شخصيتنا لهذا الأسبوع على السجادة الحمراء هي ممن عرفوا معنى الحياة لأنهم عانوا واصطدموا بها بقوة وعبدالله العرياني أو بطل الآسياد للعام الماضي في الرماية لفئة المعاقين كان ابرز ممن قدم للوطن هدية غالية وهي الميدالية الذهبية للرماية محققا بذلك انتصارا تاريخيا لم يحققه عربي قبله وأضيف هذا النجاح إلى رصيد دولة الإمارات رغم إعاقته التي جاءت متأخرة في عمره بعد أن أصبح أبا ومتقاعدا ورغم هذا لم يتخل عن إصراره وقوة عزيمته وهوايته المفضلة وهي رياضة الرمي.
عبدالله العرياني الخريج من كلية زايد للعلوم العسكرية والنقيب المتقاعد تميز في الرمي أثناء منافسات القبيلة التي يحثون عليها الأطفال في صغرهم والجائزة التي يحصل عليها الرامي الفائز هي بندقية واغلب أبناء القبيلة رماة تعلموا هذه الرياضة منذ الصغر ومن الحالات النادرة أن يخرج من بطن القبيلة رجل لا يتعلم الرماية. ومن أهم سمات الرامي التحكم والسيطرة ودقة التصويب ولا يحتاج إلى العضلات أو التمارين الرياضية ليحصل على لياقة بدنية فالعقل والدقة هما المحركان الأساسيان في عملية الرمي، وللتصويب الصحيح يحتاج الرامي إلى التنفس المنتظم والتحكم بالزند بطريقة صحيحة وعدم التردد لحظة إطلاق الرصاصة.
وما تضيف الرماية للرجل أنها تجعله قوي الشخصية مقداما، فالبندقية تعودك على السيطرة التي بدورها تأتي من السيطرة على السلاح والتصويب بدقة إضافة إلى أنها تزيد الثقة بالنفس ولا يستطيع الرامي إلا أن يكون شجاعا لا يهاب الخوف. يقول عبدالله عن الرامي : كما هو معروف في الحروب أن الرامي أو «القناص» بقيمة عشرة من الجنود الموجودين على ساحة القتال وهم المطلوبون لحماية كبار الشخصيات أيضا لما لدى الرامي من كفاءة واحترافية أكثر في إصابة الهدف والتصويب عن أي بعد دون حصول أية مشادات عضلية.لمهاراته العالية في الرمي والتصويب أصبح النقيب عبدالله ممن يشار إليهم بالبنان فكان أول من أسس نادي أبوظبي للرماية وحقق بطولة العرب في الرماية أربع مرات وشارك أكثر من مرة في بطولة العالم للرماية وكانت أول بطولاته في بطولة جاكرتا عام 1995 وحقق فيه رقما جديدا، أما البطولة الثانية في المملكة الأردنية الهاشمية وكانت هي بداية حصد الذهبيات.
وكثيرة هي الخطوب التي تحول مجريات حياتنا فنصبح في نقطة مختلفة عن غير تلك التي رسمناها لأنفسنا وهي الطلقة التي ضاعت منه ولم يحافظ عليها. النقيب عبدالله العرياني الرامي المحترف والأب لخمسة أطفال تعرض إلى حادث في البر تاريخ 26-1-2001 أقعده عن الحركة وعام 2003 تقاعد من عمله وأصبح في صفة المجتمع «مقعدا أو معاقا» لا يستطيع المشي .وإنما وسيلته في الحركة هي الكرسي المتحرك الذي أصبح جزءا منه ولكن حجم الإصرار وقوة الإيمان لم يقعداه عن مواصلة مسيرته الذهبية في رياضة الرمي التي يجيدها منذ أن كان صغيرا ومازال إلى الآن يحب ممارسة هوايته المفضلة رغم أنها سبب إعاقته وهي «القنص» واللجوء إلى الصحراء الواسعة التي تغسل همومه فهي راحة نفسية وفرصة لترتيب الأفكار فعبدالله مؤمن تماما بأن الله كتب له هذا القدر ليصبح شيئا اكبر بكثير مما كان عليه.
رحلة الآسياد
مشاركته في بطولة الآسياد مليئة بالمفاجآت والأحداث المثيرة التي يحكيها لنا راجعا بذاكرته ليس إلى بعيد من الوقت بل «في شهر ديسمبر من العام الماضي» ولكن بكثير من الذكريات فهو الرامي العربي الأول من فئة المعاقين والمشاركين في الآسياد والحاصل على الذهبية بدرجات كاملة دون نقصان الأمر الذي أثار الدهشة والإعجاب من المشاركين.
يقول عبدالله : لم تكن مشاركتي في الآسياد عن إصرار وترصد بل جاءت بتشجيع كبير ممن حولي وخاصة صديقي «ذياب» الذي يعلم قدراتي في الرماية ومدير نادي العين وأخي محمد. وقد توقفت عن الرماية خمس سنوات بعد الحادث المؤلم وكانت مشاركتي في الآسياد هي التمرين على استرجاع مهارة الرمي التي لم افقد منها الكثير واحتجت إلى أسبوعين تقريبا من التدريب بإمكانيات متواضعة منها منصفة البندقية المصنوعة يدويا.
عزم عبدالله على المشاركة وكان أول ما يريده هو أن يعرف كل تفاصيل المنافسة وما هي الشروط وكيف سيرمي وهو على مقعد متحرك، كلها أسئلة كانت تدور في خلده فلا يستطيع أن يخوض مباراة أو منافسة دون أن يفهم كامل الوضع، يقول عبدالله «عن طريق موقع البطولة علمت بأن المسافة هي 15 مترا وهي بالنسبة لي بسيطة جدا فأخرجت معطفي القديم واستعرت بندقية من نادي العين للرماة وبدأت أتدرب مدة أسبوعين سافرت بعدها إلى عالم الأولمبياد وبما أني الرامي العربي الوحيد المشارك في البطولة فكان وجودي غريبا بينهم ولم أحز على الكثير من الاهتمام».
سرعان ما تغيرت هذه النظرة كالطلقة التي يرميها عبدالله من بندقيته نحو الهدف في الجولة الأولى من المنافسة وحصل على 600 من 600 دون أخطاء وكثرت الأحاديث الجانبية عن الرامي الذي أتى من الجزيرة العربية وشارك في اللحظات الأخيرة وكان المقعد النصفي الوحيد بين إعاقاتهم البسيطة والذي حصل على العلامات الكاملة بمحض الصدفة انه سيرتبك في الجولة النهائية وسيخسر .
وكانت هذه الطلقة الأخرى من عبدالله والتي فرضت عليهم احترام هذا اللاعب العربي وجدارته يضيف: قبل أن تبدأ الجولة النهائية ومن تجربتي الطويلة قبل المباريات لم اذهب للسلام على المتسابقين حتى لا أتعرض إلى الأحاديث الجانبية التي ستؤثر على نفسيتي لأنهم أبطال عالميون خاضوا مثل هذه التجربة من قبل وأخذت مكاني قبل المباراة بربع ساعة وهم مستعدون ولا يستطيعون الحراك من أماكنهم بسهولة.
وكانت النتيجة باهرة ومرضية وأحرزت في الجولة النهائية 100 من 100 في 30 ثانية دون توقف، وهذا يعني انه أحرز 700 من 700 خلال المنافسة وهي الدرجة الكاملة وإحرازه الميدالية الذهبية في الرماية خلال بطولة الآسياد لعام 2006 التي جاءت باسم نادي العين لذوي الاحتياجات الخاصة.
هذه الميدالية وهذه المشاركة أعادت روح المنافسة إلى البطل الآسيوي وجعلته يعود بقوة إلى الساحة وهو على أمل كبير أن يحظى بمقابلة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة ليهديه هذا الفوز الغالي لأنه من أكثر البارزين في دعم المعاقين في المجتمع ويهديه أيضا إلى أصدقائه وإخوانه الذين أعاقتهم الحوادث المرورية عن الاستمرار في حياتهم.
أمل الدويلة



