قبل 2035 عاما ستنتهي الامبراطورية الأميركية، المؤقتة مثل جميع الامبراطوريات التي سبقتها،هذا ما تقوله القراءة المستقبلية التي يقدمها في هذا الكتاب جاك اتالي، رجل الاقتصاد والسياسة الفرنسي ومؤلف ما يزيد على اربعين كتابا. وترى نفس القراءة ان (موجات) ثلاث متتالية ستشهدها العقود القادمة تتمثل في قيام الامبراطورية الكبرى للسوق ثم موجة النزاعات الكبرى واخيرا موجة الديمقراطية الكبرى. وهي موجات تتعاقب وتتداخل في بعض المراحل.
وبناء على مقولة أن للتاريخ منطقه وان المستقبل يقوم على قاعدة ما هو قائم اليوم، يرى مؤلف هذا الكتاب انه يمكن استشفاف الخطوط العريضة للمستقبل القريب الذي يراه وردياً بالنسبة لبعض الدول وسوداوياً بالنسبة للبعض الآخر واللافت هنا هو ما يتوقعه المؤلف بالنسبة للبلدان العربية التي ستشهد نمواً طفيفاً باستثناء 4 دول ولكنه يشير إلى أن دبي ستكون لها أهميتها ودورها العالمي الخاص الذي ستلعبه في المستقبل القريب.
يتحدث مؤلف هذا الكتاب عن (تاريخ طويل جدا) للمسيرة الإنسانية كلها وعن (تاريخ موجز للرأسمالية) قبل أن ينتقل للحديث عن (نهاية الإمبراطورية الأميركية).
لكن السؤال الذي يتبادر إلى ذهن القارئ على الفور هو: متى؟ ولماذا؟ وكيف ستنتهي الإمبراطورية الأميركية؟
ما يتم تأكيده في البداية هو أن المستقبل يحيط به الغموض بالضرورة، إذ أن مؤثرات كثيرة قد تحدد توجهه وظروفا قد تتوافق لتحول حدثا محليا إلى حدث عالمي، إيجابيا أو سلبيا، وهناك الكثير من القوى الفاعلة التي سيكون لها كلمتها في ميادين الجيوسياسة والإيديولوجيا والثقافة والاقتصاد.
كل هذه العوامل المؤثرة في توجيه دفة التاريخ تجعل من الصعوبة بمكان الإجابة على سلسلة طويلة من الأسئلة التي يطرحها مؤلف هذا الكتاب وليس أقلها شأنا ما يلي: هل ستنسحب الولايات المتحدة الأميركية من العراق دون مأساة؟ وهل سيحل السلام في الشرق الأوسط؟
وهل ستتضاعف الحاجة إلى البترول النادر أكثر فأكثر خلال العشرين أو الخمسين سنة القادمة؟ هل سيتم التوصل إلى مصادر بديلة للطاقة؟ هل ستعرف البلدان العربية حركة ديمقراطية مثل تلك التي عرفتها بلدان أوروبا الشرقية؟ وهل ستلجأ كوريا الشمالية إلى استخدام السلاح النووي؟ هل ستؤدي التكنولوجيات إلى قيام أشكال جديدة من الدكتاتورية؟ والقائمة تطول.
الإجابات المقدمة على هذه الأسئلة، والعديد غيرها، سوف يكون لكل منها دوره في توجيه العقود القادمة (نحو ما هو أفضل) أو (نحو ما هو أسوأ). ثم إن أمور العالم أصبحت (متداخلة) إلى درجة أنه يمكن لأي حدث كبير في أية منطقة أن تكون له تداعياته على الصعيد الكوني كله. وهكذا هناك منظورات كثيرة قد يتطور المستقبل باتجاهها.
لكن المؤلف يشير هنا إلى أن التاريخ الطويل قد خضع حتى الآن لمجموعة قواعد بسيطة منذ ظهور الديمقراطية والسوق. فمن قرن إلى آخر اتسعت رقعة الحريات السياسية واتسع السوق. ومن قرن إلى آخر استمرت حركة نزوح الفلاحين نحو المدن، ومن قرن إلى آخر اجتمعت (ديمقراطيات السوق) في سوق أوسع وأكثر اندماجا حول (قلب) مؤقّت، وهذا (القلب) أصبح من يحتله هو (القطب) الذي يلتف الآخرون حوله. لكن عليه أن يمتلك ثقتهم، كما عليه أن يكون قادرا سياسيا واجتماعيا وثقافيا وعسكريا على فرض سيطرته.
قلب العالم
يتم التأكيد هنا على أن كل الدلائل تشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية هي التي تحتل اليوم مركز (القلب) في العالم وأن مدينة لوس انجلوس هي في (قلب) النظام التجاري العالمي. لكن (المستقبل الذي يبدو أنه يبتسم للولايات المتحدة الأميركية حتى النهاية عليه أن يستلهم من دروس الماضي)، كما يكتب مؤلف هذا الكتاب ليضيف أن (تقلبات جيوسياسية واقتصادية وتكنولوجية وثقافية جديدة قد تؤدي إلى بروز قلب جديد وإلى وجود مهزومين جدد).
وما يتم تأكيده أيضا هو أن الشركات الأميركية لم تحقق في تاريخها أرباحا أعلى مما تحققه اليوم، ولم يكن مستوى المعيشة أفضل مما هو عليه اليوم، ولم يكن التجديد الصناعي والمالي الأميركي أحسن صحة. باختصار (لم تسيطر الولايات المتحدة على العالم بمقدار ما تسيطر عليه اليوم عسكريا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وحتى، إلى درجة ما، ديموغرافيا. ذلك أنها لا تزال في المرتبة العالمية الثالثة من حيث عدد السكان وسوف تظل كذلك في أفق عام 2040 حيث سيبلغ عدد سكانها حوالي 420 مليون نسمة)، حسب تقديرات المؤلف.
وبالتوازي مع هذا ليس هناك أي (منافس ذي مصداقية) يبرز في أوروبا أو آسيا أو غيرهما. بالتالي وحتى عام 2025 على الأقل (سوف يرى أصحاب أكبر الثروات والبنوك الرئيسية في العالم أن الولايات المتحدة والدولار بمثابة أفضل ملجأ اقتصادي وسياسي ومالي، خاصة وأن سياسة الضرائب الأميركية، التي ستلغي قريبا القسم الأكبر من الضرائب المفروضة على الإرث، ستجذب أكثر فأكثر الأموال الخارجية).
ويقول مؤلف هذا الكتاب محدداً إن «لوس انجلوس سوف تبقى المركز الثقافي والتكنولوجي والصناعي للبلاد، وواشنطن العاصمة السياسية ونيويورك القطب المالي». وبشكل إجمالي «سوف تسيطر الولايات المتحدة طويلا أيضا على تكنولوجيات الدفاع والنقل والميكروإلكترونيات والطاقة والاتصالات والصناعات الفضائية وصناعة المحركات ومنظومات التوجيه.
وسوف تحافظ على حصتها من الإنتاج العالمي. وبشكل إجمالي خلال العقدين القادمين على الأقل سوف تزيد الأحداث الأساسية الثقافية والسياسية والعسكرية والأخلاقية والاجتماعية في العالم من تفوّق الولايات المتحدة وحتى لو انقطع حبل النمو الأميركي مؤقتا بفعل أزمات مالية أو انحسارات اقتصادية أو نزاعات وحروب».كذلك يتوقّع أن يحافظ النمو الاقتصادي العالمي على زيادة بمعدل 4 بالمئة سنويا وبحيث أن الناتج المحلي الإجمالي العالمي سيزيد من الآن وحتى أفق عام 2025 بنسبة 80 بالمئة، كما سيزيد متوسط دخل الفرد في العالم بما يعادل نصف دخله اليوم.
وبالتوازي مع هذا النمو الاقتصادي يتم توقع اتساع رقعة الديمقراطية في العالم ذلك أنه «لم يستطع أي نظام تسلّطي أن يقاوم إلى ما لا نهاية أمام الوفرة«، ثم إن أغلبية البلدان التي لم تصبح بعد في عداد «ديمقراطيات السوق« مثل الصين وباكستان وكوريا وغيرها قد تصبح كذلك بعد فترة من الزمن.
أما الاتحاد الأوروبي الذي يتوقع له مؤلف هذا الكتاب أن يصبح مجالا اقتصاديا واحدا موسّعا يضمّ حتى أوكرانيا خلال العقدين القادمين فإنه «لن ينجح، كما يبدو، في أن يزوّد نفسه بمؤسسات سياسية واجتماعية وعسكرية مندمجة فيما بينها«. لكن على الصعيد الاقتصادي، وفي حالة إمكانية الاستمرار بالاتجاهات الحالية، فإن الناتج المحلي الإجمالي الأوروبي لن يمثّل في أفق عام 2025 سوى نسبة 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقابل 20 بالمئة اليوم، وسوف يصبح دخل الفرد الأوروبي نصف دخل الفرد الأميركي بينما يمثل 60 بالمئة منه اليوم.
دور دبي
يؤكد المؤلف في هذا السياق على أن إحدى عشرة قوة اقتصادية جديدة سوف تبرز خلال العقدين القادمين وهي الصين والهند واليابان وروسيا واندونيسيا وكوريا واستراليا وكندا وجنوب إفريقيا والبرازيل والمكسيك، ومن المتوقع أن تصبح هذه القوى كلها خلال 20 أو 25 سنة بين «ديمقراطيات السوق أو هي في طريقها كي تكون كذلك«. ثم يحدد المؤلف 20 بلدا آخر يرى أنها ستعرف نموا اقتصاديا هاما من بينها الأرجنتين وإيران وتركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية والجزائر والمغرب ونيجيريا ومصر... كما يحدد عدة بلدان يقول أنها «سوف تلعب دورا خاصا« من بينها دبي والنرويج وايرلندة.
وعلى صعيد التبادلات التجارية «سيجري تبادل ثلثي التجارة العالمية عبر المحيط الهادي «. ويقول المؤلف إنه «بعد أكثر من 20 سنة بقليل سوف يتجاوز إنتاج آسيا نصف الإنتاج العالمي«. وهناك اليوم 13 مرفأ من أصل العشرين مرفأ الأكبر في العالم موجودة في آسيا. وسوف تصبح الصين هي ثاني قوة اقتصادية في العالم في أفق عام 2025، وسوف يتجاوز ناتجها المحلي الإجمالي، حسب الإيقاع الحالي، ناتج اليابان في عام 2015 وناتج الولايات المتحدة في عام 2040.
أمّا حصتها من الناتج الإجمالي العالمي اليوم فهي 5,4 بالمئة بحيث ستصل إلى 7 بالمئة عام 2015 وستقارب 15 بالمئة في عام 2025. وفي أفق نفس العام - 5202 -، وحتى لو انخفض إيقاع النمو الاقتصادي الصيني السنوي إلى نصف ما هو عليه اليوم، فإن دخل الفرد في الصين سيصل إلى 6000 دولار سنويا وهذا يعني أن «مئات الملاييين من الصينيين سيصبحون في عداد الطبقات الوسطى، وعشرات الملايين منهم سيكونون من البرجوازيين«.
بالمقابل «سوف تتضاءل قدرة الحزب الشيوعي الصيني على تنظيم الحياة في المدن. وسوف يكون عليه أن يتخلّى في كل مدينة عن بعض السلطة لمن ينتخبهم السكان. ولن ينجح في حل المشاكل الهائلة التي يواجهها دون أن يقوم بعملية إصلاح ذاتي؛ فهناك اليوم 90 بالمئة من الصينيين لا يشملهم أي نظام للتقاعد ولا للضمان الصحي، ونصف سكان المدن وأربعة أخماس سكان الأرياف لا يتمتعون بالرعاية الطبية، ونصف الخمسمائة مدينة الأكبر في البلاد لا تمتلك مياها صالحة للشرب ولا مجاري».
وفي المحصلة يرى المؤلف أنه «في أفق 2025، سيكون الحزب الشيوعي الصيني قد أمضى 70 عاما في السلطة ـ ليس هناك أي حزب شيوعي في العالم بقي في السلطة أكثر من 70 عاما ـ وبالتالي سوف يتلاشى بطريقة أو بأخرى». ولا يستبعد المؤلف في هذا الإطار انبثاق ديمقراطية جديدة على شاكلة ما كانت البلاد قد عرفته عام 1912 بزعامة «سادة الحرب»، وذلك بعد فترة من الفوضى العامّة.
الشيخوخة اليابانية
وفي أفق عام 2025 ستصبح الهند أكبر بلدان العالم سكانا بوجود 4,1 مليار هندي، كما ستحتل المرتبة الاقتصادية الثالثة بعد الصين والولايات المتحدة الأميركية. وسوف تكون بعض الشركات الهندية الكبرى بين «الشركات الأكبر في العالم». أمّا اليابان فإنها «ستتابع شيخوختها رغم قوتها الاقتصادية التي ستجعل منها دائما قوة بين القوى الأولى في العالم».
لكن اليابان سوف تشعر نفسها محاصرة أكثر فأكثر «من قبل أسلحة كوريا الشمالية ومنتوجات كوريا الجنوبية واستثمارات الصين». ويرى المؤلف أن اليابان سوف «تتجهز عسكريا بكل الأسلحة بما في ذلك السلاح النووي في إطار إستراتيجية أكثر دفاعية، مما سيكون له ثمن اقتصادي مرتفع جدا وبحيث أن اليابان قد لا تكون في عام 2025 هي القوة الاقتصادية الخامسة في العالم».
أما كوريا الجنوبية فسوف تصبح في أفق عام 2025 قوة اقتصادية في الصف الأول بآسيا، إذ ستتضاعف حصة الفرد من ناتجها المحلي الإجمالي و«سوف تكون النموذج الاقتصادي والثقافي الجديد الذي سيثير اهتمام العالم بتكنولوجياته وديناميته الثقافية»، بل سيبدو نموذجا «يستحق أن يُحتذى به عوضا عن النموذج الأميركي». ويرى المؤلف أن استمرار النجاح الكوري سيرتبط بقدرته على خط طريق بين نوعين من «السيناريو» اللذين ينبئ كل منهما بكارثة.
السيناريو الأول هو أن تجد كوريا الجنوبية نفسها أمام عملية إعادة توحيد «قسرية» مع كوريا الشمالية بسبب الانهيار المفاجئ لهذه الأخيرة مما قد يترتب عليه «ثمن اقتصادي» لا يمكن تحمله. والسيناريو الثاني هو حدوث تصعيد عسكري يكون سببه «هروب إلى الأمام» يقوم به النظام الكوري الشمالي مما قد يدمّر أكثر من نصف قرن من «المعجزة الاقتصادية» الكورية الجنوبية.
وسيتجاوز عدد سكان فيتنام في عام 2025 مئة وخمسة عشر مليون نسمة، وإذا استطاعت أن تقوم بعملية إصلاح حقيقية لنظامها السياسي والمصرفي والمدرسي ومكافحة الفساد والنهوض بالبنى الأساسية من مواصلات وغيرها «سوف تحتل المرتبة الثالثة على صعيد القارة الآسيوية».
كذلك إذا نجحت أندونيسيا في التغلب على مشاكل «عويصة» تواجهها، وخاصة التوترات الاثنية القائمة بين ما يقارب المائة قومية، بالإضافة إلى مشاكل الفساد وضعف النظام التربوي، فإنها سوف تصبح قوة عالمية كبرى يبلغ عدد سكانها 270 مليون نسمة في أفق عام 2025. هذا لاسيما وأن هذه البلاد تمتلك ثروات طبيعية هائلة في ميادين البترول والغاز والذهب والفضة والنحاس، الخ.
ويُفترض أن يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لروسيا عام 2025 الناتج الإجمالي لكل من ألمانيا وانجلترا وفرنسا، وهكذا سوف تصبح «القوة الاقتصادية العالمية السادسة»، وسوف ينخفض عدد سكانها في أفق عام 2025 إلى حوالي 120 مليون نسمة مقابل 142 مليوناً اليوم.
أعلى من فرنسا
في أميركا اللاتينية، من المتوقع أن يصبح الناتج المحلي الإجمالي للمكسيك في أفق عام 2025 وبعدد سكان يصل إلى 130 مليون نسمة أعلى من الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا. ويمكن للبرازيل بعدد سكان يصل إلى 210 ملايين نسمة عام 2025 أن تصبح رابع قوة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة والصين والهند.
وسوف تصبح «عملاقا» في مجال الزراعة والصناعات الغذائية. لكن هذا كله مرهون بالتغلب على عدد من التحديات التي تبدو «مستعصية» الآن، وليس أقلها إنشاء بنى أساسية حضرية وإصلاح مؤسسات الدولة ومحاربة الفساد. وعلى عكس بقية القارات لا يبدو أن هناك ما يسمح بالقول أن القارة الإفريقية السوداء سوف «تقلع» نحو فضاءات التنمية المستدامة والتصنيع رغم أنها قادرة على تحقيق نهوض اقتصادي هام.
وفي أفق عام 2025 يُتوقع أن يصل عدد سكانها إلى 5,1 مليار نسمة، وسوف تصبح الكونغو ونيجيريا وإثيوبيا في عداد البلدان العشرة الأكثر سكانا في العالم. ومع ذلك لن تصبح هذه القارة، التي تملك 80 بالمئة من البلاتين و40 بالمئة من الماس وأكثر من خمس الذهب والكوبالت في العالم، وثروات أخرى كثيرة، قوة فاعلة على صعيد الاقتصاد العالمي. وفي أفق عام 2025 سيكون دخل الفرد الإفريقي أقل من ربع المعدل العالمي. هناك بعض الاستثناءات مثل جنوب إفريقيا التي سيتجاوز الناتج المحلي بالنسبة للفرد فيها نظيره في روسيا.
نمو عربي ضعيف
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الناتج المحلي الإجمالي في العالم العربي سوف يزداد «إنما بشكل ضعيف«»، وأن هذا الناتج بالنسبة للفرد «لن يزداد بنفس السرعة التي ستشهدها بقية العالم»، وذلك باستثناء المغرب حيث يمكن لمصالحة «محتملة» بين الجزائر والمغرب أن تؤدي إلى إنشاء «سوق مشتركة لبلدان جنوب ـ غرب البحر الأبيض المتوسط، والوصول إلى تعزيز التعاون مع بلدان جنوب أوروبا. أما تركيا وإيران، فيتوقع مؤلف هذا الكتاب أن تصبحا «قوتين كبيرتين«.
وبشكل إجمالي يرى المؤلف أن هذا النمو المستمر، الأطول والأكبر في تاريخ البشرية كلها، سيترافق مع تسارع مسيرة العولمة و«جعل الوقت سلعة».وفي المنظور القريب سوف «تتسارع سرعة التجديد» أيضا، وهكذا ستختصر دورة إنتاج الأغذية والألبسة مثلا من البداية وحتى التسويق من شهر إلى أربعة أيام. والأمر نفسه في بقية القطاعات وبنسب مختلفة، مع ما يترتب على هذا من «تغيير أماكن العمل» و«العيش بعيدا عن مراكز المدن»، و«تمضية أوقات أطول في وسائل النقل». وبنفس الوقت وقبل عام 2030 من المتوقع أن تصبح أغلبية الصحافة المكتوبة «افتراضية» تقدم خدمات «سريعة» «لحظة بلحظة» ل«قرائها».
وظاهرة رئيسية أخرى سوف يشهدها الغد وهي «شيخوخة العالم«. ويشير المؤلف أنه في حال استمرار التوجهات الحالية فإن متوسط عمر الإنسان سيتجاوز 90 سنة بالبلدان المتقدمة في أفق عام 2025 ليقترب بعد ذلك من «القرن الكامل». هذا يترافق مع تضاؤل عدد الولادات.
وفي أفق عام 2025 سيكون هناك أكثر من 10 ملايين أميركي يزيد عمرهم على 85 سنة وستتجاوز نسبة من تزيد أعمارهم على ال65 سنة من 4 بالمئة عام 1900 إلى 33 بالمئة من مجموع عدد السكان. وستصل هذه النسبة إلى 45 بالمئة في اليابان و22 بالمئة في الصين. وفي أفق عام 2025 قد يتضاءل عدد سكان اليابان ب20 مليون نسمة وروسيا ب15 مليوناً وألمانيا ب10 ملايين. ولا شك أن مثل هذه التطورات سيترتب عليها موجات من الهجرة وتحركات السكان بين مناطق العالم وقاراته.
وإذا كان النظام العالمي السائد قد استطاع، حتى الآن، أن يجد البدائل في الوقت المطلوب للمواد الأولية النادرة «وأحيانا بواسطة العمليات العسكرية»، فإنه « في أفق عام 2035 ستترافق ظاهرة مضاعفة عدد سكان المدن تقريبا مع مضاعفة الطلب على المواد الأولية». وقد يكون الوضع «أكثر إثارة للقلق في ميدان الطاقة، إذ وحسب إيقاع الاستهلاك الحالي لن تكفي احتياطيات الفحم سوى ل230 سنة والغاز ل70 سنة والبترول ل50 سنة».
وما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو أن الولايات المتحدة الأميركية سوف تستطيع حتى أفق عام 2025 على الأقل المحافظة على تقدمها التكنولوجي وخاصة بواسطة تغطية العجز في القطاعات الإستراتيجية ولاسيما العسكرية بواسطة الاقتراض من الأسواق المالية العالمية. وسوف تتابع الولايات المتحدة بنفس الوقت الدعاية لنموذجها في التنمية وتشجيع الحرية الفردية، باعتبارها القيمة الأعلى في نظام السوق السائد.
زوال السيطرة الأميركية
لكن سنة بعد سنة، منذ الآن وحتى عام 2030، وكما هو الحال بالنسبة ل«قلوب» الأنظمة العالمية السابقة سوف تواجه الولايات المتحدة «صعوبات شاملة وتحديات» باهظة الكلفة سوف تؤدي إلى انحطاط ثم زوال« القوة الأميركية المسيطرة الآن، كما يرى المؤلف ثم يضيف أن التحدي الأول سيكون مصدره «المؤسسات الافتراضية غير المنتجة»، فمثلا «إذا كانت الانترنت اليوم هي بمعظمها مستعمرة أميركية يتم الحديث فيها باللغة الانجليزية وتصب أغلبية ثرواتها نحو الوطن الأم، فإن هذه القارة السابعة سوف تنال ذات يوم استقلالها الذاتي، وسوف تصبح قوة بذاتها، وكيانا مستقلا ذاتيا، وستجني الأرباح خارج الأرض الأميركية».
ثم إن «سلطات جديدة» في ميادين التمويل والمعلومات والتدريب ستلعب دورا ضد السلطة السياسية والثقافة الأميركية. وسيتم التأكيد على التنوع والتشكيك بالسيطرة الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية الأميركية على ديمقراطية السوق. و«سيكون من الواضح أكثر فأكثر إمكانية أن يكون المرء ديمقراطيا ومؤيدا لاقتصاد السوق دون القدرة على التحدث باللغة الانجليزية ودون الاعتقاد بالتفوق الطبيعي والنهائي للإمبراطورية الأميركية».
ويتوقع المؤلف أيضا أن «تنفصل» الشركات الأميركية الحقيقية عن أميركا، وبحيث تنقل الصناعات الإستراتيجية الأميركية إنتاجها وباحثيها إلى حيث الكلفة أقل في ظل منافسة السوق. ويرى أن هذه الشركات «ستفهم أن مصالحها لم تعد ممتزجة مع مصالح حكومتها، التي ستؤدي صورتها الأكثر فأكثر تشوشا إلى المساس ببيع منتوجاتها».
ونتيجة لتضافر عدة تحديات «سوف تجد الطبقة المتوسطة الأميركية، أي القوة الرئيسية الفاعلة في ديمقراطية السوق، نفسها في وضع هش كانت تتصور أنها قد ابتعدت نهائيا عنه بعد أن انفصلت عن الطبقة العاملة». وبشكل عام سوف تتعاظم أشكال المظالم مع كل ما يترتب على هذا من «عنف» متنوع الأسباب. ثم إن ازدحام المدن أكثر فأكثر سيزيد من الضغط على المرافق العامة من مدارس ومستشفيات وغيرها. وكانت كارثة إعصار «كاترينا» عام 2005 قد بيّنت أصلا، مدى «اللامساواة» البنيوية في الخدمات العامة الأميركية ومدى الضعف في «إدارة» الأوضاع المستجدة.
النموذج الأميركي
ويؤكد المؤلف أنه «في أميركا اللاتينية وأوروبا وإفريقيا وآسيا والشرق الأوسط سيكون النموذج الأميركي ـ الكاليفورني ـ في أفق عام 2025 موضع تشكيك فيه وسيتم رفض السيطرة الأميركية»، بل يرى أنه سيتم التشكيك بنموذج ديمقراطية السوق نفسه وبحيث أن أنظمة «شمولية» قد تنجح تماما في الوصول إلى مستوى عال من التنمية مما يعني أن ديمقراطية السوق «لن تعود بمثابة المرادف الحصري للنجاحات الاقتصادية أو للفعالية في مجال المحافظة على البيئة».
هكذا إذن و«في أفق 2025 أو 2030 لن تكون أميركا قادرة بعد على المحافظة على الجزء الأساسي من الأرباح التي تدرّها شركاتها فوق أرضها، وسوف تزداد نفقات التنظيم الداخلي والخارجي إلى حد يصبح فيه العجز البنيوي لميزان مدفوعاتها لا يُحتمل». وفي نفس الأفق ستقرر آسيا التوقف عن تمويل العجز الأميركي بسعر منخفض بل إنها سوف تعيد رؤوس الأموال المستثمرة في الأسهم والسندات الأميركية.
وستفعل بلدان آسيوية أخرى مثلما فعلت الصين. كذلك ستبدأ بعض البنوك المركزية الأجنبية بموازنة احتياطياتها بعملات صعبة أخرى. وبسبب هذا كله ستتراكم المصاعب ولن تستطيع الدولة الفدرالية أن تأتي لنجدة الأكثر ضعفا نظرا لأنها هي أيضا مصابة بالشلل على غرار النظام المالي الأميركي كله.
اجتماعي ديمقراطي
وفي أفق 2030 «يمكن للولايات المتحدة أن تصبح إمّا نظاما اجتماعيا ـ ديمقراطيا من طراز اسكندنافي وإمّا دكتاتورية، بل وربما النموذجين، واحدا بعد الآخر». ويرى المؤلف أن مثل هذا «الحل» لن يكون الأول في التاريخ فهذا ما فعله موسوليني وهتلر وروزفلت أثناء فترات سابقة من التاريخ.
وهذا «بطريقة أو بأخرى» سوف يؤدي إلى ظهور مركز جديد ل«نظام السوق العالمي» غير المركز «القلب» الكاليفورني الحالي. وينبغي لهذا «القلب» الجديد أن يكون «مرّة أخرى أيضا منطقة شاسعة تتمركز حول مرفأ كبير ـ أو مطار ـ يسيطر على شبكات التجارة في العالم». وقد يكون أميركيا، ولكن بشروط وبمواصفات أخرى.
بكل الأحوال «ستبقى أميركا لفترة طويلة جدا أيضا قوة كبرى، ولكنها لن تكون، على أساس اختيارها وليس على أساس الخضوع أو القسر، الإمبراطورية المسيطرة ولا قلب النظام القائم على السوق». لكن مثل هذا المنظور لا يتفق مع رؤية غالبية القادة الأميركيين اليوم الذين «لا يزالون يعتقدون أن الإمبراطورية الأميركية خالدة وأن أميركا ديمقراطية وليست إمبراطورية ولها مهمة إنقاذ على الصعيد الإنساني كله».
عرض ومناقشة: محمد مخلوف
