يواصل المؤلف حديثه عن التصورات المتوقعة لمسيرة الإنسانية عبر المستقبل، فينتقل إلى الموجة الثالثة أو المرحلة الثالثة إن جاز التعبير وهي المتعلقة بالديمقراطية الكونية الشاملة التي أطلق عليها مصطلح «الديمقراطية الكبرى» التي ستحد من سلطات إمبراطورية السوق وتضع حداً للصراعات والنزاعات العالمية وذلك بالاعتماد على القوى الخيرة التي نرى نواتها الجنينية تتشكل من خلال العديد من المنظمات غير الحكومية التي تسعى إلى تحقيق العدل والازدهار للجميع مع ضمان حقوق الإنسان وتآلفه مع بيئته بصورة تضمن استمرار الحياة على كوكبنا الأرض.
تمتلك الإنسانية منذ سنوات الستينات الماضية الأسلحة النووية الكافية لانتحارها، ولا شيء يوحي بشكل جازم بأنها لن تستعملها. وقد دلّت مسيرة التاريخ أنه عندما يكون بمقدور الإنسان أن يفعل شيئا ما، فإن الأمر ينتهي به إلى أن يفعله، كما يؤكد المؤلف. مع ذلك يميل مؤلف هذا الكتاب إلى الاعتقاد بأن «فشل الإمبراطورية الكبرى للسوق وتهديد النزاع الكبير سوف يدفع الأنظمة الديمقراطية إلى أن تجد السبل كي تقهر القراصنة ـ الإرهابيين ـ وتدفع أذى غريزة الموت الكامنة فيهم». هكذا قامت سابقا على أنقاض الإمبراطورية الرومانية أنماط أخرى للعيش «أكثر حبا للحياة». وبالتالي «سوف تبرز حضارات جديدة من بقايا الأمم النازفة ومن الإمبراطورية الكبرى التي لا وريث لها، حضارات تغذيها قيم جديدة». التعبير الأوضح والأقوى لهذه «الحضارات الجديدة» يحدده المؤلف في القول إن «ديمقراطية كونية سترسي أسسها وستحدّ من سلطات السوق.
وسوف تحاول أن تكسب حروبا أخرى أكثر إلحاحا، إنها الحروب ضد جنون البشر وضد تشوش المناخ وضد الأمراض القاتلة وضد الاستغلال والبؤس. وعندها سوف تحل الموجة الثالثة للمستقبل أي الديمقراطية الكبرى». ويؤكد المؤلف أنه من أجل تصور إمكانية أن يحلّ مثل هذا المستقبل ينبغي أن «يتجرأ» البشر على النظر بعيدا، بعيدا جدا مما هو واقع تفوق الإمبراطورية الأميركية اليوم ومن بروز «منظومة المراكز المتعددة في العالم» وما تحمله من تهديد وأبعد من الإمبراطورية الكبرى للسوق ومن عشرات النزاعات التي سوف تقوم. وعندها فقط سندرك أن تحول «قوى عديدة تعمل الآن على إرساء أسس الديمقراطية الكونية الكبرى»، لكي تصبح «حقيقة عالمية» لا يرتبط سوى بما يفعله البشر اليوم. ويؤكد المؤلف أيضا أنه ومثلما كانت الحال دائما في «فجر كل ثورة كبرى» يبدو أن هناك اليوم الكثير من القوى الإيجابية التي تدفع نحو إقامة عالم يستطيع الجميع أن يعيشوا فيه بشكل أفضل. ذلك أن منجزات العلم الهائلة وما ترتب عليها من تقدم تكنولوجي «ستؤدي إلى زيادة أولئك الذين يدركون أن العالم هو قرية وأن الوفرة ممكنة ويمكن لكل إنسان أن يعيش بشكل أفضل ولمدة أطول». أما المكاسب التي يمكن استخلاصها «منطقيا» من الديمقراطية الكونية الكبرى فيتم تحديدها في «جعل المناخ يتسم بقدر كبير من الاستقرار وتوفر الماء والطاقة والسيطرة على البدانة والبؤس». باختصار يمكن أن تعمّ فضائل الازدهار على الجميع، بل «ويمكن تصور حماية جميع صنوف الاختلاف بل وخلق خلافات أخرى».
حلم بعيد... لكن هذا «الحلم» البعيد لن يكون بإمكانه أن يمنع قيام الإمبراطورية الكبرى للسوق والنزاع الكبير. فالإنسان تعوّد دائما أن يبني «بعد خراب». ومع ذلك سوف تبيّن بعض الكوارث لأكثر البشر تشككا أنه لا يمكن لنمط حياتنا الحالي أن يستمر. لماذا؟ ذلك أن «تقلب المناخ والهوة المتعاظمة بين الأكثر ثراء والأكثر فقرا، وزيادة البدانة وتعاطي المخدرات وانتشار العنف في الحياة اليومية والأعمال الإرهابية الأكثر ترهيبا ودكتاتورية شركات التأمين وجعل الزمن سلعة ونقص المياه والطاقة وتصاعد الجريمة في المدن والأزمات المالية التي تتكرر بإيقاع أكثر، وموجات الهجرة باتجاه أوروبا والتكنولوجيات الأكثر قتلا وفتكا وانتقائية والحروب الأكثر جنونا والبؤس الأخلاقي لدى الأكثر غنى»، هذه الأمور كلها وعدد غيرها سوف تؤدي إلى إيقاظ النائمين الذين يغطّون بأعمق درجات السبات. هكذا ستصبح الكوارث، مرّة أخرى أيضا، أفضل المحامين عن قضية التغيير»، كما يقول المؤلف. إن مثل هذا الموقف يعتمد كثيرا، برأيه على دروس التاريخ نفسها، إذ بعد كل حرب كبرى يتم الحديث عن إعادة البناء والانتهاء من العنف، مرّة واحدة وإلى الأبد وعن «الغفران دون النسيان». ولا يتردد جاك اتالي في التأكيد أن «أناسا من جميع الطبقات وجميع الجنسيات وجميع الثقافات وجميع الولاءات سوف يفكرون بإمكانية إيجاد الشروط المطلوبة لبقاء الإنسانية»، وذلك على قاعدة إدراك أن إمبراطورية السوق والنزاع، أي الموجتين الأولى والثانية للمستقبل «القريب»، لن يستطيعا تأمين شروط البقاء المطلوبة وخلق عالم قادر على الاستقرار.
وقيام «الديمقراطية الكبرى» سيتضمن بالضرورة بروز مشاريع سياسية جديدة ترمي إلى تسوية الخلافات الحدودية بين الدول والخلافات داخل البلدان على أسس إثنية أو عقائدية وجعل الناس يقبلون العيش بتآلف فيما بينهم ومع غيرهم. ولا يستبعد مؤلف هذا الكتاب أن يقوم بعض الدكتاتوريين بوضع يدهم على مثل هذه المشاريع «الطوباوية» لإقامة إمبراطوريات على قاعدة «إيديولوجية توتاليتارية جديدة» تحت أسماء وعناوين متعددة «علمانية أو لاهوتية». ولكن سيبقى بكل الحالات لديها أجهزة شرطتها وأدوات قمعها.
لكن كل الأشكال الوسيطة لن تمنع في نهاية المطاف، حسب الآراء المقدّمة، من أن «تنظيما جديدا متناسقا للعالم سيرى النور ذات يوم. وسوف لن يكون في البداية سوى نوع من التعايش الكوني بين السوق والديمقراطية. لكن هذه وذاك سوف يتم تجاوزهما بعد فترة وجيزة بما أسميه هنا الديمقراطية الكبرى»، كما نقرأ.
إن الوصول لمثل هذه الديمقراطية الكونية الكبرى يربطه المؤلف ببعض المفاهيم التي ستستجد مثل «القوى الفاعلة الطليعية» التي سوف تقوم بإدارة «مؤسسات عقلانية» لا يشكل الربح غاية لديها بحد ذاته، وأيضا وجود «مؤسسات كونية» تسعى لتأمين السلع الضرورية لكل فرد وتراعي بنفس الوقت الصالح العام. هكذا سوف يصبح من الممكن الوصول إلى «نظام جديد من الوفرة» سيتم استبعاد السوق منه أكثر فأكثر.
وفي القافلة المتقدّمة للأمام من أجل خدمة الإنسان «سيكون هناك دور أكبر للطليعة مما هو دور الجنرالات وسط قطعانهم العسكرية»، كما يتوقع جاك اتالي ويحدد بأن هذه الطليعة موجودة في النظام التجاري العالمي السائد، وهو يسميها بـ «الطبقة الخلاّقة» التي تضم أصحاب مؤسسات ومخترعين وفنانين ورجال مال وقادة سياسيين. ويؤكد أن هذه الطبقة ستجمع مستقبلا عددا متعاظما أكثر فأكثر من الأفراد الذين «سيفهمون أن سعادتهم ترتبط بسعادة الآخرين». وهؤلاء «سوف يقطعون أواصر الانتماء مع الطبقة التجارية السائدة وسيرفضون أن يضعوا أنفسهم في خدمة القراصنة». وهكذا يطلق عليهم تسمية «ذوي الانتماء الإنساني»، أو بتعبير آخر «مواطنين عالميين».
دور النساء
لا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول إن النساء «سوف يجدن أنفسهن في الدور الإنساني أكثر من الرجال». وبالتالي سوف تتعاظم مساهمتهن في الاقتصاد وفي المجتمع «الإنساني» القادم. وسيكون بينهن العشرات من أمثال «الأم تيريزا» المعاصرة.
وسيضم «مجتمع الديمقراطية الكبرى» القادم أصحاب الملايين الذين سينذرون ثروتهم لمؤسسات علمية أو اجتماعية، كما سيضم متدينين وعلمانيين من جميع الأمم والجنسيات. باختصار سيضم جميع أولئك الذين لا يرون في الآخر «منافسا» كما هو الحال في عالم التجارة الذي تسود فيه قاعدة أن الآخر هو ذلك العدو الطامع بالخيرات النادرة والذي «لا ينبغي تقاسم أية معرفة معه». بالمقابل سوف يبني «مواطنو العالم» الإنساني القادم ما يسميه المؤلف ب«الاقتصاد التشاركي» الذي لا يخضع لقوانين الندرة وبحيث إن إعطاء المعرفة إنما «سيسمح بإنتاج وتبادل الخدمات المجانية حقيقة في ميادين الصحة والتربية وغيرها». ذلك أن مثل هذه الخدمات لن تكون نادرة، إذ «بمقدار ما يعطي المرء يأخذ».
كذلك يتم التأكيد ضمن السياق نفسه على أن «مواطني العالم ذوي النزعة الإنسانية» سينشئون في المستقبل» مؤسسات ذات طابع تشاركي» يكون هدفها الأساسي هو معالجة المشاكل التي لن يستطيع السوق معالجتها. كيف؟ «عن طريق إحلال الديمقراطية محل عولمة السوق». وفي مثل هذه المؤسسات «المستقبلية» لن يكون مفهوم الربح سوى «ضرورة من أجل البقاء وليس غاية بحد ذاته».
أما الأشكال الجنينية ل«المؤسسات التشاركية» فيجدها المؤلف اليوم في هيئات مثل «أطباء بلا حدود والصليب الأحمر والعديد من المنظمات غير الحكومية». ومن بين مئات الآلاف من هذه المنظمات يكتفي بذكر منظمة «فيللا السلفادور» في بلدان الجنوب ـ البلدان النامية ـ والتي سمحت لأحد أحياء الصفيح المحيطة بمدينة ليما بفتح مدارس استقبلت 90 بالمئة من الأطفال والبالغين من أبناء الحي المعني. ويشبّه المؤلف الدور الذي تلعبه مثل هذه المنظمات، على هامش الرأسمالية، بالدور الذي لعبه تجار البندقية على هامش النظام الإقطاعي.
ويقدّر المؤلف أن «المؤسسات ذات الطابع التشاركي» تمثل اليوم، حسب المعايير التجارية، حوالي 10 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهذه النسبة مرشحة للازدياد. كما يشير إلى أنها قد أسست أصلا لمفاهيم تعلن عن «القيم المستقبلية» مثل «حق التدخل الإنساني وحق الطفولة وحق الكرامة».
كما أنها كانت وراء معظم المؤسسات الدولية الحديثة مثل «صندوق مكافحة الايدز» و«الصندوق العالمي لحماية البيئة» و«المحكمة الجنائية الدولية». ثم يرى أنه ب«فضل» هذه المؤسسات أصبح يتم الحديث عن «المجموعة الدولية» وليس عن «الحكومة العالمية». هذه التعبيرات الجديدة كلها يجدها المؤلف بمثابة «الاختلاجات الأولى» لديمقراطية عالمية يسميها «الديمقراطية الكبرى».
ويتم تحديد النشاط الأولي للمؤسسات الجديدة في مجال تسيير شؤون المدن وخاصة فيما يتعلق بالتربية والصحة ومكافحة الفقر وحماية البيئة والتجارة العادلة ومجّانية الخدمات وتعزيز الاندماج الاجتماعي ومكافحة المخدرات ورقابة «الذين يقومون بالرقابة».
وفي محصلة هذا كله «سوف يقوم اقتصاد جديد، هو هامشي اليوم مثلما كانت المنظومة الرأسمالية هامشية في مطلع القرن الثالث عشر، لكنه ينبئ عما سيكون عليه المستقبل بمقدار ما كانت الرأسمالية قد تنبأت به»، حسب تعبير المؤلّف. ثم يضيف: «قبل منتصف القرن الحادي والعشرين سوف تبدأ الديمقراطية الكبرى بالظهور في الواقع المؤسسي للعالم، وسوف يبدأ عندها النقاش حول إقامة مؤسسات كونية متناسقة تسمح للإنسانية بعدم التهافت تحت ضربات الإمبراطورية الكبرى للسوق وتجنب الآثار التدميرية للنزاع الكبير».
وإذا كان مؤلف هذا الكتاب يتحاشى الخوض في وصف «تفاصيل» ما ستكون عليه المؤسسات «الكونية» المستقبلية، فإنه يؤكد أن «زمنا طويلا سوف يمضي قبل أن تدق ساعتها وكثير من العواصف سوف تنفجر وكثيرا من التكنولوجيات سوف ترى النور. كذلك سوف تستجد الكثير من المفاجآت التي ستغيّر، لفترات عابرة، مجرى التاريخ».
لكن هذا كله لا يمنعه من تحديد الخطوط الكبرى لها «دون خشية الوقوع بخطأ كبير اعتمادا على التاريخ وعلى قراءة الموجتين الأولى والثانية للمستقبل» كما يقول. ويرى أنها ستقوم انطلاقا من منظمات محلية ووطنية وقارّية وعالمية. أما الدول فيرى أنه سيكون عليها، من أجل أن تستطيع المقاومة أمام هجمات الأسواق، التركيز على القيام ببعض الوظائف ذات العلاقة بالسيادة مثل الأمن والسهر على الراحة العامة للمواطنين والدفاع عن اللغة وضمان حق العلاج والمعرفة والحد الأدنى من الدخل لجميع القاطنين فيها بشكل دائم أو مؤقت».
وفي مثل هذا المنظور المستقبلي «سوف تلتقي الحدود، وبحيث سيكون الفرد مواطنا في عدة كيانات بنفس الوقت كذلك سيكون بمقدوره الدفاع عن هويته دون إرادة تدمير هويات جيرانه. هكذا ستنجح الأمم شيئا فشيئا بإيجاد السبل للوصول إلى حسن الجوار».
في خريطة المستقبل كما يرسمها مؤلف هذا الكتاب، «سوف تقيم ديمقراطيات السوق في كل قارة أو شبه قارة اتحادا فيما بينها، على شاكلة الاتحاد الأوروبي حاليا». ومثل هذه الخطوة ستترافق، كما يرى، مع قيام كل «اتحاد» بمسؤولية إيجاد عملة موحّدة وشفافية الأسواق وحماية البيئة والأمن الداخلي والضمان الاجتماعي وتنسيق سياسات الصحة والتربية والهجرة والسياسة الخارجية والدفاعية في «المجال المشترك». هذا إلى جانب قيام برلمان، وخاصة إيجاد «هيئة» من أجل حل الخلافات بين الأمم والبلدان المعنية. وهنا يفتح المؤلف القوسين لحالة الشرق الأوسط ويكتب: «من المفروض أن يصبح مثل هذا المستقبل ممكنا في الشرق الأوسط الذي ربما عليه أن يجمع ذات يوم كل الأمم، بما في ذلك إسرائيل وفلسطين، في اتحاد إقليمي».
أما الاتحاد الأوروبي، الطليعي في ميدان الديمقراطية الكبرى ف«سوف يصبح دون شك ذات يوم أمّة من طراز جديد ستضم تركيا وروسيا. وهنا سوف تتوفر بشكل أفضل شروط توازن بين السوق والديمقراطية. وفي أوروبا سوف تبدأ المسيرة التي تؤدي إلى قيام الإمبراطورية الكبرى».
وعلى الصعيد العالمي من المفترض أن تقوم، «وستقوم» كما يؤكد جاك اتالي، مؤسسات جديدة انطلاقا من المؤسسات القائمة اليوم. وستكون منظمة الأمم المتحدة هي «القاعدة» التي سيتم البناء عليها وبحيث يتم تعميم ميثاقها وتطويره كي يصبح بمثابة «دستور» كوني ذي بعد «ما فوق وطني» وليس فقط قائما على مفهوم «تعددية الأطراف». ويتوقع أن تنص «افتتاحيته» على جميع «حقوق وواجبات» كل إنسان حيال الطبيعة والحياة وباقي بني الإنسان.
كذلك يتم في السياق نفسه تصور قيام نوع من «البرلمان الكوني» الذي سيكون عليه تقرير «الضرائب العالمية» على أساس الناتج المحلي الإجمالي لكل بلد ونفقاته في ميدان التسلح وما يصدر عن مصانعه من غاز الفحم. أما مجلس الأمن الدولي فسوف «يتوحّد مع مجموعة الدول المصنعة الكبرى الثماني ويتوسع كي يضم بعض البلدان الكبرى مثل الهند والبرازيل وأندونيسيا». أما أعضاؤه ف«سيكونون حصرا» من ممثلي الاتحادات القائمة على مستوى القارات. وستكون مهمته ذات طابع «رقابي» ذات سلطة «حكومية» إلى هذه الدرجة أو تلك، وبحيث تؤمن موارد مكرّسة لحماية الإنسانية أكبر بكثير مما تؤمنه حكومات العالم اليوم.
الوصاية المباشرة
من المتوقع هنا أن يتم وضع المؤسسات المالية الدولية مثل منظمة التجارة العالمية ومنظمة العمل الدولية تحت «الوصاية المباشرة» لمجلس الأمن بصورته الجديدة كي لا تبقى أسيرة تعليمات الدول الأكثر ثراءً. وحتى تكتمل الصورة «سيتم تزويد مجلس الأمن بإمكانيات عسكرية» لمكافحة المافيات وتجارة المخدرات وحماية البيئة ومكافحة «القراصنة».
وإلى جانب المؤسسات «المستقبلية» المتوقعة أعلاه، يتم الحديث أيضا عن «محكمة جنائية كونية» و«وكالة عالمية للمياه» و«هيئة عالمية للأسواق» و«هيئة لمراقبة نوعية المنتجات الاستهلاكية» و«هيئة لمراقبة شركات التأمين»،الخ. كذلك «سيكون هناك بنك مركزي لتأمين استقرار العملات الرئيسية في مرحلة أولى ثم عملة عالمية واحدة». و«بنك عالمي للتنمية». أما مقر هذه المؤسسات كلها فلن يكون بالطبع في المكان نفسه».
وبالنسبة لموقع السوق داخل الديمقراطية الكبرى يقول اتالي إنه سيحل «شيئا فشيئا نوع من «التوازن الكوني». فمن جهة «ستسمح مؤسسات الديمقراطية الكبرى للسوق كي يعمل بطريقة فعّالة مع تجنّب عدم الاستخدام الأمثل للقدرات الإنتاجية عبر القيام بأشغال كبيرة على المستوى العالمي في ميادين تعمير المدن والطاقة والصناعة الرقمية». ثم يرى أن «ضبط إيقاع السوق» سيجعله يتوقف عن محاولة «إعاقة» الديمقراطية. ثم إن تطوير تكنولوجيات جديدة سيكون الهدف منه تأمين» وفرة جديدة للطاقة والمياه في إطار بيئة محمية ومناخ ملطّف».
ومن المتوقع أن تقوم المؤسسات التجارية «المرشّدة»، بمعنى التي يكون ربحها من دورها في العلاقات الإنسانية، بتقديم خدمات شخصية ـ التربية والصحة وغيرهما ـ وخدمات في المنازل ـ مجالسة الأطفال ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة. ومن جهة أخرى يعدنا المستقبل، كما هو مرسوم، بالكثير من «المتع» المجانية لتمضية أوقات الفراغ. فالسينما «ستصبح مجانية» وكذلك الكتب والمجلات، و«سيكون على القراء أن يدفعوا فقط للناشرين من أجل الاستماع لمحاضرات المؤلفين ونقاشاتهم . باختصار «سوف تطال المجّانية جميع الميادين الأساسية للحياة».
وفي المحصلة يرى المؤلف أن «الديمقراطية الكبرى» ستطور كل ما من شأنه حماية العناصر التي تفسح المجال كي تكون الحياة كريمة. كما ستخلق نوعا من «الذكاء الجماعي» الذي تكمن صفته الأولى في أنه «خلاّق»، وحيث إنه هو نفسه بالنتيجة «يربط» بين ذكاء الأفراد الكامن وراء كل عملية اختراع وتجديد.
ويؤكد جاك أتالي على أن «الإمبراطورية الكبرى للسوق ستحاول، على امتداد عقود طويلة، منع ولادة الديمقراطية الكبرى». ذلك أن بعض «أسياد السوق» سيجعلون هدفهم هو «تخريب» قيم الديمقراطية الكبرى و«خنق» مؤسساتها، و«اتهام» ممثليها بالخيانة. هذا بالإضافة إلى محاولات «إفسادهم» أو «تخويفهم؛ وفي الحالتين من أجل أن يغيّروا معسكرهم.
و«سيحاول بعض قادة الحركات الدينية أن «يوظّفوا» مفاهيم الديمقراطية الكبرى لصالحهم». أما رجال السياسة فسوف يحاولون إقامة دكتاتورية كونية، إلى هذه الدرجة أو تلك، بقصد أن ينبثق «إنسان جديد» يستحق العيش في الديمقراطية الكبرى، وبحيث يكون هذا الإنسان «مبرمجا» كي يحب الوضع الذي هو فيه. ثم قد لا يتورع «الحكام المستبدون» عن قتل جميع أولئك الذين «ليسوا جديرين» بأن يكونوا من النخبة الجديدة.
هكذا إذن سوف يشهد القرن الحادي والعشرين، حسب الرؤية المقدّمة في هذا الكتاب، ثلاث موجات متتالية هي «الإمبراطورية الكبرى في ظل سيادة السوق» ثم «النزاع الكبير على خلفية تنامي أشكال كل تهديدات العنف» ثم «الديمقراطية الكبرى التي ستعيد للإنسان ثقته بإنسانيته». لكن من الآن حتى ذلك الحين ـ تحقيق «الديمقراطية الكبرى» ـ سيشهد العالم الكثير من الأحداث، التي قد تكون أسوأ أو أفضل من تلك التي تمّ تصورها هنا.
عرض ومناقشة: محمد مخلوف



