يصعب علي إحياء ذكرى بعض الأحداث في الوقت الذي يقلقني الضعف في الذاكرة التاريخية ومرد ذلك ربما يكمن في مقاومة الشعور بوخز الضمير جراء مرور الوقت. لكن الدعوات للمشاركة في الذكرى الـ 20 أو الـ 25 أو الـ 30 لشيء ما عشته بصورة مباشرة أو عاطفية تظهر لك أفقا يلوح وراء ظهرك أكثر من ذلك الماثل أمامك.

لكن ما يتعلق بمدريد بعد مرور 15 عاما على مؤتمر السلام الخاص بالصراع العربي ـ الإسرائيلي لم يحلنا إلى الأرشيف، وهو أصعب أمر يمكن تقبله. فلقد شكلت هذه المناسبة مراجعة للواقع المأساوي في سائر المنطقة، بما فيها قمة الجليد الفلسطينية ـ الإسرائيلية، فضلا عن تبعات الأزمة العراقية والدور الإيراني وموضوعات أخرى متشابكة. صحيح أنه لم يكن هناك كل من كان وجوده ضروريا ، لكن الكثيرين منهم كانوا هناك.

إذا نظر ناشط سلام للوضع في الشرق الأوسط بعد مرور 15 عاما على انعقاد مؤتمر مدريد ، فإنه قد يراه على النحو التالي:

* قبل 15 عاما، بدا من غير الممكن التقريب بين مواقف العرب والإسرائيليين، فالخطاب الذي ساد في ذلك المؤتمر الأول والوحيد الذي شاركت فيه جميع الأطراف كان قاسيا للغاية. بيد أن آمال التقدم نحو آفاق السلام كانت حاضرة بقوة.

* في اللقاء الذي عقد ، مؤخراً، بمدريد كان خطاب المشاركين أكثر اعتدالا ودقة وواقعية فيما يتعلق بالحلول الممكنة. وبدت المسافة أقصر مما كانت عليه في الزمن الغابر، لكن أمل السلام كان أقل بكثير.

* التجربة تسمح بملاحظة أنه منذ الحرب العالمية الثانية لم تتمكن أي قوة من تثبيت احتلالها لأي أرض، وهذا ينطبق على احتلال أفغانستان والعراق و فلسطين، لكن يبدو أن أحدا لا يأبه باستخلاص الدروس والعبر.

* البعض يقول إن الصراع الإسرائيلي يمثل قمة جبل الجليد لمجمل حالة الصراع في الشرق الأوسط والأدنى وآخرون ينفون ذلك.. لكن الحقيقة في السياسة هي ما يدركه المواطن كحقيقة وليس ما يعتقده أو يدركه القادة على أنه حقيقة. والنظرة في العالم العربي هي أن ذلك الصراع هو أصل وسبب كل الصراعات الأخرى.

وبالطريقة عينها ترى إسرائيل وجزء لا بأس به من المجتمع الدولي أن مقصد إيران هو امتلاك قدرة نووية عسكرية، سواء كانت تلك هي الحقيقة أم لا بالنسبة للمسؤولين الإيرانيين. وذلك تماما مثلما يحصل بالنسبة لقناعة الرأي العام العالمي بأن النفط هو الذي يقف وراء حرب العراق.

* يظهر الواقع أن الإجراءات والتدابير الحربية التقليدية بلا استثناء تقريبا غير مجدية وتأتي بعكس المراد منها في الحرب ضد تهديدات على غرار الإرهاب العالمي، وكذلك الأمر بالنسبة للحرب ضد انتشار أسلحة الدمار الشامل.

* الجميع يدرك أن السلام العربي ـ الإسرائيلي يقوم على إعادة الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وعلى إقامة دولة فلسطينية قرارها بيدها وعلى حق إسرائيل، كما الآخرين، في العيش ضمن حدود آمنة.

* لا بد من توفير إستراتيجية واضحة للخروج من العراق وإنهاء احتلاله، حيث لا تمثل زيادة عديد القوات الأميركية بشكل أحادي هناك مخرجا من النفق.

* الوضع الأفغاني بات أبعد مما كان عليه قبل ثلاث سنوات من تحقيق الأهداف المفترضة والتبعات الإقليمية باتت واضحة أكثر من أي وقت مضى.

* البعد الخاص بالطاقة في النزاعات الإقليمية لا يحظى بما يكفي من الاهتمام والتقويم.

* لا بد من استعادة الحوار بين جميع المعنيين، المباشرين وغير المباشرين، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو الإقصاء التعسفي. الاعتماد على الولايات المتحدة ليس كافيا ولا حتى إذا أضيف إليها كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا. فاللاعبون العرب وتركيا وإيران لا غنى عنهم لإحلال السلام والاستقرار.

ترجمة: باسل أبو حمدة ـــ عن «الباييس»