لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد عبارة تتردد على مسامعنا باستمرار إلا أن تطبيقها ينحصر في إطار ضيق الحدود بين صفوف المراهقين الطلبة الذي يرجئون كل شيء حتى آخر لحظة الأمر الذي يؤثر سلبا على شخصياتهم التي تتصف في هذه المرحلة بالذات إنها متداخلة ومتبادلة بين الاتكالية والاستقلالية فهي تحاول الجمع بين الاثنين وبحسب ضروريات الحياة المجتمعية التي تحيطه.
الإشكالية التي تبرز أمامنا في متابعة الأبناء إذا تطورت وترتب عليها بعض الإفرازات التي تنعكس بدورها سلبا على المجتمع كتحول العادة السيئة إلى سمة في شخصية هذا المراهق أو ذاك لتؤثر بالتالي على رقي المجتمع الذي يرقى بأداء وتطور أبنائه.وتتفاقم هذه السمة لتتحول إلى اتكالية مفرطة على المحيطين بدءا من الأسرة وانتهاء بمحيط الأصدقاء والعمل ويمكن أن تتسبب بالفشل الذريع لصاحبها.ويعزو اختصاصيون نفسيون بروز هذه الصفات بين صفوف الطلبة المراهقين إلى الأساليب التربوية التي تتبعها الأسر في تنشئة أبنائها مما ينعكس سلبا على شخصياتهم، مشيرين إلى أن الحالة ليست تعميما بل تشخيصا نسبيا للواقع الذي يترتب عليه في الغالب إخفاقات في المسيرة الدراسية مرورا بالعملية والحياتية، مؤكدين أن إرجاء الأمور ليس من شيم الشخصيات القوية بل تلك التي تفقد روح المبادرة والإقدام التي تعد مصدر الإبداع والإلهام في الشخصية.
الشباب الذين يمثلون عصب المجتمع وركيزته من وجهة نظر إيمان خضير المعلمة في مدرسة الغافية في الشارقة يجب أن يخضعوا لأساليب تربوية دقيقة من شأنها أن تبلور شخصياتهم وتجعلها أكثر اعتمادا على النفس وفق حدود القيم والتقاليد المتعارف عليها لأن الأصل في التنشئة أن يتربى الطفل على الأخلاق الحميدة باعتبار أنهم ينتمون إلى الفئة العمرية الفاعلة في المجتمع .حيث العطاء والنضج والتكامل في بناء الشخصية، بيد أن بروز سمات سلبية كالكسل او الاتكال والإهمال وتأجيل الأعمال المنوطة بهم ليست سوى إفرازات جيل مدلل تربى على أن لا يتعب في سبيل الحصول على مبتغاه بل تعود أن يجد ما يحلم به أمامه في حين تغفل الأسر تعزيز قيمة الشيء في نفوس أبنائها فينشأ الابن غير مقدر لقيمة ما بين يديه وغير آبه بكيفية تحصيلها لكن جل ما يفكر فيه أنها بين يديه ولا يريد أن يعرف أكثر من ذلك، مضيفة أن الطلبة لاسيما الذكور لا يرغبون حتى بترتيب حجرهم بل نرى أن ثيابهم تبقى مبعثرة مرددين عبارة بعد قليل بعد قليل فيما تبقى الواجبات المنزلية غير منجزة حتى آخر لحظة.
وذكرت أن الأسباب التي تؤدي إلى تكوين وصياغة هذا النوع من الشخصية كثيرة إلا أن الأسباب الرئيسية التي أوجدت أرضا خصبة لتعميق الإحساس وتعزيزيه في نفوسهم تنحصر في ثلاثة محاور هي البيت والمدرسة والبيئة الخارجية فالبيت لا يخلق عند الطالب ما يعرف بروح المبادرة والعمل بل تجد أن غالبية الأسر تحاول أن لا تعتمد على أبنائها في قضاء بعض الأمور حتى لا يؤثر ذلك على مستوى مذاكرتهم مع العلم أن إشراكهم في أمور المنزل وقضاء بعض المتطلبات يجعلهم في حالة من النشاط .
إضافة إلى ابتعاد غالبية الأسر عن ممارسة الرياضة الجماعية أو الأنشطة الثقافية والترفيهية كالمطالعة الجماعية مما يجعل المراهق في حالة كسل دائما ويصبح المنزل بالنسبة إليه مكان للاستلقاء والنوم أما المذاكرة فتبقى آخر همه، مشيرة إلى أن المدارس بشكلها التقليدي والمناهج التي تعتمد على التلقين تزيد من واقع الأمر سوءا لأن المناهج التي لا تفسح المجال للطالب للمناقشة .
وإبداء الرأي تحول الدارسين مع مرور الوقت إلى أداة تسمع ولا تحرك ساكنا وينسحب ذلك على إحساس الطالب بانعدام الرغبة في مذاكرة المادة والتهرب من حل الفروض والواجبات وتأجيلها لأكبر مساحة زمنية ممكنة لتصبح هذه الصيغة من التعامل مسحوبة على كل الشؤون الخاصة بهذا الطالب وبالتالي خسارة طاقات شابة كان من الممكن أن تكون دعامة قوية في بناء المجتمع وتقدمه.
وقال عاطف محمود موجه التربية الإسلامية في منطقة عجمان التعليمية إن النية لعمل الشيء لا تكفي والحاجة لإدراك أساليب العلاج لهذا السلوك يستلزم جهدا وإدراكا حقيقيا لماهية المشكلة وانه في حال تجاهلها ستتفاقم لتغدو سلوكا سلبيا يلازم صاحبه مدى الحياة، مشيرا إلى أن هذه حالة مستشرية للأسف بين صفوف الطلبة لاسيما في المرحلة العمرية من 15-18، محملا البيئة المحيطة بالطالب مسؤولية المماطلة والتخاذل عن أداء المهام مطالبا في الوقت ذاته أن تأتي الحلول من لدن الأسرة بوصفها صاحبة القرار في داخل المنزل .
وأكد موجه التربية الإسلامية أن الدين الإسلامي عالج هذه المسالة ونظم شؤون حياة المسلمين من خلال إلزامهم بمواقيت الصلاة والصوم حيث قال تعالى «إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا» كما أن القران حث على العزم في العمل والتوكل عند الأداء عملا بقوله تعالى «فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين» وهي إشارة ودعوة الهية لنبذ الاتكالية والمماطلة والتأخير لأن المماطلة ليست سوى فشل متدرج وعنوان واضح لإخفاق صاحبها.
وذكر محمود أن المماطلة وإرجاء أداء الفروض والواجبات تظهر جلية عند طلاب الثانوية العامة خاصة فيما يتعلق بمسألة تراكم المحفوظات والمواد المطلوبة للفهم مما يؤثر سلبا على مستوى التحصيل لدى الطالب الذي يصاب يوم الامتحان بالإحباط لعدم قدرته استيعاب وحفظ المادة المطلوبة كلها، مؤكدا أن على التربويين أن يلتفتوا لهذه الظاهرة باعتبارها ملازمة لجيل اليوم وعلينا ان نغرس عوضا عنها حب العمل وشعارات النجاح كمن جد وجد ومن سار على الدرب وصل ومشوار الألف ميل يبدأ بخطوة لأن من واجبنا الالتفات لأبنائنا لأن الإهمال بداية لفشل ذريع.
وطالب بطرح هذا الموضوع على طاولة النقاش من خلال مؤتمر كبير يشارك فيه التربويون والطلبة وأولياء الأمور وكافة الأطراف المعنية لوضع آليات لشن حرب على الإهمال والمماطلة بأبعادها المختلفة ودراسة الموضوع بدقة ووعي ومسؤولية من قبل الاختصاصين النفسين والاجتماعيين مع أولياء الأمور.
روح المبادرة
من جانبها أكدت إيمان عبيد الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمة انتشار هذه الصفة بين صفوف الطالبات المراهقات بالذات لجملة من الأسباب اعتبرت أهمها عدم وجود هدف يحرك الشخص وانعدام روح المبادرة التي لم تعززها الأسرة خلال التربية، إضافة إلى وجود عوامل خارجية كضعف مستوى الطالب وعدم توافق ما يطلب منه مع قدراته الأمر الذي يدفعه لعدم المحاولة أصلا إدراكا منه بأن الفشل حتمي، مشيرة إلى ضرورة الالتفات لذلك وإعطاء الطالب ما يتناسب وإمكانياته وما يرغبه لأن المعروف من سمات المراهق عدم إقدامه على عمل شيء إلا إذا أحبه واقتنع بجدواه.
وحول أساليب العلاج التي من شأنها تحويل المراهق من إنسان سلبي مماطل ومتواكل على الآخرين عدم إظهاره بمستوى أقل من الآخرين تحت أي ظرف من الظروف وزرع القيم والعبارات الايجابية والتشجيعية في ذهنه والابتعاد كليا عن وصفه بالكسول أو الفاشل لأنها قد تعزز الإحساس لديه .
كما يمكن للمدرسة أن تشرك الطالب في ورش عمل لإجباره على المشاركة وعدم الاتكال على الآخرين، معتبرة الأسرة موطن الخلل الأول لأنها تلبي للابن كل ما يحتاجه دون أن تشركه في العمل فيتحول تدريجيا إلى إنسان كسول يريد كل شيء دون تعب أو بذل جهد ولو بسيط لذا تجد غالبية المراهقين يتسمون بالفوضى وعدم التنظيم كأحد نتائج الإرجاء والمماطلة.
فاطمة عقل موجهة فيزياء في منطقة رأس الخيمة التعليمة تتحدث كولية أمر حيث ترى أن ممارسات الأهل وطريقة تعاملهم مع أبنائهم هي السبب وراء بروز هذه الصفة مشيرة إلى أن ذلك يظهر جليا في جانب الدراسة والواجبات والفروض المنزلية حيث يقدم الأهل تسهيلات أكثر من اللازم للطالب فيعتمد على ذويه في إنهاء واجباته او حلها بالكامل مع العلم أن ولي الأمر الواعي يمكن له ان يساعد ابنه في المذاكرة وإنهاء الواجبات بشكل عملي ومدروس.
ولكن في الوقت ذاته يعلمه خاصية الاعتماد على النفس المساعدة، مؤكدة أن قراءة عامة لواقع الطلبة نوضح أنهم يميلون إلى الاتكالية بفعل ممارسات الأهل والمدرسة معا وبالتالي نجدهم واقصد الطلبة يكثرون من الشكوى دون محاولة البحث عن الحلول وإذا وقع أي طالب في مشكلة إما ان يهرع لإدارة المدرسة أو لوالديه طلبا للحل ولا يكلف نفسه عناء المشاركة في إيجاد مخرج لمشكلته.
وتعتقد أن الحل يكمن في إعادة النظر بالممارسات الخاطئة التي مورست خلال عملية التنشئة ومحاولة غرس السلوك الايجابي حسب المتاح وتعليم الأبناء إليه التعامل مع المطلوب منهم من مستلزمات الحياة و تحميلهم مسئولية التقصير من خلال فرض العقاب المدروس عند استشعار أي نوع من التقصير .
وذلك لخلق إحساس المسئولية وتوظيف التشجيع والثواب والتعزيز في حال أدائه للمطلوب منه، مشددة على أهمية تبني خطة واضحة للقضاء على هذه الصفات السلبية التي نهى عنها ديننا الإسلامي الحنيف واعتقد أن قوله تعالى «إن الله يحب المتوكلين» بمنزلة علاج نفسي للشخصيات المماطلة والكسولة.
من جانب آخر حمل جملة من الطلبة كثرة عوامل الترفيه ومغريات الحياة مسؤولية تباطؤهم في أداء الواجبات المفروضة عليهم باعتبارها لا تشكل لهم مصدر متعة وسرور كالجلوس على الانترنت ومواقع الشات مثلا أو التجول في المراكز التجارية الفخمة.
نورا الأمير


