قضايا الميدان التربوي كثيرة وهمومه وآماله متجددة فهي كالبحر الذي لا تنضب مياهه فقليلاً نجده هادئاً بفعل عوامل مناخية مستقرة ألمت بالميدان وتارة نجده هائجاً متمرداً بفعل عوامل مناخية متقلبة اعتاد عليها الميدان، ومن خلال هذه المساحة الحرة من الرأي نسلط الضوء على جميع هذه القضايا من خلال طرح متجدد يعتمد على الأسلوب الساخر دون أن يخلو من المضمون الهادف من خلال حوار بين أشخاص معنيين بمشاكل الميدان يطرحون خلاله وجهات نظرهم المختلفة ويخرجون في النهاية بحلول ملائمة لها.

خمس معلمات من مدرسة خاصة تجمعن أمام مكتب مسؤول في منطقة تعليمية يطلبن لقاءه أملا في تحقيق مطالبهن وكان لسان حالهن يقول بصوت واحد «اتركونا نرحل عن هذه المهنة الشاقة»، بعد أن واجهن كافة أشكال التعنت من مدير مدرستهن وتيقن من أن تحقيقه أي مطلب لهن يعد درباً من دروب الخيال، فلم تجدن باباً يطرقنه سوى المنطقة التعليمية أملاً في الاستماع لشكواهن.ونجحت مساعيهن في مقابلة المسؤول الذي استقبلهن بحفاوة بالغة خلفت لديهن حالة من التفاؤل في التوصل لحل مشكلاتهن، وكان هذا الحوار:المعلمة: لم نعد نطيق تحمل العمل في هذه المهنة الشاقة فأبسط حقوقنا ضاعت منا بدون أي سبب فما الذي يدفعنا للاستمرار في العمل؟.

المسؤول: الوزارة والمناطق التعليمية تفتح ذراعيها لاستقبال شكاوى المعلمين وتسعى بشتى الطرق إلى علاجها على اعتبار أنهم الأداة الأهم في تنفيذ أي تطوير في العملية التعليمة.المعلمة: إذن ماذا يعني أن يتم إجباري على الحصول على أجازة وضع قدرها 20 يوماً فقط في حين أن القانون كفل لي 45 يوماً براتب مدفوع قبل العودة مرة أخرى للعمل؟، ووصل الأمر إلى تهديدي بالاستغناء عن خدماتي في حال طالت المدة عن هذه الفترة.المسؤول: بالطبع هذا الأمر غير إنساني إلا أنه بالنسبة للمدارس الخاصة فإنه يوجد عقد موقع بين الطرفين يتضمن بنوداً حول حقوق كل طرف على حدة ومن ضمنها الأجازات والرواتب وغيرها من الأمور الملزمة للطرفين ويمكن أن يضمن العقد شرطاً بألا تزيد مدة الأجازة على 30 يوماً على سبيل المثال.المعلمة: وأين الاعتبارات الإنسانية فهل يعني تضمن عقدي لشرط عدم الحصول على أجازة أكثر من ثلاثين يوما مثلاُ أن أحرم من رعاية ابني والحصول على راحة كافية تساعدني على الاستمرار في عملي بعد ذلك؟.

المسؤول: العقد شريعة المتعاقدين.المعلمة منفعلة: إذن فلتكن الاستقالة هي الحل للتخلص من هذه الضغوط النفسية التي لم نجن منها سوى الأمراض.المسؤول: لكي مطلق الحرية في هذا الأمر ولكن عليك أن تقدمي استقالتك قبل منتصف الشهر الجاري كي يتم قبولها.المعلمة: وما بالك أنني قدمتها بالفعل أنا وزملائي إلا أنها قوبلت بالرفض والتعنت من جانب مدير المدرسة لعدم وجود كوادر بديلة.المسؤول: يجب أن تدركن شيئا في غاية الأهمية وهو أن التدريس يعد من أصعب المهن من بين جميع القطاعات ويتطلب كوادر بمواصفات خاصة تؤدي عملها بتفان وتتحلى بالصبر والجلد، خاصة أن مدى جودة الرسالة التي تقدمها تؤثر بصورة أساسية في تربية وتعليم أجيال كاملة يريدها المجتمع مسلحة بالعلم والمعرفة كي تدفع به نحو مزيد من التقدم والرقي.

المعلمة: وهو ما نفعله فنحن نؤدي عملنا على الوجه الأكمل بل ونميزه في كثير من الأحيان على التزاماتنا الأسرية إلا أن ذلك لا يعني أن نحرم من أبسط حقوقنا، ودعني أطرح عليك سؤالاً ألا يتطلب عملنا ضرورة توافر مناخ مشجع ومحفز يدفعنا إلى مزيد من العطاء والحب لعملنا؟.

المسؤول: تعديل أوضاع المعلمين وزيادة الحوافز المقدمة لهم تضعه وزارة التربية والتعليم ضمن قائمة أولوياتها ولكن هذا الأمر يحتاج إلى مزيد من الصبر قبل أن يتم إقراره بصورة نهائية.

المعلمة: لقد حلقنا كثيراً في أجواء من الآمال والتطلعات عقب كل تصريح يصدر حول تعديل قريب في أوضاع المعلمين، وكنا دوماً نستيقظ على واقع أليم بعد أن تتبدد هذه التصريحات بمرور الأيام وتدخل في دائرة النسيان.

المسؤول: عليكن أن تتفاءلن أكثر من ذلك.المعلمة: نتفاءل كثيراً ولم نجن شيئاً من هذا التفاؤل لذا نريد أن «ننفد بجلدنا من العمل في هذه المهنة الشاقة» ونطالب بقبول استقالتنا.المسؤول: أدعوكن إلى التريث قليلاً والعودة مجدداً إلى عملكن.

المعلمة: لم تعد لدينا طاقة للعمل في مهنة التدريس التي تأخذ منا أكثر مما تعطينا ونريد أن نبحث عن وظيفة أخرى بعد أن فقدنا الأمل في زيادة الرواتب أو تعديل أوضاعنا كما أن راتب المعلمة في المدرسة الخاصة متدن للغاية في الوقت الذي تفرض عليها العديد من الأعباء الإضافية وتقلص في الوقت ذاته حقوقها، فعملنا في أية دائرة حكومية أخرى أفضل كثيراً من التدريس. وهنا نظر المسؤول إلى هاتفه المحمول ولسان حاله يقول يا حبذا من مكالمة هاتفية تنقذني من هذا المأزق.

وعاد الحديث مرة أخرى إلى المعلمة قائلة: ماذا ستفعلون تجاه التعنت الذي تصدره المدرسة بحقنا برفضها استقالتنا؟.المسؤول: سنقوم بالاتصال بالإدارة للاستفسار عن الوضع وسنعلمكن قريباً بما توصلنا إليه.

وهنا تنفس المسؤول الصعداء بعد أن دق جرس هاتفه المحمول وعلى الفور طلب من المعلمات الاستئذان لان لديه اجتماع هام!.وجرى حديث بين المعلمات عند خروجهن من المعلمات قائلات نتمنى ألا يكون الرد على طلبنا هذا بنفس سرعة إجراءات زيادة الحوافز المقدمة للمعلمين.

أحمد جمال