تدوي الانفجارات، وأصوات إطلاق النار في الوقت الراهن بصفة يومية تقريباً في مقاطعات تايلاند الجنوبية. ويشن مسلحون لا يتحمسون لإلقاء الضوء الإعلامي على هويتهم هجمات على رموز حكم تايلاند لمنطقة توجد فيها أغلبية مسلمة تنتمي إلى قبائل الملايو. ويعد المعلمون والكهنة، وليس الجنود ورجال الشرطة فحسب، هم المستهدفون الآن. ويتعرض المسلمون أيضاً إلى القتل بصورة منتظمة، سواء ثأراً لمقتل بوذيين أو لأن المسلحين يراودهم شك في ضلوعهم مع السلطات.

وقطعت، مؤخراً، رأس رجل بوذي في مقاطعة فطاني الثامن من فبراير. وقد وُجدت فيما بعد في كيس بلاستيكي وُضع على جانب الطريق. وذُكر أن رسالة تُركت بالقرب من جثته تفيد أن ذلك جاء انتقاماً لهجوم على محل لبيع الشاي لمسلم نُفذ بقنبلة يدوية. وقد احتدم الصراع وخمد عدة مرات منذ أن استولت تايلاند على المنطقة، التي كانت سلطنة من سلطنات الملايو، في عام 1902. واشتدت وتيرة العنف مجدداً في 2004، ومنذ ذلك الحين قُتل ألفا شخص تقريباً.

عندما ضربت موجة من التفجيرات بانكوك عشية العام الجديد، سارعت حكومة تايلاند العسكرية إلى إنكار تورط المسلحين في زرع المتفجرات. ووجهت اللوم إلى مؤيدي ثاكسين شيناواترا، رئيس الوزراء المخلوع في انقلاب سبتمبر الماضي. ولكن إحدى فرق الشرطة المتعددة التي أجرت تحقيقاً في الانفجارات تقول الآن ان مسلحاً جنوبياً مشتبهاً به تم رصده بالكاميرا بالقرب من إحدى الانفجارات.

واستمر العنف من دون توقف في الوقت الذي زار عبدالله بدوي رئيس الوزراء الماليزي بانكوك مؤخراً. وقد عرض بدوي التوسط مع المسلحين. وفي أواخر 2005 توسط سلف بدوي، مهاتير محمد، الذي كان قد ترك منصبه بالفعل، لإجراء وساطة بين قادة المسلحين والمسؤولين التايلانديين. ولكن الوزراء التايلانديين ناقضوا أنفسهم فيما بعد حول ما إذا كان عرض بدوي قد تم الترحيب به من عدمه.

ما يريده التايلانديون حقاً هو المساعدة على منع عبور الحدود، التي يمر عبرها المسلمون من الجنوب، بمن فيهم المسلحون، بكل سهولة ويسر. واتفق بدوي ونظيره التايلاندي، الجنرال سورايود شولانونت، على إجراءات من شأنها الحيلولة دون مرور كل من يحملون بطاقتي الهوية التايلاندية والماليزية عبر الحدود، وستعرض ماليزيا القيام بالتدريب لزيادة احتمالات فرص العمل للمسلمين التايلانديين.

ولدى بدوي دوافع تحدوه إلى تقديم المساعدة، بما أنه من الواضح أنه لا يريد بروز ما أطلق عليه وزير خارجيته مؤخراً «معقلا للإرهاب الدولي» على عتبة باب ماليزيا. ولكن معاملة المسلمين التايلانديين تعد موضوعاً حساساً في شمالي ماليزيا، حيث تتمتع المعارضة الإسلامية الماليزية بالقوة. لذا فإن بدوي لن يرغب في المخاطرة بتوفير ذخيرة لخصومه.

إن التعاون سيصبح تغييراً مرحباً به بالنسبة للخلافات المتواترة بين البلدين حول جنوب تايلاند. وكان ثاكسين يتهم ماليزيا بتوفير الملاجئ للمسلحين. واشتد به الغضب، في 2005، عندما رفضت ماليزيا إرجاع حوالي 130 مسلماً كانوا قد فروا عبر الحدود زاعمين أن حياتهم كانت في خطر.

ومنذ الانقلاب التايلاندي، كانت هناك توترات فيما يتعلق بالحاجز الأمني الذي يريد الجنرالات التايلانديون إقامته على امتداد الحدود. كان الماليزيون يشعرون بالاستياء من مزاعم الجنرال سورايود القائلة ان الأموال يتم جمعها من أجل الحركة المسلحة عن طريق انتزاع المال من المطاعم التي تبيع حساء تاي توم يوم كونغ التايلاندي في ماليزيا.

وقد قلل ثاكسين من شأن المسلحين باعتبارهم «قطاع طرق» وحاول سحقهم بالقوة العسكرية. وأفضى هذا الأمر إلى مذابح عدة مثل مذبحة تاك باي التي وقعت في أكتوبر 2004، عندما قتل جنود تايلانديون ما لا يقل عن ستة متظاهرين مسلمين ومن ثم قتلوا 78 شخصاً آخرين، معظمهم خنقاً، عن طريق حشرهم في شاحنات. وفي العام الماضي دخل ثاكسين في جدال مع سونثي بونياراتغلين، رئيس الجيش (وهو مسلم)، والذي أراد أن يجري محادثات مع المسلحين. وبعد فترة وجيزة، قاد سونثي الانقلاب ضد ثاكسين.

وكانت الحكومة العسكرية أكثر ميلاً إلى التصالح، حيث قدم الجنرال سورايود اعتذاراً بسبب سوء إدارة الحكومة التايلاندية الوحشي للصراع. حيث تم احتجاز حوالي 90 جنوبياً، عامين بسبب حادثة تاك باي، وأطلق سراحهم من دون توجيه أي تهمة إليهم. وقد تم إحياء وكالة بقيادة مدنية للإشراف على المقاطعات الجنوبية وبناء صلات مع الزعماء المسلمين المحليين، وكان ثاكسين قد قام بإلغائها.

ولكن على نحو ما أمر الجنرال سورايود مؤخراً، وأن هذا المنهج الأكثر تساهلاً لم يظهر نتائجه بعد. وقد هاجم الجنرال زميله، رئيس الجيش، بسبب إخفاقه في جعل الجنوب أكثر أمناً، وأعرب عن شكواه بأن عمله «لا يتوافق مع توقعاتنا».

وقد صُرف من الخدمة رئيس الشرطة الوطني مؤخراً، زعماً بأنه فشل في حل قضية تفجيرات بانكوك. ويقول دونكان مكارغو، وهو أكاديمي يدرس الحركة المسلحة، إن قوات الأمن برهنت على أنها عاجزة عن محاربتها. ويعني نجاح المسلحين أنهم لا يتعرضون لضغط يذكر للتفاوض أو حتى لتوضيح ما يريدونه بالضبط.

والحل الواضح هو منح «الحكم الذاتي الخاص» لجنوب تايلاند، من النوع الذي تم منحه لمسلمي الجنوب في الفلبين و لمقاطعة آتشيه الأندونيسية. ولكن هذا احتمال بعيد. فقد يكون من الصعوبة البالغة إقناع ذوي الأصول العرقية التايلاندية بأن يتركوا الجنوبيين يحكمون أنفسهم ويعترفون بلغة الملايو التي يتحدثونها كلغة رسمية.

ويطالب بعض الوطنيين التايلانديين بجعل البوذية ديناً رسمياً للدولة في الدستور الجديد الذي تجري صياغته الآن. ويقول مكارغو إن حلاً نهائياً قد يأمر بتعيين قائد له تفويض ديمقراطي قوي، على غرار الحل الذي توصل إليه الرئيس الإندونيسي سوسيلو بامبانغ يودهويونو في آتشيه.

ويحذر الجنرال سورايود، بعقلانية، أبناء بلده من أن الطريق إلى السلام سيكون وعراً. والخطر يكمن في أن الجنرالات القلقين سيضجرون من الحديث ويعودون إلى البحث عن حلول عسكرية، الأمر الذي من شأنه أن يصبح أكبر عون للمسلحين في حشد أنصارهم.

ترجمة: كوثر علي عن «إيكونوميست»