يتحدث المؤلف هنا عن صراع شرس ينشأ بين نظام السوق بقواه المختلفة والأنظمة الديمقراطية للدول ينتهي بانتصار قوى السوق وتقويض سلطات الدولة إلى الحد الذي يجعل منها إطاراً شكلياً لا يملك من أمره شيئا. وفي ضوء هذا التصور، يتوقع المؤلف أن يتحول العالم من الأحادية القطبية إلى التعددية في مراكز القوى، بحيث تكون هناك قوة أو قوتان كبيرتان في كل قارة.
وعلى الرغم من أنه يتوقع زوال الإمبراطورية الأميركية في أفق 2035، إلا أنه يعتقد أن الإمبراطورية الجديدة التي ستحل محلها ستحافظ على القيم الأميركية، وبالأخص على النزعة الفردية، مما يؤدي إلى تعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء، فهي سترفع شعار: النجاح الشخصي وليكن من بعدي الطوفان.يقول الكثيرون، في الولايات المتحدة الأميركية وغيرها، إن التاريخ لن يعرف من الآن فصاعدا سوى سيادة قواعد السوق ثم الديمقراطية داخل كل بلد من بلدان العالم. وهذا ما يسمّونه «نهاية التاريخ». وهم يزعمون أن مثل هذا التطور لن يتطلب حربا تشنها الديمقراطيات على آخر قلاع الديكتاتورية إذ لم يتم قصف موسكو من أجل التخلص من الاتحاد السوفييتي ولم تحلّ «الديمقراطية» في العراق عبر قصفه واحتلاله، ولم يؤد الحصار الاقتصادي أيضا إلى الإطاحة بأية ديكتاتورية في العالم.
وتؤكد وجهة نظر هؤلاء أن «نظام السوق» القادم سيقوم عبر وجود عدد متعاظم من الأنظمة الديمقراطية التي تلتف حول بعض القوى المسيطرة. كما تتوقع أن مثل هذا النظام الجديد سيترسخ ما بين 2025 و2035، وذلك بعد أن تكون الهيمنة الأميركية على العالم قد زالت لتترك عالما «لا سيد فيه» بينما تسيّر أموره بشكل ما بعض الدول القويّة نسبيا.
مؤلف هذا الكتاب، جاك اتالي، لا يستبعد أبدا قيام مثل هذا «النموذج» المستقبلي، لكنه يؤكد أنه لن يستطيع الاستمرار، بل إن «عالما آخر» سوف يقوم بعد ذلك «ضمن خط مسيرة التاريخ، التي لن تنتهي، كما يزعم البعض». وسيكون عالم «السوق من دون ديمقراطيات».
ويرتقب اتالي قيامه في أفق عام 2050 تحت ضغط متطلبات السوق وبفضل الإمكانيات التكنولوجية الجديدة حيث «سيتوحد نظام عالمي حول سوق سيغدو كونيا ومن دون دولة». وعند ذلك سوف يبدأ ما يسميه المؤلف ب«الإمبراطورية الكبرى» والتي «سوف تهدّم بنى الخدمات العامة ثم الديمقراطية ثم الدول ثم الأمم نفسها«، على حد قوله.
وما يؤكده جاك اتالي أيضا هو أن «السوق العالمي الموحّد والذي ستغيب عنه الدول، سوف يحافظ على القيم الثقافية للقوة الأميركية التي سيطرت قبله، وبالتالي ستكون «الإمبراطورية الكبرى» الجديدة أميركية جزئيا، أي قيم مفرطة في فرديتها في ظل نمط «هش» للعيش، وتحت شعار «النجاح الشخصي» وليكن بعد ذلك الطوفان.
ويرى اتالي أنه ستبقى بعض المناطق لن تصل إليها «ديمقراطية السوق» مثل الصين والعالم الإسلامي. وفي هذه المناطق تحديدا سيتعاظم في أفق عام 2035، حسب رأيه، دور الطبقات الوسطى التي ستكون رأس الحربة من أجل إقامة ديمقراطية برلمانية. وستتابع مسيرة تعميم آليات السوق وبعدها الديمقراطية تقدّمها في العالم أجمع، كما كان الأمر منذ قرنين من الزمن.
هكذا ستصل «ديمقراطية السوق» إلى العديد من بلدان العالم من بينها اندونيسيا والصين وإيران ومصر. وعندها لن تعارض المرجعيات الدينية السائدة فيها الديمقراطية «بل إنها سوف تحاول أن تكون الداعية إليها». وسوف يكون على «الأمم الديمقراطية» الأصيلة أن تساعدها على ترسيخ مسيرتها.
وضمن النهج نفسه من التحليل يرى مؤلف هذا الكتاب أنه طالما أن «الديمقراطية» و«السوق» ستظلاّن «قوتين متكافئتين» فإنهما تحترمان الحدود بينهما ومبادين اختصاصهما. وستكون هناك قوة أو قوتان كبيرتان في كل قارة بحيث يصبح العالم «متعدد المراكز». أما الدول المرشحة للعب مثل هذا الدور فهي الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل والمكسيك والصين والهند ومصر وروسيا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، وأيضا «نيجيريا» إذا بقيت موجودة «وهذا أمر قليل الاحتمال»، حسب قول اتالي.
معركة فاصلة
لكن مثل هذا «النظام الدولي متعدد المراكز» لن يستمر في الحياة. ذلك أنه من طبيعة السوق أن لا تقبل الحدود واقتسام مناطق النفوذ والهدنات. و«لن تقبل توقيع معاهدة سلام مع الدول». لذلك ستحاول الأسواق أن تمدّ من سلطتها حتى إلى «المناطق التي تخص سيادة الدول».
وفي المنظور النهائي «ستقوم معركة جيوسياسية هائلة بين ديمقراطيات السوق والسوق نفسه من أجل الحصول على التفوق الكوني». ولكن إلى أين ستنتهي هذه المعركة؟ «إنها ستؤدي إلى انتصار السوق على الديمقراطية، وهذا لا يفكر به أحد اليوم»، كما يقول لنا جاك اتالي، ويشرحه أيضا. كيف؟
يرى اتالي أن الأسواق سوف تجد، تدريجيا، مصادر هامة للمردودية والكسب في نشاطات محصورة اليوم بالمصالح العامة مثل التربية والصحة والبيئة، وحتى السيادة. لذلك سوف تحاول بعض المؤسسات الخاصة تسويق «الخدمات» في إطار هذه النشاطات قبل أن تستبدلها، فيما بعد، ب«منتجات استهلاكية» مصنّعة تتماشى مع منطق «النظام التجاري» السائد. كما تتماشى أيضا، وأصلا، مع «دينامية التقدم التكنولوجي» الرامي إلى تقليص النفقات في جميع الميادين وتعميم الخدمات.
مثل هذا التوجه سوف يؤدي في أفق عام 2040 إلى تخفيض كبير في نفقة تنظيم ديمقراطيات السوق وبالتالي سيقلّص تدريجيا من دور الدول وسيخرّب شيئا فشيئا «النظام الدولي متعدد المراكز». القطاع الصناعي هو الذي سيكون أكبر المستفيدين إذ ان «أدوات الرقابة» في مختلف الميادين ستتولى العديد من وظائف الدولة، وتصنيع هذه «الأدوات» سيوجد أسواقا جديدة وسيزيد من المردودية الاقتصادية.
وهذا سيترتب عليه، نظراً لأنه يمس تحديدا النظام الاجتماعي كله، تغييرا جذريا في «العلاقات مع المفاهيم الفردية والجماعية ومع الهوية والحياة والسيادة والمعرفة والأمة والثقافة والجيوسياسة». وهذا ما يعتبره مؤلف الكتاب «الثورة الأكثر عمقا التي تنتظرنا في فترة نصف القرن القادم». ذلك أنه سوف يتكرّس عندها انتصار السوق على الديمقراطية في ظل منافسة الشركات الخاصة للمؤسسات العامة في قطاعات كانت من اختصاصها حصريا مثل التربية والصحة والأمن والعدالة. وكل شيء سيكون خاضعا ل«المراقبة».
وسوف تساهم التكنولوجيات، التي ستعطي للشركات الخاصة القدرة على السيطرة في جميع قطاعات النشاط الاجتماعي، في التقليص التدريجي لدور الدولة بالتوازي مع تعاظم دور الأسواق وتجرِئُها على خرق قوانين الديمقراطية. هكذا «ستبدأ في أقصى تقدير عام 2050 عملية تهديم بطيء للدول التي قام بعضها منذ أكثر من 1000 سنة». ولن تستطيع عند ذلك الأحزاب السياسية، اليمينية منها واليسارية، أن تمنع «الخصخصة التدريجية للتربية والصحة والأمن والتأمين» وأيضا: «استبدال هذه الخدمات بأدوات مصنوعة بأعداد كبيرة».
إمبراطورية السوق
وهذا كله سيكون بمثابة «مقدمات» تؤدي لا محالة، حسب رأي المؤلف، إلى قيام «إمبراطورية السوق الكبرى». وعندها «لن تستطيع الحركة الاجتماعية معارضة جعل مفهوم السلعة يسود العالم». لكن هذا لن يمنع من وجود حكومات، وإنما ستكون حكومات «هزيلة» تلعب أدوارا «شكلية» مع خضوعها شبه الكامل ل«مجموعات الضغط» التجارية والمالية.
وقد تكون هناك برلمانات، إنما بوجود «برلمانيين لا مصداقية لهم» بل لا يثيرون اهتمام الرأي العام في بلدانهم. و«لن تكون الأمم سوى مجرد واحات تتنافس فيما بينها كي تجذب القوافل العابرة» كما يقول المؤلف ليضيف ان مداخيل هذه «الأمم» ستكون محصورة ب«الموارد» التي يوفرها لها «سادة السوق العالمي» عندما يمرون بها ويمكثون لبعض الوقت «كي ينتجوا أو يتاجروا ويتسلّوا فيها». إن الاستثناءات التي يرى إمكانية وجودها تتمثل في «الدول التي ستستطيع ضمان ولاء مواطنيها عبر تشجيع قدرتهم الإبداعية واندماجهم ونشاطهم الاجتماعي».
لكن بعض البلدان، ومن أجل منع تدمير الهوية الوطنية ومواجهة موجات الهجرة المترتبة على ذلك «ستشهد قيام أنظمة ديكتاتورية، لاهوتية أو علمانية». كذلك سوف يشهد العالم حركات باتجاهات متناقضة. ففي الوقت الذي ستحاول فيه القارة الإفريقية «عبثا» بناء نفسها فإن بقية العالم سيبدأ بتهديم نفسه تحت وقع ضربات العولمة. وهذا ما يعبر عنه المؤلف بالقول: «إن إفريقيا الغد لن تشبه إذن الغرب اليوم؛ وإنما بالأحرى غرب الغد هو الذي سيشبه إفريقيا اليوم».
ثم يضيف: «أعتقد أنه قبل نهاية القرن الحادي والعشرين، ستفقد حكومة الولايات المتحدة الأميركية ـ آخر حكومة دون شك في العالم متعدد المراكز ـ الجزء الأساسي من أدوات سيادتها».وتتم الإشارة هنا إلى الدور الذي ستلعبه شبكة الانترنت «ضد الولايات المتحدة الأميركية» مثلما كانت المطبعة قد لعبت في بداياتها دورا ضد السلطات القائمة آنذاك. كيف؟ نقرأ في الكتاب:
«ستمتنع الانترنت عن خدمة مصالح واشنطن، ثم عبر تشجيع مبدأ مجانية الاستخدام وزيادة مصادر المعلومات ورفع الرقابة الممارسة على هذه المعلومات من قبل الأغنياء، سوف ينزع من حكومة الولايات المتحدة الأميركية، كما من حكومات البلدان الأخرى، عددا من سلطاتها الأكثر أهمية. بل سوف يطالب الكثير من الناس باكتساب هوية العالم الافتراضي متخلّين بذلك عن هوية أية دولة حقيقية، حتى لو كانت هوية الولايات المتحدة الأميركية».
ويذهب المؤلف في نفس المنحى بشروحاته حيث يرى أن الشركات ذات المنشأ الأميركي سوف تقوم بنقل مراكز بحثها ومقر إداراتها إلى أمكنة أخرى وسوف تحرم بذلك الحكومة الفدرالية الأميركية من الجزء الأساسي من مواردها. وبالتالي سوف يكون من الصعب على هذه الحكومة إيجاد الميزانيات الضرورية لاستكمال عمليات تمويل «متطلبات السيادة»، خاصة فيما يتعلق بميدان الدفاع. وسوف يفتقد الأميركيون لأي حماس حيال موت أبنائهم في المعارك التي قد تريد الحكومات الأميركية خوض غمارها في أية بقعة من العالم تحت شعار «الدفاع عن البلاد».
ويرى المؤلف أنه يمكن عندها أن تقوم بعض القوى بمحاولة منح الدولة الفيدرالية الأميركية إمكانيات التصرف عبر «تأميم الشركات الاستراتيجية» وإغلاق الحدود، بل مواجهة الحلفاء «إذا اقتضت الضرورة». لكن مثل هذا الإجراء لن يكون، برأيه، سوى «مجرد مسكّن» إذ سيكون على واشنطن بعد فترة من الزمن التخلي عن سيطرتها على «القرارات الاقتصادية والسياسية الكبرى» لصالح كل ولاية من ولايات الحكومة الفيدرالية وأيضا الشركات الكبرى».
بنفس الوقت سيصار إلى «خصخصة» المصالح الإدارية العامة واحدة بعد الأخرى، وسوف تصبح السجون خاضعة لإدارة شركات خاصة تقوم بتسييرها دون الحاجة إلى أي يد عاملة. بل إن الخصخصة سوف تطال الجيش نفسه، والذي يشكل آخر ملاذ لمفهوم السيادة، بحيث سيتم تشكيله أولا من مجموعة من المرتزقة المدفوعي الأجر ثم خصخصته بشكل كامل.
ويختتم المؤلف تحليله «المستقبلي» حول نهاية الإمبراطورية الأميركية بالقول: «هكذا إذن، ومثل الإمبراطورية الرومانية القديمة، سوف تزول الإمبراطورية الأميركية دون أن تترك سلطة سياسية قائمة في روما الجديدة، وسوف يبقَى للدول القومية مكان تعبيرا عن مظاهر الحنين إلى الماضي وأشباح متلاشية وكبوش فداء عاجزة وسهلة لعملية جعل الوقت سلعة بالمطلق».
هذا يعني أن الرأسمالية ستمضي في الشوط إلى نهايته إذن «وسوف تحطم كل ما هو غيرها». إنها سوف تحول العالم إلى سوق هائل بعيدا عن «عالم الأمم». وسوف تكمل ما كان السوق قد شرع به منذ بداياته، أي «جعل كل دقيقة من الحياة فرصة للإنتاج ولتبادل ولاستهلاك القيمة التجارية»، وهذا ما يسميه المؤلف «جعل الوقت سلعة».
إنسان الغد
وضمن هذا التوجه سوف ينظر «إنسان الغد» إلى العالم وكأنه «كلّه في خدمته في ظل تنامي النزعات الفردية. وفي إطار المعايير التي تفرضها شركات التأمين على سلوكه الفردي و«سوف لن يرى الآخر إلا باعتباره أداة لسعادته الشخصية ووسيلة للوصول إلى المتعة أو لكسب المال، بل ربما باعتبار الهدفين معا».
بهذا المعنى يصبح «الآخر» هو «المنافس» و«الخصم» وبالتالي لا يمكن لسعادة هذا الآخر «أن تكون مفيدة لغيره» بأي شيء. وفي النهاية لا يمكن لمثل هذا النهج في السلوك أن يؤدي سوى إلى استبعاد أي عمل جماعي وكل تغيير سياسي «خارج التصوّر».
«إن وحدة الإنسان وعزلته ستبدأ منذ فترة طفولته» يقول مؤلف هذا الكتاب ليضيف بأن عزلته ستكون أكثر «وطأة» في سنوات شيخوخته. أما أشكال محاولات التصدي لمثل هذه العزلة فسيكون على رأسها اللجوء إلى المتع العابرة «دون حسيب أو رقيب». وسيكون النشاطان الأكثر مردودية هما «التأمين» و«سبل اللهو والتسلية».
ومثلما كان العمال اليدويون من غير المؤهلين هم عماد القوة الاجتماعية والسياسية المسيطرة خلال ال75 سنة الأولى من القرن العشرين، فإن أبناء المدن المؤهلين سوف يسيطرون على المسرح الاجتماعي والسياسي لبلدانهم خلال العقود الثلاثة المقبلة.
يرى مؤلف هذا الكتاب أن «الإمبراطورية الكبرى» التي تلوح في الأفق سوف تؤدي إلى انتصار السوق على صعيد العالم كله، لكنها لن تلغي الفقر الذي سيصيب أعدادا متزايدة من البشر. هؤلاء الفقراء سوف يشهدون ظروفا صعبة وسيعيشون دون مستوى عتبة الفقر، أي بأقل من دولارين يوميا. ومن المتوقع أن يتجاوز عددهم 5, 3 مليارات نسمة في أفق عام 2035 مقابل 5 ,2 مليار في عام 2006.
ولن تستطيع الدول التي سيضعف موقعها كثيرا تقديم المساعدات المطلوبة لذوي الحاجة، كذلك لن تنجح محاولات تقليص عدد الفقراء بواسطة «لعبة قوى السوق» وحدها. ولن توجد التنمية ما يكفي من فرص العمل ولن يعرف السوق وحده كيف يؤمّن البنى الأساسية الضرورية لمواجهة تزايد عدد سكان المدن.
إنتصار السوق
في المحصلة يرى جاك اتالي أن «انتصار السوق على الديمقراطية» في إطار «الإمبراطورية الكبرى» سيوجد وضعا لا سابق له عمليا وهو وجود سوق من دون دولة». ويضيف: «ان جميع المنظرين يعترفون أن مثل هذا السوق يؤدي إلى بروز الاحتكارات الكبرى وعدم استخدام القوى المنتجة بدرجة كافية وتشجيع المضاربات المالية والبطالة وتبذير الثروات الطبيعية وازدهار الاقتصاد الإجرامي وإعطاء السلطة للقراصنة». والأمثلة التي يتم تقديمها للبرهان على ذلك هي الصين عام 1912 والصومال عام 1990 وأفغانستان عام 2002 والعراق عام 2006. «وهذا سيكون مصير الإمبراطورية الكبرى».
ثم إن الدول «أو ما يتبقّى منها في أفق عام 2050» لن تكون، حسب التحليلات المقدّمة، سوى «صلة وصل» بين الشركات والرأي العام. وعندها لن يكون هناك من يستطيع أن يضمن «المساواة» في معاملة المواطنين، و«نزاهة» الانتخابات و«حرية» الإعلام.
لكن مثل هذا الوضع ستكون له نتائجه السيئة على السوق نفسه الذي كان، وأينما كان، بحاجة إلى وجود دولة قوية. وعلى المستوى العالمي سيكون بحاجة إلى إيجاد قواعد يحترمها الجميع بحيث لا يزيّف «اللاعبون السيئون» المنافسة وبحيث لا يحل «قانون السلاح» مكان «سلاح التبادل التجاري» ويكون من الممكن السيطرة على «العنف الاجتماعي».
وتشير التحليلات المقدّمة إلى أن «الإمبراطورية الكبرى» سوف توجد في أفق عام 2050 عالما زاخرا بأقصى أشكال خلل التوازن وبالتناقضات الكبرى. وفي المحصلة «سوف تفشل وتنهار» بفعل «ما جنت يداها». فتحت حجة مساعدة البشر كي يخرجوا من حالة العوز سيوجد السوق أشكال عوز جديدة. ذلك أن الشركات الصناعية سوف تقلل إلى أقصى حد من هامش المخاطرة، وتحت ضغط شركات التأمين ستحصل على أقصى ما يمكن من المردودية والربح. بالمقابل سيطالب المستهلكون، على العكس، بتخفيص الأسعار.
وبشكل إجمالي ستعطى أولوية متزايدة للدورات الاقتصادية والتجارية «ذات المدى القصير»، أي لكل ما هو «فوري وهش» مما سيجعل من الصعب أكثر فأكثر تمويل البحوث العلمية وغيرها التي تتطلب، بطبيعتها، مدة طويلة للوصول إلى نتائج. وعلى أساس هذا كله يرى المؤلف، من موقعه كرجل اقتصاد أصلا، أن التنمية التي سوف تحيي في البداية الآمال لدى الجميع ستجد نفسها عاجزة عن تحقيق تلك الآمال.
وإذا كان من غير المشكوك فيه أن العلم سوف يفتح آفاقا رحبة أمام الإنسان، فإن الكثير من العوائق والحدود ستقلص من «حركته». فضرورة حماية البيئة مثلا ستحد من السفر بالطائرات، ورغم غزو الفضاء الخارجي وربما الوصول مستقبلا إلى تحقيق «مردودية تجارية» من السفر داخل إطار المنظومة الشمسية، فإنه لن يكون بمقدور الإنسان أن يذهب بعيدا في هذا المضمار؛ إذ ان مدة أربع سنوات وثلاثة أشهر، وبسرعة الضوء، ستنقضي من أجل الوصول إلى أقرب كوكب. وبالتالي سيتطلب «الذهاب أبعد» أن يمضي روّاد الفضاء «حياة كاملة» أثناء الرحلة.
وبحسب النهج نفسه من التحليل، يرى مؤلف هذا الكتاب، أن التقدم الكبير الذي ستشهده البشرية في ميادين الصحة عبر «تصليح» الأعضاء العليلة أولا ثم استبدالها لاحقا، سيحاول أن يجعل من الكائن البشري «موضوعا تجاريا بحتا، والأمر نفسه في بقية ميادين الحياة الإنسانية.
لكن مثل هذا «المشروع» لن يستطيع الوصول إلى نهاياته، إذ «وقبل أن تتحوّل الإنسانية إلى مجرد آلات، وقبل أن ترسي الإمبراطورية الكبرى للسوق أسسها التي تسمح لها بالاستمرار، سيعرف الإنسان كيف يقاوم مثل هذا المنظور ـ وهو قد بدأ بمقاومته أصلا»، حسب تعبير المؤلف.
وباختصار «ستفشل الإمبراطورية الكبرى» القادمة وسيعرف البشر كيف يمنعون مثل هذا الكابوس. ولكن... ولكن «بعد عنف المال سيحل ـ وقد حلّ أصلا ـ عنف الأسلحة». ولتبرز ملامح الموجة الثانية للمستقبل المتمثلة ب«العنف الكبير».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف

