أجرى عدد محدود من المراسلين الأجانب حوارا مع الرئيس السوري بشار الأسد في قصر الشعب الواقع في قلب العاصمة دمشق، حيث أكد فيه أن بلاده مستعدة لمواجهة عدوان محتمل من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة، وذلك على الرغم من أنه بدا مقتنعا كذلك بأن واشنطن لن تكرر مع الشعب السوري تجربة الحرب الفاشلة في العراق.

تناول الحوار تحليل الواقع السوري الراهن والوضع في العراق ولبنان والإمكانيات الحقيقية للتفاوض مع إسرائيل، وشدد الرئيس السوري على أنه لن يكون هناك سلام مع إسرائيل من دون استرداد مرتفعات الجولان، التي تحتلها إسرائيل منذ حرب 1967.

وأشار إلى أن الحكومة الحالية في إسرائيل ضعيفة جدا وأن قرار السير في الطريق باتجاه الحرب أو السلام يتوقف على الولايات المتحدة حصرا، وأعرب عن شكه فيما يتعلق بإمكانيات توقيع اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية الحالية. وفيما يلي نص الحوار:

* كيف ترى الوضع في المنطقة على المديين القصير والمتوسط؟

ـ بوسعنا اتخاذ قرار لا يفضي لا إلى الحرب ولا إلى السلام، لكننا لسنا اللاعبين الوحيدين في الساحة، فهناك آخرون أيضا يلعبون دورا على مستوى إقليمي ودولي. ما يجعلنا متفائلين هو أن الشعب يريد السلام. وما يجعلني أشعر بالتشاؤم هو أنه ليست هناك إشارات باتجاه أن الوضع يسير نحو السلام في المنطقة.

هناك محاولات في أوروبا لإعادة توجيه عملية السلام والحفاظ على الاستقرار في المنطقة، لكن هذه التحركات لا يمكن أن تحقق نجاحا من دون مشاركة نشطة من جانب الولايات المتحدة. أي أننا نقف عند مفترق طرق: الاستقرار أو الفوضى في المنطقة.

* لدى الولايات المتحدة خطة لإعادة رسم ملامح الشرق الأوسط. ما هي الخطة البديلة التي تقترحها سوريا؟

ـ لا يستطيع أي طرف أن يفرض بشكل أحادي خطة محددة في المنطقة، وما يفرض نفسه هنا إنما يتمثل بتطورات الأحداث التي تدور في منطقة قديمة جدا تعج بالثقافات والأيديولوجيات. فالمسألة لا تتعلق برسم خطوط حدودية وإنما يتعين علينا أيضا إعادة رسم مستقبل جماعي.

وما لم يتوفر السلام، فإن وتيرة التعصب ستزداد في المنطقة، مما سيزيد كذلك من حدة حالة الانقسام وعدم الاستقرار. وإذا نظرنا إلى نموذج الاتحاد الأوروبي، فإن بوسعنا أن نعزز الوحدة بيننا في منطقتنا، علما بأننا لا نتكلم هنا عن حدود فقط وإنما عما يجب أن تكون عليه طبيعة العلاقات بين البلدان، الأمر الذي يعتبر أكثر أهمية من الحدود. وأي خطة بديلة لخطتنا لن تجد طريقها إلى التطبيق في المنطقة.

* باتت سوريا محاطة بقوات دولية في لبنان وأنجلو- أميركية في العراق، وبلادكم في حالة مواجهة مع إسرائيل وتعايش صعب مع الأردن، كيف يعيش الشعب السوري هذا الوضع من التوتر الدائم؟

ـ الأهم في السياسة ليس امتلاك القوة العسكرية خصوصا عندما تعيش المنطقة وضعا على هذا القدر من التوتر، بل إن الأهم هو الوضع الأيديولوجي والرؤية الصحيحة للمنطقة. فكل ما يجري الآن في العراق كنا قد حذرنا الولايات المتحدة منه قبل أن يحدث. والأمر نفسه حدث مع الإرهاب قبل عقدين من الزمن. نحن دائما نحذر الولايات المتحدة وأوروبا اللتين ما لم تحاربا معنا الإرهاب فستدفعان ثمنا باهظا.

* الصراع على الجولان لم يجد طريقه إلى الحل بعد، لكن هل تغيرت الظروف الخاصة بعملية السلام بعد الحرب في لبنان؟

ـ ما أكدته هذه الحرب هو أن بالقوة لا يمكن بلوغ نهاية حسنة. فلقد حدث الكثير من المجازر والدمار، لكن لم يتحقق أي هدف سياسي. في الاتحاد الأوروبي هناك تغيير واضح جدا حيال السلام، كما أن هناك تغييرا لصالح السلام في وسائل الإعلام الأميركية، رغم أن موقف الإدارة الأميركية لم يتغير حيال السلام، وهذا هو الأهم في الأمر. ونحن نحاول تحليل تلك الإشارات الإيجابية.

* قلتم، مؤخرا، إنكم على استعداد للتفاوض مع إسرائيل طالما أن هناك وسيطا محايدا، هل يمكن أن يكون هذا الوسيط إيطاليا رومانو برودي أو اسبانيا خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو؟

ـ تتطلب عملية السلام وسيطا موضوعيا، لكنها تقتضي أيضا لاعبا يلعب دور البطولة في الحوار. وقبل المفاوضات من الضروري بمكان الأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر كلا الطرفين، واسبانيا تقود هذا الدور وكذلك إيطاليا، رغم وجود عوائق كبيرة. فلقد أعلنت إسرائيل أنها ترفض المبادرة السرية حول السلام،

لكننا نعلم أن الحكومة الحالية في إسرائيل ضعيفة جدا وأن قرار السير في الطريق نحو الحرب أو نحو السلم بيد الولايات المتحدة. الآن بالذات لا يوجد شركاء سلام في المنطقة، وليس هناك من يلعب دور البطولة في عملية السلام في المنطقة. اسبانيا وإيطاليا هما رفيقتا درب وتجمعنا معهما الثقة والعلاقات الطيبة. وفي حال بدأت المفاوضات، فإنه بوسع الأصدقاء التعاون فيها.

* هل من المتوقع على المدى القصير عقد لقاء دولي، ربما في مدريد، بهدف استئناف المفاوضات حتى تعيد الولايات المتحدة وإسرائيل مرتفعات الجولان؟

ـ إن قاعدة ذلك الاجتماع يجب أن تكون استرداد الأراضي المحتلة وسيتعين علينا بناء المفاوضات على أساس تلك المبادئ التي تستلزم استرداد الأراضي والعمل على أن يكون اللاعبون الرئيسيون في تلك المفاوضات شرفاء، ومن الممكن أن يتمثل هؤلاء في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. نحن نريد قواعد راسخة لعملية السلام حتى لا يتمكن أي طرف من الأطراف إعاقتها، مثلما حصل سابقا.

ويجب أن تتواصل هذه المفاوضات من حيث انتهت في عام 1991 لضمان استرداد أراضينا وتنسيق الوضع الأمني في المنطقة. فلقد بقيت آنذاك تفاصيل صغيرة جدا لم تحل ولا يمكن القول الآن إننا سنبدأ من الصفر. فذلك يعني أن الطرف الآخر ليس لديه رؤية جدية للمنطقة. ونحن نأمل أن يكون هناك اتفاق في المدى القصير.

* هل تقبل سوريا بتقسيم العراق بما ذلك قيام دولة كردية؟

ـ نحن ضد أي نوع من التقسيم في العراق لأنه يشكل خطرا كبيرا جدا بالنسبة للمنطقة ويمكن أن يأخذ وقع ذلك على آسيا شكل أحجار الدومينو. أما النتيجة فستكون تقسيم البلاد إلى مناطق كثيرة وهذا سيوجد الكثير من الحروب ودولا دينية وطائفية. ولذلك، فإننا ندعم وحدة العراق بصورية كلية، وبغير ذلك لن يكون سوى الفوضى.

* هل بلادكم مستعدة لعدوان من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة؟

ـ إننا أكثر استعدادا للسلام، لكن أيضا لمواجهة أي عدوان ضدنا، وليس مهما إن كان العدو ضعيفا أم قويا، فنحن دائما على أهبة الاستعداد، ذلك أن السلام ليس منظورا في المستقبل القريب.

* هل تمثل سوريا وإيران وحزب الله القوة الكافية لمواجهة الضغط الدولي في الشرق الوسط؟

ـ ليس بوسعي التكلم إلا عن سوريا. الولايات المتحدة هي أهم قوة في العالم وإسرائيل تعتمد على سلاح يأتي من جانب الولايات المتحدة. لكن هل أنت قادر على الدفاع عن وطنك أمام عدو يتمتع بهذا القدر من القوة؟ الإجابة هي لا. فدرس العراق على قدر كبير من الأهمية. لكن الشيء الوحيد الذي حققه النصر السريع جدا في العراق هو الفشل العسكري والسياسي. لا أعتقد أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ستكرران التجربة معنا، لأنهما لن تحققا أي شيء مختلف عن ذلك.

* ما هي أهداف الإصلاح الداخلي الذي شرعتم به قبل سنوات؟

ـ الإصلاحات تشمل جميع الميادين، لكن هناك أولويات. فالناس في سوريا، التي لا تعد بلدا غنيا، يخبرونني أن مشكلاتهم الرئيسية هي الوضع الاقتصادي وإمكانيات العمل، مما يجعل من الاقتصاد الأولوية الأولى ومن ثم تتبعها الأولية السياسية، لكن الاعتداءات التي شهدتها دمشق جعلت من الاستقرار والأمن الأولوية الرئيسية الآن ومن ثم الاقتصاد وأخيرا السياسة، حيث أنجزنا خطوات كثيرة في هذا السياق، إذ توجد الآن مصارف خاصة وشركات تامين وجامعات ومدارس وكذلك وسائل إعلام خاصة.

ترجمة: باسل أبو حمدة عن «سيف ديموكراسي»