ثمة تغير ملحوظ من المقرر أن تشهده الساحة التعليمية في بريطانيا في الفترة القصيرة المقبلة من شأنه أن يغير من الأسلوب الذي تقوم عليه عملية وضع الاختبارات والمنهجية التي يُقاس بها المستوى التعليمي للطالب.

أساس هذا التغير الملموس الذي من المنتظر أن يطرأ على أنظمة التعليم قريبا يقوم على ما أُطلق عليه اسم «التعلم الشخصي»، وهو مفهوم يعتمد على تقدم الطالب للاختبار فقط عندما يكون جاهزا وليس عندما تريد المدرسة منه ذلك.وقد ظهرت ملامح هذا التغير من خلال تقرير رسمي صدر أخيرا وأوردته شبكة الإذاعة البريطانية يؤكد على أهمية تطور التلميذ بناء على استعداده الشخصي وليس بناء على مناهج تفرض عليه فرضا بجانب منحه كامل الحرية في الطريقة التي يريد بها اكتساب المعلومات، ما يتيح له إخراج أفضل ما لديه من ناحية والتخلص من درجة التوتر العالية التي تصاحب العملية التعليمية بشكل عام من ناحية أخرى.

وأكد التقرير أن الوصول إلى هذا الهدف يتعارض مع أي نظام تعليمي يجبر التلاميذ ذوي الأعمار الواحدة على خوض اختبارات واحدة في وقت واحد من العام.غير أن التقرير أكد على أهمية أن يكون هناك توافق بين فكرة النظام الجديد، الذي من المقرر أن يخرج بشأنه قرار رسمي من وزارة التعليم البريطانية في القريب العاجل، وفقا لما أورده مراسل «بي بي سي أونلاين» مايك بيكر، وبين رغبة الوزارة في الإبقاء على كون الاختبارات إحدى الوسائل التي يتم بها مساءلة المدارس وقياس ما تقدمه من خدمات وما تحققه من نتائج فيما يتعلق بمستوى الطلبة الذين يدرسون بها.

أحد الخيارات المطروحة تتمثل في أن تنتقل المدارس إلى تطبيق أنظمة غير تقليدية في قياس قدرة الطالب عن طريق مدرسه. ويشير التقرير إلى أن هذا التقويم يمكن أن يتم أثناء الحصص الدراسية العادية، عندما يكون الطالب لائقا وجاهزا لعملية الاختبار.

غير أن التقرير يشير إلى أن الحكومة البريطانية الحالية المتمثلة في وزارة التعليم لا تكترث بالقدر الكافي بتقويم المدرسين لطلابهم ولا تنظر إلى هذا التقويم باعتباره أساسا يمكن به قياس القدرات الحقيقة للطالب.

ويشير التقرير إلى حقيقة مفادها أن هناك نقاشا حدث من قبل حول الأدوار النسبية للتقويم سواء الذي يقوم به المدرسون أو الذي يتم من خلال الاختبارات الرسمية، وذلك عندما ظهرت فكرة الاختبارات الوطنية باعتبارها جزءا من المناهج الوطنية، وذلك في بداية فترة الثمانينات. الفكرة وقتها قامت على أن تكون هناك اختبارات غير رسمية يقوم بها المدرسون بجانب الاختبارات الرسمية والامتحانات السريعة، على أن يتم الاهتمام بهذين النوعين من الاختبارات بشكل متساو.

غير أنه بعد ذلك بفترة قصيرة بدأت الاختبارات غير الرسمية تتوارى في الأهمية، وأضحت نتائج الاختبارات الرسمية هي الأساس الوحيد الذي يتم من خلاله تقويم وتحديد مستوى التلميذ.

غير أنه في أعياد الميلاد الأخيرة أوصى معهد بحوث السياسات العامة، وهو الجهة البحثية المفضلة من قبل وزارة التعليم البريطانية، بالعودة إلى نظام التقويم من خلال المدرسين.

ويشير خبراء التعليم، نقلا عن «بي بي سي أونلاين» إلى أن التقرير الذي صدر عن معهد بحوث السياسات العامة لم ينل القدر الكافي من الاهتمام وذلك بسبب احتفالات الكريسماس و العام الجديد، وأوصت بدراسته بشكل متأن لما يحتويه من معلومات وبيانات مهمة تمس الواقع التعليمي بشكل مباشر وتقدم قدرا كبيرا من التوصيات التي من شأنها الارتقاء بمستوى التعليم في بريطانيا.

ويهدف التقرير إلى حل معضلة كبيرة مفادها كيفية تطوير نظام تعليمي من الاختبارات يساعد على تحسين قدرات التعلم لدى الأطفال وفي الوقت ذاته يمكن من خلاله مساءلة المدارس عن الأداء الذي تقوم به ودورها في الارتقاء بمستوى الطلبة.

ويفيد التقرير أن نظام الاختبارات الرسمي الحالي لا يساعد بالقدر الكافي على تقديم صورة حقيقية للمدرسين عن مدى التقدم الذي يطرأ على تلاميذهم وكيفية رفع مستواهم بشكل أكبر. ويعزو التقرير هذا الأمر إلى أن الاختبارات الحالية لا تقيس سوى جزء بسيط من المهارات والمعرفة لدى الطالب. ويشير التقرير بشكل لا يفتقر إلى الصراحة إلى أن معظم الاختبارات التقليدية تفتقد الدقة في تحقيق أهدافها.

وأكد بحث أجراه البروفيسور ديلان وليام من معهد التعليم في بريطانيا، إن نحو 32 % من الاختبارات التي يخوضها التلاميذ في سن الحادية عشرة و 43% من الاختبارات للتلاميذ في سن الرابعة عشرة هي غير دقيقة وتأتي بنتائج خاطئة.

ويلمح البحث إلى أن العلاج يكمن في أن تغطي الاختبارات قدرا أكبر من المناهج والقدرات والمهارات لدى التلاميذ وتستمر لفترة أطول على المستوى الزمني، الأمر الذي يصفه البحث ذاته بأنه غير عملي، ومن ثم فإن هناك حاجة إلى التركيز على المدرس والطريقة التي يختبر بها التلاميذ في الصف الدراسي وتقويم أدائه من الناحيتين النظرية والعملية. وخلص التقرير إلى أن تقويم المدرسين للطلبة يكاد يكون الأسلوب الأمثل للوصول إلى نتائج منطقية فيما يتعلق بمستوى التلميذ.

ويشير بحث آخر إلى أن هذا النوع من التقويم الذي يقوم به المدرس للتلميذ يمكن تقريبا أن يضاعف معدل التحصيل الدراسي لدى الطلبة، ومن ثم فإنه يقترح العودة إلى نظام تقويم المدرسين لأنه «الأكثر جدوى» في رصد تقدم التلميذ على المستوى التعليمي و تنمية المهارات التعليمية.

غير أن التقرير لم يُهمل الإشارة إلى كيفية مساءلة المدرسة عن أداء الطالب الدراسي في حال غياب فعالية الاختبارات الدراسية التقليدية، مؤكدا إنه يجب في الوقت ذاته الإبقاء على اختبار الطالب في بعض المواد الدراسية بشكل تقليدي.

ولخص التقرير المشكلة في القول:

«هناك قضية مهمة مثارة في هذا الشأن وهي العثور على طريقة لإجراء الاختبارات عندما يكون التلميذ مستعدا لها وفي الوقت ذاته توفير نظام أكثر نفعا يمكن الاعتماد عليه بشكل أكبر للتقويم الدراسي وقياس مدى التقدم الذي يحققه التلميذ، وهو أمر ليس بالهين على الإطلاق».

حاتم حسين