أجل العقلاء يتكلمون قليلاً، فالحكمة أن يتكلم الإنسان قليلاً مع غيره ويسهب في الحديث مع نفسه. لكن الواقع يؤكد أن الجميع يتكلم ويتكلم ويتكلم، وهذا يعني انعدام العقلاء بيننا إلا ما ندر!
لقد أعجبني ذكاء الأديبة أحلام مستغانمي في إحدى رواياتها، حيث طرحت على لسان الشخصية الرئيسة في الرواية فلسفة جديدة لطرح الأسئلة، ولا أنكر أنها شدتني كثيراً ووقفت أمامها طويلاً طويلاً.. فتلك الفلسفة في الحوار تلائم قاعدة «العقلاء يتكلمون قليلاً»، فتقول على لسان الشخصية:
«يسألونك مثلاً ماذا تعمل؟ لا ماذا كنت تريد أن تكون؟ يسألونك ماذا تملك؟ لا ماذا فقدت؟ يسألونك أي مدينة تسكن؟ ولا يسألونك هل تصلي؟ ولا يسألونك هل تخاف الله؟ ولذا تعودت أن أجيب عن هذه الأسئلة بالصمت، فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك أخطائهم!!
فلسفة عجيبة في طرح الأسئلة التي تحمل الإجابة عنها عمقاً، إضافة إلى الإجابة البسيطة التي يقصدها السائل، فإذا سألت إنساناً أي المدن تسكن؟ فسيجيبك «الشارقة» مثلاً ولكن إذا سألته أي المدن تسكنك؟ سيجيبك بأن بالمدينة التي تسكنه قرطبة في حين أنه يسكن في الشارقة.. فالأسئلة البسيطة اليومية الروتينية خطأ يجب تداركه!
من العقلانية والحكمة أن نتقن فن السؤال العميق، ونترك الأسئلة العابرة، من العقلانية أن نفكر كثيراً ونتكلم قليلاً مع الآخرين، ونفكر قليلاً ونتكلم كثيراً مع أنفسناً. إن استخدام فلسفة الأسئلة العميقة تجعلنا أكثر عقلانية وحكمة.. لأننا سندرك حتماً بأنه يجب ألا نتكلم حين يُستدعى الصمت. ولكننا هكذا في عالم البشر.. نتكلم كثيراً كثيراً حين يُستدعى الصمت ونصمت طويلاً طويلاً حين يُستدعى الكلام!!