعدها تجسدت علاقة الطرفين إلى ما يصفه كتابنا بأنه ارسال رسالة إلى الأطراف التي يهمها الأمر بحيث تتصف بالشمول والحزم الشديد، وكان من تلك الأطراف تنظيم القاعدة الذي قبضوا على أحد قادته في ذيل شاحنة في باكستان، كان اسمه (أبوزبيدة) وكانت قضيته موضع انتقاد في أوساط شتى حيث يقال انهم حقنوه بعقاقير تخفف الآلام أحيانا وتسبب الألم أحيانا أخرى.

ثم تفجرت - كما هو معروف - قضية سجن أبوغريب ويومها حرصوا على إبقاء الرئيس بعيدا عما تردد من حكايات التعذيب واستخدام الخشونة البالغة في استنطاق المتهمين، ومع ذلك فقد بقيت ظلال أبوغريب تلاحق رئاسة تينيت للمخابرات المركزية، وفي هذا السياق ينقل المؤلف عن مصدر مطلع داخل الوكالة يصف الافراط الموغل من جانب مسؤوليها في إيذاء السجناء في المعتقل العراقي يقول: أرادوا أن يكونوا كاثوليكيين أكثر من البابا نفسه(!) ولهذا فقد أقدموا على فعلتهم دون أي تفويض صريح من جانب الرئيس.

وسط هذه الأجواء المشحونة بالتوتر والانفعالات، لم تتورع الوكالة المركزية عن طرح مقترحات جاء بعضها غاية في الخطورة، ومنها مثلا الاقتراح بإنشاء (بوكس توب) هذا هو الاسم الكودي لوحدة سرية مقترحة من الأفراد شبه العسكريين، تُعهد إليها مهمة التحرك في أي مكان على خارطة العالم لاستهداف العناصر الإرهابية هنا أو هناك.

يومها ثار السؤال في الأوساط المعنية بالأمر أو المطلعة على تلك الأسرار: هل كانت الوحدة مخوّلة بأوامر للقتل أو بالتوقيف والاعتقال وجلب المتهمين؟ ومن حسن الحظ أنه كان من تلك الأوساط أطراف حكيمة، وكان من بين تلك التساؤلات أسئلة متعقلة رزينة أو موضوعية.

وهكذا، وبرغم أن الوحدة السرية بدأت تدريباتها إلا أنها لم توضع قط موضع التنفيذ حيث كان هناك من عقلاء السياسة الأميركية من حذَّر من مغبة ضياع السيطرة يوما ما، أو في لحظة أو في موقف ما على مثل هذه التشكيلات.في الفصل الثاني يتحول المؤلف إلى هيئة أخرى معنية بالمعلومات والاستخبارات في أميركا،

إنها (وكالة الأمن القومي) (إن. إس. إيه) التي أنشأها الرئيس الأسبق ترومان عام 1952 وعهد إليها بمهمة تقصي الرسائل الرمزية وكسر الرموز (الكود) بما يصون حرمة الأمن القومي لسكان الولايات المتحدة وكان ذلك مع البدايات المخيفة للصراع مع الخصم السوفييتي واستخباراته الخطيرة (كي. جي. بي) في أيام الحرب الباردة.

لكن حِرص القانون الأميركي على خصوصيات الناس داخل المجتمع وخاصة في أعقاب التحقيقات الشهيرة التي أجرتها لجنة تشيرش - بايك البرلمانية في عقد السبعينات للحد من سطوة أجهزة الاستخبارات، أدى إلى أن صدر في عام 1978 قانون يحظر أي عمليات تصنت أو مراقبة داخلية إلا بأمر من المحكمة، وتطورت الأمور - كما يؤكد المؤلف (ص42) - إلى إنهاء فعلي لدور وكالة الأمن القومي في عمليات التجسس داخل صفوف المجتمع الأميركي.

لهذا أصيب الجنرال - طيار (مايكل هايدن) بصدمة حين شاهد الفيلم الشهير بعنوان (عدو الدولة) من بطولة جين هاكمان وويل سميث. كان ذلك في عام 1999، وكان الرئيس كلينتون قد اختار الطيار المخضرم مديرا لوكالة الأمن القومي، يومها راع الجنرال ما تابعه في الفيلم من مشاهد أكدت (أو صورت) عمليات التجسس التي كانت تمارسها الوكالة المذكورة على جموع الأمريكيين

دون أن يعرفوا بالطبع أن حياتهم وخصوصياتهم كانت تحت سمع وبصر الآخرين. بعدها، وعلى مدار سنتين تقريبا، ظل الجنرال طيار هايدن يخطب ويذيع وينشر ويصرح بأن وكالته لم تمارس أي تجسس على الناس ولا أي اقتحام على خصوصياتهم.لكن هذا - يضيف المؤلف - كان قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

بعدها تغيرت الأوضاع والمفاهيم حيث يقول المؤلف أيضا: في الواقع، ولأول مرة منذ تجاوزات حقبة ووتر غيت عادت وكالة الأمن القومي لتمارس التجسس ضد الأمريكيين وعلى نطاق أوسع، وها هي الآن تفرض مراقبتها على شبكة الهواتف الوطنية، بكل ما تضمه من مكالمات هاتفية ومن رسائل البريد الالكتروني اليومية، وتلك عملية اصطلح مسؤولو وزارة العدل على أن يطلقوا عليها اسما بعينه هو: البرنامج.

ويبدو أن مؤلفنا مهتم كثيرا بهذا المصطلح فقد اختاره عنوانا للفصل الثاني من الكتاب، ثم ها هو يصفه بكلمات يقول فيها: (هذا البرنامج) قد يكون أكبر عملية تجسس داخلي منذ عقد الستينات، وهو أكبر من أي شئ تولاه مكتب التحقيقات الفيدرالي أو المخابرات المركزية داخل الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام.

التبرير القانوني

ولأن (طرزية القوانين) موجودون في كل مكان، وهم - كما تعرف - خبراء القانون الذين يستخدمون، أو بالأدق يستغلون، خبرتهم لزوم التسويغ أو التخريج أو التبرير لتصرفات السلطة التنفيذية أو القوة الحاكمة، فها هو الكتاب يلمح إلى أن هذه الفئة ممن تحولوا بالقانون من رسالة إلى مجرد صفقة أو مكسب للارتزاق - عمدت إلى الالتفاف حول قوانين حماية الخصوصية فكان أن اصطنعوا وثائق يصفها المؤلف بأنها (سلسلة) من المستندات القانونية التي تبرر عند اللزوم هذه العمليات التجسسية الداخلية.

وكانت ذريعتهم في ذلك هي أن البلاد كانت في حالة حرب. لكن ها هي السلطة القضائية الاعلى في أميركا تحرص على احترام القانون وحماية المواطن من التعدي على حقوقه المكفولة بموجب الدستور، هكذا خلصت المحكمة العليا في الولايات المتحدة في قضية نَظَرتها في يونيو عام 2004 إلى حكم قالت فيه بصورة قاطعة: إن وجود حالة حرب ليست شيكا على بياض لصالح الرئيس.

لهذا فما برحت أوساط ودوائر قانونية شتى في أميركا تنظر إلى قانون الوطنية الصادر وسط عقابيل مأساة سبتمبر 2001 على أن في بنوده ما يشكل تعديا على حقوق مواطني البلاد لأنه - بكلمات المؤلف (ص47) - زاد من قدرة وكالة الاستخبارات وهيئات انفاذ القانون على رصد المحادثات والمراسلات التي تتم عبر شبكة الانترنت، ومن ثم فالتصنت حاصل سواء على المكالمات المحلية أو المكالمات الخارجية التي تتم عبر البحار.

صحيح أن مسؤولي وكالة الأمن القومي يؤكدون أن عملياتهم لا تتم سوى بالنسبة للأفراد المشتبه بأن لهم اتصالا بدوائر إرهابية، ولكن ليس من سبيل (ص52) لتأكيد هوية من هم الخاضعون لمثل هذه العمليات. وصحيح أيضا أن هناك من ممارسي القانون في أميركا من أكد أن كل هذه العمليات تشكل مخالفة لبنود الدستور، ومنهم أيضا من سعى إلى الاتصال بأعضاء الكونغرس لاثارة مثل هذه الانشغالات،

إلا أن الأمر مازال - كما يوضح المؤلف - بعيدا عن الالمام العميق من جانب أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في العاصمة واشنطن، وقصارى الأمر - كما يضيف كتابنا - أن قلة من هؤلاء النواب هي التي وُضعت في الصورة من جانب البيت الأبيض في حين أن الأغلبية مازالت تتصور أن وكالة الأمن القومي قد أنهت برنامجها للتجسس الداخلي. وفي كل حال فهناك من يخشون على ما يصفونه بأنه أمر قد يفضي إلى تآكل،

بمعنى تضاؤل وانكماش تدريجي مطرد، في الحريات المدنية بالولايات المتحدة. وبرغم أن الموقف الملتهب في أعقاب كارثة برجي مركز التجارة في نيويورك كان قد أملى على إدارة بوش اتخاذ اجراءات جاءت متحمسة أو فلنقل احترازية أو مندفعة أو حتى متجاوزة لكن المشكلة أن تلك الاجراءات سرعان ما تحولت من وصف (المرحلية) إلى وصف (الدائمة).

قيصر المخابرات

ونعود مع ختام السطور إلى الجنرال طيار هايدن الذي تولى رئاسة وكالة الأمن القومي على مدار أكثر من 5 سنوات بدأت مع رئاسة كلينتون، وحاول بعدها تبرئة وكالته من تهمة التجسس الخارجي ولكنه ما لبث أن تحوّل شخصيا بعد11 سبتمبر إلى تبرير نشاطات وكالته في الانتقاص من الحريات المدنية المكفولة لمواطنيه بمقتضى بنود الدستور. يقول الجنرال لجلسائه ان ما تقوم به الوكالة أمر (مشروع وملائم وفعال) ويشكل جانبا من جوانب الحرب على الإرهاب،

لا عجب إذن أن ينال ترقية في عام 2005 حين اختاره الرئيس بوش ليكون الرجل الثاني في إدارة شئون المخابرات القومية بعد ون نغروبونتي الذي يشغل أعلى منصب من نوعه في الإشراف على العديد من المؤسسات والهيئات والوكالات المعنية بشؤون المعلومات والاستخبارات في طول الولايات المتحدة وعرضها، ولهذا يطلق الاعلاميون على السيد نغروبونتي لقب (قيصر المخابرات).

مع هذا كله، ورغم هذه التنظيمات والعمليات والمناصب الكبرى، فقد نجمت مشاكل وتفاعلات، بعضها سلبي للغاية داخل هذه المنظمات والدوائر والوكالات وجاء هذا ناتجا عن عاملين: كان الأول بداهة هو حادثة 11 سبتمبر 2001 وما أعقبها من تقلصات وتشنجات أصابت هياكل المجتمع الأمريكي الذي أصيب بما يشبه الصدمة النفسية - العصبية .

لكن كان هناك عامل آخر مازال فاعلا حتى اللحظة الراهنة، وهذا العامل يعرض له مؤلف الكتاب في السطور الأولى (ص59) من الفصل الثالث، قائلا: إن الحَدَث الذي أدى، أكثر من سواه، إلى نشوء المشاكل (الصراعات) بين أروقة الأمن القومي هو: الحرب على العراق، لقد وضعت هذه الحرب وزارة الدفاع في مواجهة المخابرات المركزية،

بل وضعت فصائل وقطاعات داخل المخابرات المركزية نفسها في مواجهة بعضها البعض، وفي نهاية المطاف انتشرت حمى الحرب بين صفوف الرتب والمستويات المسئولة.إنها (حالة الحرب) أو(كاسوس بيللي) المصطلح الذي لايزال يظهر بأصله اللاتيني في أدبيات العلوم السياسية والاستراتيجية، وهو العنوان الذي اختاره المؤلف لذلك الفصل الثالث من الكتاب.

عرض ومناقشة: محمد الخولي