قضايا الميدان التربوي كثيرة وهمومه وآماله متجددة فهي كالبحر الذي لا تنضب مياهه فقليلاً نجده هادئاً بفعل عوامل مناخية مستقرة ألمت بالميدان وتارة نجده هائجاً متمرداً بفعل عوامل مناخية متقلبة أعتاد عليها الميدان.
ومن خلال هذه المساحة الحرة من الرأي نسلط الضوء على جميع هذه القضايا من خلال طرح متجدد يعتمد على الأسلوب الساخر دون أن يخلو من المضمون الهادف من خلال حوار بين أشخاص معنيين بمشاكل الميدان يطرحون خلاله وجهات نظرهم المختلفة ويخرجون في النهاية بحلول ملائمة لها.طغى رفع الحد الأدنى للنجاح لطلبة الصف الثاني عشر من 50% إلى 60% على مناقشات طلبة إحدى المدارس مع معلمهم لمادة الرياضيات وتحولت دفة حديثهم حول الأرقام والحسابات المعقدة إلى سرد معاناة وسلبيات هذا «التعديل» الذي وجه له الطلبة اتهاماً مباشراً بالشروع في قتل أحلامهم وزيادة غلة قائمة راسبي الثانوية العامة.
وبادر أحد الطلبة بالحديث لمعلمه قائلاً: ما ذنبي أن أحصل على نصف العلامة في جميع المواد التي أديت امتحاناتي بها في الفصل الدراسي الأول ومجموع قدره 55% وأجد نفسي في نهاية الأمر راسبا، فأي نظام تعليمي هذا الذي يدفع بالطلبة إلى الرسوب على الرغم من أنهم تمكنوا من الحصول على الحد الأدنى للنجاح المتعارف عليه والمقدر ب50% من المجموع الكلي لدرجاتهم.
المعلم: ما تقوله تجسيد حي لما يعرف بنظرية «النجاح بأقل مجهود» السائدة لدى عدد كبير من الطلبة وأولياء أمورهم، فيسعون للوصول لمبتغاهم بالنجاح بأقل مجهود رغبة منهم بالحصول على شهادة الثانوية العامة وحسب بغض النظر عن وجهتهم المستقبلية بعد ذلك، أما الآن وفي ضوء هذا التعديل فإن الجميع مطالب بتكثيف جهوده من أجل الحصول على مجموع لا يقل عن 60% للوصول بسلام إلى محطة التعليم الجامعي.
الطالب: أختلف معك فيما ذكرته حول رغبة الطلبة في النجاح بأقل مجهود، فأنت كنت شاهداً على المعاناة التي عايشناها على مدار الفصل الدراسي الأول، جراء التطبيق المتأخر للنظام الجديد وما ترتب عليه من تكليفات أثقلت كاهلنا، وعدم توفيقنا في تحقيق معدل النجاح المطلوب يرجع للعديد من الأسباب أخرها هو تخاذلنا في مذاكرة دروسنا.
المعلم: إذن فليكن هذا درساً لكم فمازالت هناك فرصة للتعويض في الفصل الدراسي الثاني بعد أن اتضحت غالبية نقاط الغموض في النظام الجديد وأصبح أمام الطالب فرصة كبيرة لتعديل وضعه وتحقيق نتائج متميزة سواء في اختبارات أعمال السنة أو في امتحانات نهاية العام.
الطالب: ولكن نحن وباعتبارنا أولى دفعات النظام الجديد للثانوية العامة تعرضنا لظلم كبير جراء هذه الإجراءات ومن العدل أن يتم استثناؤنا من هذا التعديل في الحد الأدنى للنجاح، الذي جعلنا ندخل الفصل الدراسي الثاني وحالتنا النفسية محطمة بعد أن أصبحنا في عداد الراسبين لظروف قهرية لا ذنب لنا فيها.
المعلم: إذا نظرتم للأمر بشيء من العقلانية لوجدتم أن فوائد هذا التعديل جمة وكبيرة حيث سيسهم بصورة كبيرة في الارتقاء بمستوياتكم ويساعدكم بصورة كبيرة على تحسين مردودكم، وأنا أعتبر أن نسبة الـ 60% هذه هي بداية الطريق نحو تحقيق معدلات عالية فالذي يستطيع الحصول على مجموع 60% يمكنه بقليل ومن الجهد أن يصل بهذا المجموع إلى 70% ثم 80% وصولاً إلى تثبيت أقدامه في الصفوف الأولى بين الطلبة المتفوقين في الثانوية العامة.
وهنا صاح الطالب منفعلاً: ولكن ما ذنب طلبة تعليم الكبار ـ وأخي واحد منهم ـ أن يكونوا على رأس قائمة ضحايا هذا التعديل فالذي استطاع منهم تحقيق هذا الحد الأدنى للنجاح قليل فيما حصل عدد كبير منهم على مجموع بين 50% و59%، ألا تكون المعاناة التي تكبدتها هذه الفئة من الطلبة مدعاة لمد يد العون لهم من أجل الحصول على فرصتهم في التعلم بعدما منعتهم ظروف معيشية قاسية من خوضها في سن مبكرة.
المعلم: مشكلة تعليم الكبار أزلية ومستعصية وأرى أنه لا مكان لهم في ظل هذا النظام الجديد الذي يحتاج إلى طالب بمواصفات خاصة يستطيع تحمل ضغوط التكليفات والاختبارات على مدار الفصلين الدراسيين وهو ما لا يقدر 9,99% من طلبة تعليم الكبار على الالتزام به، لتكن المحصلة النهائية الانهيار الكبير الذي رأيناه في نتائجهم بالفصل الدراسي الأول.
وهنا تفاجأ المعلم والطلبة بشخص يدفع باب الفصل عليهم ويدخل وإذ به مدير المدرسة وكان ملامح الغضب تكسو وجهه.
وصاح في وجه المعلم: أنت تركت شرحك للمنهج وتتحدث للطلبة في عدد من الأمور الهامشية.
المعلم: لقد انتهيت من الشرح قبل انتهاء الحصة وأخذنا حديثا وديا مع الطلبة حول رفع معدل النجاح إلى 60%.
واستشاط مدير المدرسة غضباً وطلب التحدث إلى المعلم على إنفراد وقال له بصوت منخفض: عليك تجنب الحديث في هذه الأمور مع الطلبة فجميع المعطيات تشير إلى أنهم تعرضوا إلى ضغوط كبيرة جراء النظام الجديد لذا فمن الأفضل أن تظل جراحهم خامدة وألا نستثيرهم خاصة وأننا لا نملك كافة الإجابات على استفساراتهم.
وأومأ المعلم رأسه تعبيراً عن امتثاله لتوجيهات مدير مدرسته وأخذ يتمتم بكلمات بطريقه للعودة إلى الصفوف قائلا: «إذا كان رب البيت بالدف ضارباً.. فشيمة أهل البيت السكوت».
ودخل المعلم للفصل مجدداً قائلاً: حسناً أبنائي لنكمل حديثنا عن درس اليوم.
وقاطعه طالب قائلاً: تقصد لنكمل حديثنا عن معاناة الطلبة أفضل.
وهنا دقت الأجراس معلنة نهاية الحصة، وخرج المعلم من الفصل بسرعة البرق بعد أن أستطاع أن «ينفد بجلده» من الحديث في هذه القضايا الشائكة التي خلفت كثيراً من الضحايا والمتهم معروف.
معاناة المعلمين
سرد المعلمون وتعقيباً على القضية التي تناولتها الجيل العدد الماضي بعنوان «المعلمون يتحرون هلال الحوافز» المعاناة التي يواجهونها والتي تؤثر على مدى حبهم وانتمائهم لهذه المهنة الشاقة، فأحدهم بعث برسالة إلى الجيل تتحدث عن الرحلة الشاقة التي يقطعها يومياً من منزله في أم القيوين إلى عمله في احدى مدارس دبي بسبب تدني بدل السكن الذي يحصل عليه بما لا يسمح له باستئجار غرفة في دبي، والعديد من الرسائل وصلت على نفس الشاكلة.
وكان أطرف هذه التعليقات من معلم طالب بأن تجرد مهنة الصحافة من لقب «مهنة البحث عن المتاعب» فمهنة التدريس وفقاً له هي الأحق بهذا اللقب.
أحمد جمال


