يتناول المؤلف في هذه الحلقة ما يمكن اعتباره الموجة الثانية من التغييرات التي سترسم شكل المستقبل والتي تتحدث عن نشوب صراعات وحروب تتمحور حول مصادر الطاقة التي ستمس الحاجة إليها في المستقبل ومصادر المياه الصالحة للشرب وكذلك حول الحدود بهدف تحقيق التجميع الديني أو العرقي.
وهذا كله سيحدث في ظل تضاؤل سلطات الدولة وسيطرة جماعات خارجة عن القانون من القراصنة والمافيات التي قد تنجح في تشكيل تكتلات أشبه ما تكون بالدول لتعيث في الأرض فساداً مما يقتضي مواجهتها في صورة حروب وقائية قد تستخدم فيها أسلحة مدمرة وتنتهك فيها حقوق الإنسان على نطاق واسع. وخلاصة القول، فإن العالم المستقبلي الذي يتصوره المؤلف هو عالم متصارع متناحر فيما بينه يحاول الجميع فيه أن يبحث عن موطئ قدم له يحفظ له مصالحه وأمنه.مع نهاية الاتحاد السوفييتي السابق والمنظومة التي كانت تدور في فلكه وما أعقب ذلك من اتساع رقعة البلدان الديمقراطية في العالم، بدا أن شبح الحرب قد ابتعد، والسباق المحموم الذي شهدته فترة الحرب الباردة قد توقف.
وفي الوقت نفسه أدركت بلدان العالم كلها أن الازدهار الاقتصادي يجلب لها من الخيرات أكثر مما تجلبه الحرب. ولم يبد العالم، ظاهريا على الأقل، أكثر سلما مما هو عليه اليوم، إذ وللمرّة الأولى منذ قرن كامل ليست هناك أية حرب معلنة بين بلدين مستقلين.
مع ذلك، وكما هي العادة، في الوقت الذي يبدو فيه أن الدول تفقد من سلطانها مع الإعلان عن وصول «إمبراطورية السوق الكبرى» بدأت بالتزامن فترة «ما قبل حرب جديدة». فعندما يتعمم السوق تنتعش الخلافات ويصبح كل طرف منافسا للآخر، بل لجميع الآخرين. وعندما تضعف الدولة تنتفي إمكانية التحكم بالعنف، وتتكاثر النزاعات المحلية و«تتناطح» الطموحات وتفقد الحياة الكثير من معناها.
لا شك أن زوال الاتحاد السوفييتي قد أنهى وجود أحد «رجال شرطة» العالم. لكن وفيما هو أبعد من ذلك، يمكن للفشل المعلن مسبقا ل«إمبراطورية السوق الكبرى»، وللتقدم الكبير الذي سيتم تحقيقه في ميدان صناعة الأسلحة ولتزايد عدد «مراكز التأثير» أن يؤدي إلى نزاع شامل وإلى انخراط العالم كله به. وهذا ما يسميه مؤلف الكتاب ب«النزاع الكبير» الذي سيكون أكثر تدميرا من كل النزاعات التي سبقته، المحلية منها أو العالمية.
قوى جديدة
من الآن وحتى عام 2025، ستبرز قوى جديدة في إطار قيام نظام متعدد المراكز تدريجيا. وسترغب هذه القوى كلها في الوصول إلى نفس الثروات، وستكون كلها أيضا مزوّدة بالإمكانيات العسكرية التي تجعل طموحاتها مبررة بنظرها. وسيكون في عداد تلك الدول التي ستستطيع فرض سيطرتها خلال هذه الفترة ـ حتى 2025 ـ بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى الأكثر «هامشية» وإنما ذات النزعة الحربية.
إن الصين ـ ذات النفقات العسكرية المتواضعة حتى الآن ـ ستسعى كي تصبح من جديد قوة عظمى، بما في ذلك، وربما أساسا، على الصعيد الإستراتيجي. وسوف تحاول، بطريقة أو بأخرى، الاستيلاء على تايوان وتعزيز هيمنتها على شرق آسيا، كما فعلت الولايات المتحدة الأميركية حيال القارة الأميركية خلال القرن التاسع عشر.
وسيكون الهمّ الأول للصين هو أن تنجح في إبعاد اليابان والولايات المتحدة عن هذه المنطقة. ومن المتوقع أن تعتمد على كوريا الجنوبية التي ستزيد من تسليحها وستترك النظام الكوري الشمالي التوتاليتاري يستمر بل يزوّد نفسه بإمكانيات جديدة للدفاع عن نفسه، بما في ذلك امتلاكه للسلاح النووي.
وستكون اليابان قد أصبحت من جديد قوة عسكرية عالية التسليح لدرء مخاطر التهديد الكوري والقوة الصينية الصاعدة. وستحرص الهند على زيادة إمكانياتها العسكرية للمحافظة على موقع قوي في مواجهة جيرانها. أما باكستان، التي يتوقع مؤلف هذا الكتاب أنها لن تصبح محكومة من قبل إسلاميين متطرفين، فسوف تقوّي بدورها من قدراتها العسكرية في مواجهة الهند .
ولكن أيضا من أجل أن تؤمّن تفوقها على جيرانها من أفغانستان إلى كشمير. وستحاول إندونيسيا التزوّد بالقوة التي تسمح لها بالسيطرة في منطقة جنوب شرق آسيا. لكن الدولة المنافسة لها في مشروع السيطرة هذا هي أستراليا التي ستسعى إلى تأكيد نفوذها، أو على الأقل حماية نفسها في مواجهة التطلعات الاندونيسية.
يرى المؤلف أن إيران ستحاول السيطرة على العالم الإسلامي، لاسيما أنها تمتلك وزنا ديموغرافيا كبيرا والمال والنفط والموقع الإستراتيجي. لكن تركيا، حسب الرؤية المقدمة، لن تترك لها المجال حرّا للسيطرة على مجمل العالم الناطق باللغة التركية. وستحاول المملكة العربية السعودية المحافظة على السيطرة في منطقتها.
كما سيكون لدى مصر جميع الأسباب التي تسمح لها بشغل مكان الصدارة في العالم العربي. أما إسرائيل فستحاول أن تبقى «قوة إقليمية» وذلك على أساس أن هذا يشكل السبيل الوحيد لبقائها. وسوف تتنازع الجزائر والمغرب على «المركز القيادي» في المغرب العربي. كما ستسعى كل من نيجيريا والكونغو، رغم أنهما مهددتان كلاهما بالتفكك، السيطرة على المناطق المحيطة بهما، وحيث ستكون ورقتهما الرابحة الكبيرة هي الازدياد الكبير في عدد السكان.
أما التطلع الروسي فإنه يتوجه بالدرجة الأولى لاستعادة مكانتها كقوة رئيسية على الصعيد العالمي وسيتأصل لديها الإحساس بأنها «على الخط الأول» في مواجهة الصين الصاعدة ولكن أيضا في مواجهة البلدان الإسلامية المجاورة والقريبة. ويؤكد المؤلف أنها سوف تعيد تسليح نفسها أكثر فأكثر وستقيم شبكة من التحالفات العسكرية تتطابق مع شبكة خطوط نقل البترول والغاز منها إلى العالم الخارجي.
وستحاول البرازيل من جهتها السيطرة في منطقة جنوب القارة الأميركية، لكن فنزويلا ستجهد كي تأخذ منها هذا الدور إلى جانب إقامة تحالفات مع بلدان أخرى من أجل طرد الولايات المتحدة الأميركية من المنطقة. ومن المؤكد أيضا أن المكسيك والأرجنتين لن تتركا نفسهما عرضة للتهميش. ويتوقع المؤلف أن تشهد المكسيك خاصة تمرّدات سياسية واجتماعية كبيرة ترمي إلى «قطع» التحالفات القائمة مع الولايات المتحدة الأميركية بينما ستحاول كندا المحافظة دائما على موقف الحياد.
«جميع هذه الطموحات الإقليمية ستتصادم فيما بينها»، بحسب «قراءة» مؤلف هذا الكتاب للمستقبل حيث يضيف: «سوف نرى أميركا اللاتينية في حالة تمرد ضد الوجود الاقتصادي العسكري الأميركي، وعالم عربي يحلم بإزالة إسرائيل ومجموع فارسي راغب في دربكة العالم العربي وروسيا باحثة من جديد عن السيطرة على جزء من أوروبا وعن سبل حمايتها أمام الصين ، والهند وباكستان ستسعى كل منهما إلى إبعاد الأخرى عن البلدان المحيطة؛ والصين وروسيا ستنصب طموحاتهما على السيطرة على نفس المناطق الحدودية. واليابان والولايات المتحدة والصين تتنافس فيما بينها من أجل السيطرة على شرق آسيا».
هذه الخارطة التي يرسمها المؤلف لأفق المستقبل القريب ستؤدي، برأيه أيضا، إلى إقامة العديد من التحالفات بين شركاء لا يبدو تحالفهما محتملا أحيانا. فإيران سوف تتعاون مع الصين وروسيا؛ والصين مع باكستان؛ وروسيا مع الاتحاد الأوروبي؛ ويمكن لباكستان ومصر وإندونيسيا وإيران أن تتوحد في تجمع إسلامي، وسوف تحاول البلدان الصغيرة في جنوب شرق آسيا أن تتوحد عسكريا فيما بينها للنجاة من السيطرة الأميركية أو الصينية أو اليابانية؛ وستبحث إيران وفنزويلا عن الدعم لدى الروس والصينيين وسيتقارب الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة.
إن تصادم هذه الطموحات كلها في الميدان الدبلوماسي والاقتصادي أولا قد يؤدي مستقبلا إلى مجابهات عسكرية بين الدول، وعندها «سوف تنخرط فيها قوى قديمة جدا وقراصنة ومرتزقة».
عصر القراصنة
بعد أن يشير المؤلف إلى أن الدول لم تكن خلال التاريخ كله هي القوى المسؤولة حصرا عن العنف في العالم، يؤكّد أن المافيات والعصابات والحركات الإرهابية ـ يطلق عليها المؤلف هنا تسمية «قراصنة» ـ قد وجدت دائما ما يدفعها إلى محاربة الأمم أو على الأقل خرق قوانينها.
لذلك وعندما سوف تضعف الدول في ظل «إمبراطورية السوق الكبرى» وسيصبح عمل الشرطة وتطبيق القانون أكثر تراجعا، فإن العنف سوف يتعاظم في الحياة العامّة وبين الأفراد. وعندها «سوف يصبح هؤلاء القراصنة عناصر الفعل الأساسية في الاقتصاد والجيوسياسة».
ويتم التأكيد في هذا السياق أيضا على أنه منذ اللحظة التي ستبدأ فيها «إمبراطورية السوق الكبرى» سيزداد عدد «القراصنة» وستزداد قوتهم أكثر من أي وقت مضى. وعندها لن يكتفوا أيضا ب«إيجاد مكان لهم» داخلها أو «جني بعض المكاسب» من «الحرب الباردة» التي ستشهدها، وإنما سيحاولون الذهاب أبعد بكثير وصولا إلى «محاولة مد سلطتهم على العالم كله». وستزداد قوتهم بالتوازي مع ازدياد انتشار «إمبراطورية السوق الكبرى» لاسيما وأنه لن تكون هناك أجهزة شرطة تابعة للدول بإمكانها محاربتهم.
لكن من هم «القراصنة» الذين يعنيهم المؤلف؟
إنه يؤكد أن بعض الأمم التي سوف تتفكك تحت ضغط الأسواق واللعبة الديمقراطية سوف تؤدي إلى ولادة «كيانات قرصنة» أو «دول قرصنة» أو «مناطق يغيب منها القانون». وبكل الحالات سوف تخضع لقيادة سادة الحرب الذين يسيطرون على مناطق أو مرافئ أو خطوط أنابيب لنقل مصادر الطاقة أو الطرق أو المواد الأولية.
ويشار هنا أيضا إلى أن «مدنا تضخّمت بسرعة» ستصبح هي الأخرى مراتع للقرصنة حيث لن تتجرأ بعد ذلك أية أجهزة شرطة أو أي جيش على الدخول إليها. الأمثلة المقدمة على مثل هذه الحالة تتمثل في بعض التجمعات السكانية في البرازيل ونيجيريا والكونغو وكولومبيا.
وستزدهر أيضا المنظمات «المافيوزية» والإجرامية ب«ياقات بيضاء» والمسؤولة عن تجارة المخدرات أو الدعارة أو الأسلحة. ومن خصوصيات هذه المنظمات أنها ستعمل دون «قاعدة جغرافية»، لكنها ستتصرف مثل الدول وضد الدول من أجل ضمان أمنها، وسوف تتزود ـ لقد تزودت أصلا- بأكثر الأسلحة تقدما ولن تتردد في تهديد القضاة ورجال الشرطة والقادة السياسيين الذين قد يعترضون طريقها. إنها باختصار ستجعل «التفكك العام للعالم» في خدمتها.
في مواجهة مثل هذه التهديدات كلها ستكون الدول بحاجة إلى زيادة عدد شرطتها وعدتها مع «الاستعداد لمواجهة خطر الموت». ومن الواضح أن عدد المتطوعين سيتضاءل أكثر فأكثر، وسيضغط الرأي العام في «ديمقراطيات السوق» من أجل تقليص عدد القتلى في صفوف جيوش بلدانهم. وهناك الآن مثلا نسبة 5 ,0 بالمائة فقط من الأميركيين تحت السلاح وكل جندي يُقتل هو بمثابة «مأساة وطنية». لذلك يحدد المؤلف القول:
«سينبغي على الإمبراطورية الأميركية، مثلما كان حال الإمبراطورية الرومانية سابقا، وبغية القيام بالمهمات التي تحددها، اللجوء إلى دمج عدد متعاظم أكثر فأكثر من الأجانب في جيوشها، وهناك اليوم نسبة 5 بالمئة من القوات المسلحة الأميركية من المهاجرين الذين لم يحصلوا بعد على الجنسية الأميركية.
وعدد هؤلاء يتزايد بكثرة منذ إصدار مرسوم 4 يوليو 2002 القاضي بتسريع منح الجنسية للأجانب الذين ينخرطون في الجيش الأميركي، وهذا نسخة طبق الأصل تقريبا عن المرسوم الذي كان قد أصدره الإمبراطور الروماني هادريان في عام 138 ميلادي».
بكل الحالات سيكون الردع ضروريا دائما، وغيابه كارثة، ضد الدول العدوانية باستمرار. هذا ما تقوله تجارب التاريخ، كما يشير المؤلف. ففي عام 1962 مثلا واجه جون كيندي بحزم وجود الصواريخ السوفييتية في كوبا مما أجبر موسكو على تفكيكها وإعادتها إلى مواقعها في روسيا. وفي مطلع عقد الثمانينات ساند فرانسوا ميتران نصب صواريخ أميركية في أوروبا بمواجهة التهديد السوفييتي.
الخطر الصاروخي
يتم التأكيد في هذا السياق أنه لن يكون هناك أحد بمأمن من الأسلحة التي قد تكون موجهة اليوم إلى خصم وإنما قد تتوجه غدا إلى آخر. فالصواريخ الكورية الشمالية المصوبة نحو اليابان «سوف تستهدف ذات يوم الولايات المتحدة الأميركية والصين». والصواريخ الباكستانية ستهدد الهند، لكن بعدها أوروبا. ولا شيء يمنع أن تستهدف الصواريخ الصينية ذات يوم اليابان والولايات المتحدة، وذلك إذا «تصلّب» الحزب الشيوعي الصيني ووجد بإشهار التهديد الخارجي وسيلة لتجنب تفككه الذاتي، حسب تحليلات المؤلف.
لكن لن يكون ممكنا ردع «القراصنة» إذ ليس لهم أرض يدافعون عنها. وبالتالي «ليس هناك وسيلة ضد القراصنة سوى القيام بهجوم وقائي»، كما يقول المؤلف قبل أن يضيف مستدركا «بالطبع لا ينبغي أن يقوم التحالف ـ ضد القراصنة، من أجل تبرير حربه الوقائية، باختراع وجود نوايا عدوانية ولا تقديم حجة أسلحة الدمار الشامل الوهمية، كما كان الأمر بالنسبة للحرب ضد العراق عام 2003.
ولن يكون بمقدور التحالف أن يؤسس سياسته الخارجية على احترام حقوق الإنسان ثم يقوم بخرقها كل يوم. ولا شك أنه سيفعل ذلك».المتفائلون سيقولون أنه ليست هناك خشية كبيرة من استخدام الأسلحة الفتّاكة إذ عندما تمتلك دولة أو حتى مجموعة منظّمة «قوة نووية» فإنها تصبح بالضرورة أكثر تعقلا وترويا.
والبرهان على ذلك أن جميع الدول التي امتلكت هذا السلاح الفتّاك لم تستخدمه، باستثناء ما قامت به الطائرات الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية عندما ألقت قنابلها الذريّة على مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين. لكن بمقدار تزايد عدد مالكي السلاح النووي يزداد احتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل مما «سيجعل العالم مسكونا أكثر فأكثر بالخوف من تدميره نوويا ومن الحروب الانتحارية».
أما أسباب الحروب القادمة فهي متنوعة إذ يتحدث المؤلف عن حروب من أجل المواد النادرة وحروب من أجل الحدود وحروب مناطق النفوذ والحروب بين القراصنة وأهل المدن.
وحول الحروب من أجل الموارد النادرة يقول: «إن البشر سوف يقتتلون من أجل النفط والماء والمواد النادرة، كما كانوا قد اقتتلوا من أجل الفحم والحديد». ويؤكد أن التزود بالنفط، الذي أصبح الوصول إليه أكثر صعوبة وأكثر كلفة، سيثير بعض النزاعات. فالولايات المتحدة الأميركية التي تستهلك ربع بترول العالم.
وحوالي ثلثي استهلاكها مستوردة ستسعى بالقطع من أجل المحافظة على مصادر تزودها. ولذلك «ستريد إبقاء السيطرة على منطقة الخليج، وستتمنى أيضا استعادة السيطرة على إيران من أجل منع إغلاق مضيق هرمز الذي سيحرم العالم من خمس الإنتاج الكوني ويرفع الأسعار إلى 250 دولاراً للبرميل.
ويتوقع المؤلف أن يتعزز الوجود الأميركي مستقبلا في آسيا الوسطى من أجل مراقبة ما يجري في إيران من جهة، ومن جهة أخرى لمنع الصين من وضع يدها على المنطقة. وسوف تحكم الولايات المتحدة سيطرتها أكثر من أي يوم مضى على خليج المكسيك وستحاول أن تكون القيادات السياسية في كندا والمكسيك وفنزويلا «مطواعة» في تعاملها معها، هذا إذا لم تكن حليفة لها. ويرى المؤلف أيضا أنه قد تقوم مستقبلا نزاعات في آسيا الوسطى بين الصين وروسيا أو بين الولايات المتحدة والصين أو بين تركيا وإيران. أما كازاخستان فسوف تفرض نفسها في موقع الحكم كقوة إقليمية.
وستحاول الدول الرئيسية المستهلكة الأخرى أي الاتحاد الأوروبي واليابان والصين والهند المحافظة، ولو بالقوة إذا استدعى الأمر ذلك، على سبل وصولها إلى حقول الشرق الأوسط وروسيا وإفريقيا وآسيا الوسطى، ولكن أيضا ستحاول المحافظة على المناطق التي «يعبر» منها هذا البترول في طريقه إلى البحر. لكن مصدر القلق يأتي من الحروب الأهلية في مناطق «الترانزيت» المعنية؛ وهي حروب قد تموّلها غالبا الشركات النفطية المتنافسة.
للأسباب نفسها تقريبا ستثير المياه الصالحة للشرب، التي تزداد ندرة يوماً بعد يوم ، حروبا طاحنة. وقد كانت الخمسين سنة الأخيرة قد شهدت 37 حرباً من أجلها. وهذا لا بد أن يتكرر لاسيما أن هناك 145 بلداً تتقاسم مناطق الحدود المائية مع غيرها. وحوض نهر الدانوب وحده تتقاسمه 18 أمّة.
والأمثلة الأخرى كثيرة ومن بينها حالة نهري الفرات ودجلة بين تركيا وسوريا والعراق. ونهر النيل تتقاسم مياهه عشر دول، واثيوبيا التي تنطلق منها نسبة 86 بالمئة من مياه النهر لا تستخدم حاليا سوى 3,0 بالمئة وهي تنوي بناء 36 سداً مما سيعني الجفاف، جزئيا، في مصر وبالتالي يبدو النزاع المسلح واقعا في تلك الحالة.
أمّا الحروب من أجل الحدود فسوف تمتد خاصة في الشرق الأوسط بفعل وجود إسرائيل وفي إفريقيا بمنطقة جنوب الصحراء من أجل تجميع الاثنيات في كيانات جغرافية وحكومية واحدة. ثم إن انتصار الديمقراطية نفسه سيؤدي إلى ولادة نزاعات جديدة من أجل «الانفصال» أو من أجل «تجنّبه».
وإذا كان الاتحاد السوفييتي السابق وتشيكوسلوفاكيا قد استطاعا «تنظيم عملية تقسيمهما» في إطار هادئ، فإن الأمم التي لن تنجح في ذلك ستذهب نحو حروب أهلية قد تنتهي بقيام دول جديدة كما حدث في الهند ويوغسلافيا سابقا أو ربما قد تذهب نحو خرابها العام مثل رواندة وإثيوبيا. مثل هذه الحروب «ستندلع في روسيا وآسيا الوسطى والهند والصين وإندونيسيا (...). وستشهد نيجيريا دون شك أخطر المواجهات وأسوأها بين قبيلتي الايبوس والهاوسا»، كما يعتقد المؤلف.
بالنسبة لحرب النفوذ، وكما في الماضي، ستشن بعض البلدان الحرب على جيرانها من أجل إثبات تفوقها الإقليمي أو في إطار معركة إيديولوجية أو على أساس ديني. فالصين مثلا قد تدخل في حرب من أجل «استعادة تايوان» أو السيطرة على كازاخستان أو احتلال سيبيريا أو إخضاع منافسها الياباني.
وهناك مناطق كثيرة في العالم قد تشهد حروبا مشابهة. كما يمكن لحروب نفوذ قديمة أن تصنع الأخبار من جديد بين اليونان وتركيا مثلا أو بين المكسيك والولايات المتحدة الأميركية. وأخيرا ستتابع الحروب بين القراصنة وسكان المدن مسيرتها التاريخية منذ الأزمنة القديمة ففي جميع البحار ستحاول القرصنة الإجرامية أو السياسية أن تفرض قانونها و«سوف يصبح البحر الأبيض المتوسط من جديد مرتعا لأشكال الابتزاز. لكن مثل هذا الابتزاز سيجد أرضا خصبة له على المحاور الكبرى التي تجتاز الصحراء وفي الأحياء الشعبية في مدن الجنوب ومدن الشمال الكبرى».
هكذا سيسود «النزاع الكبير» في العالم، والتي «قد تندلع شرارتها الأولى من تايوان أو المكسيك أو الشرق الأوسط» حيث إنها تشكل كلها روافد للنزاعات الرئيسية على قاعدة الحدود والمياه والبترول والاعتقاد الديني والديموغرافيا. وجميع الأسلحة سيكون استخدامها مباحا..
عرض ومناقشة: محمد مخلوف

