يقوم المؤلف في ختام كتابه بمحاولة للاطلال على المستقبل العربي وما يمكن أن تكون عليه ملامح الغد العربي، وهي محاولة من الواضح أن إنجازها أمر لا يفتقر إلى الصعوبة ولا إلى التعقيد. وعلى الرغم من أن المحاولة في مجملها لا يواكبها التوفيق، إلا أنها تقدم لنا ما يمكن أن نصفه بمعالم على الطريق الطويل إلى المستقبل العربي، حيث يتنبأ المؤلف بأن الهوية العربية تظل قوية على الرغم من كل التحديات والضغوط التي تواجهها، وهو يشدد على أن العالم العربي ينبغي أن يترك ليجد الحلول لمشكلاته بنفسه وألا تفرض عليه من الخارج بأي حال، وهو يطرح سؤالاً شديد الوجاهة: هل الممارسة الغربية للديمقراطية مناسبة للمنطقة؟ ويؤكد أخيراً أنه على الرغم من كل الظلال القاتمة التي تحيط بالمنطقة، فإنها في نهاية المطاف تظل متمتعة بمجموعة هائلة من نقاط القوة التي تشكل رصيداً لا يستهان به لصالحها.

غير أن المؤلف قبل أن يقدم لنا هذه المحاولة الجديرة بقراءة تحليلية مفصلة يمضي بنا عبر إطلالة على اللغة والإشارات في العالم العربي في فصل مستقبل، هو الفصل التاسع، الذي ربما لا ينهض إلى مستوى توقعاتنا، غير أنه أيضاً ليس مخيباً للآمال، وإن كان يصب فيما سبقت لنا الإشارة إليه من افتقار الكتاب إلى التماسك المنهاجي. ويستهل المؤلف هذا الفصل بالإشارة إلى الأهمية البالغة للغة في العالم العربي، باعتبارها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، ويعرب عن اعتقاده بأن العربية ليست باللغة التي يمكن التقاطها، بالنسبة للأجنبي، ويشير في هذا الصدد إلى أن الدبلوماسيين البريطانيين الذين يفترض أنهم من أصحاب العقليات المتألقة يقضون عاماً ونصف العام متفرغين كلية لدراسة اللغة العربية قبل أن يتاح لهم التوصل إلى مستوى محدد من القدرة على الترجمة من العربية وإليها، مما يحتم عليهم معرفة خمس وعشرين مفردة جديدة كل يوم لكي يتوصلوا إلى حصيلة تساعدهم في حياتهم العملية. وهو لا ينسى أن ينقل عن أستاذ له في جامعة أكسفورد رآه في لحظة يأس من التمكن من ناصية أسرار اللغة العربية قوله له على سبيل التشجيع والمداعبة: إنه لا ينبغي له أن يفقد الأمل، فالسنوات الخمس والعشرين الأولى في تعلم اللغة العربية هي دائماً الأسوأ. ويعقب بقوله إن الرجل لم يكن على خطأ.

لقاء مع بن غبيشة ... من المؤكد أن ملاحظات المؤلف على اللغة والاشارات في العالم العربي مهمة، ومعظمها لا تنقصها الطرافة لكن ما يهمنا حقاً يتصدره حرصه على الإشارة إلى توظيف اللغة في الخطاب السياسي العربي. والنموذج الذي يستحضره المؤلف في هذا الصدد هو نموذج شهير وهو الطريقة التي كان عليها الرئيس المصري الراحل أنور السادات يستهل بها خطبه، فقد كان حريصاً على الاستعانة بمقدمة رصينة بالعربية الفصحى، لكنه لما لم يكن من فرسانها فإنه كان يعمد إلى تنحيتها بغير قليل من نفاد الصبر ليستخدم العامية التي يحرص على أن يخاطب بها رجل الشارع المصري، حيث كان يشير إلى أنه لم يدخل الجامعة قط، لكنه أمضى ثلاث سنوات في سجن إنجليزي، وهي سنوات كان يراها خير تعويض عن سنوات الجامعة. ويشير سير مارك ألين إلى أن الأسماء البارزة في التيار الإسلامي يعتز أصحابها بتمكنهم من العربية القياسية على الأقل إن لم يكن العربية الكلاسيكية العريقة، ويضرب مثالاً في هذا الصدد بالشيخ الشعراوي الذي كان يحرص على اختتام الحلقات التي يقدمها التلفزيون لبرنامجه الشهير في التفسير بمخاطبة الجمهور بالعامية.

ويحكي لنا المؤلف حكاية لقاء دال له مع سالم بن غبيشة أحد مرافقي ويلفريد ثيسجر في اجتياز صحراء الربع الخالي، والذي قابله المؤلف استجابة لإلحاح ثيسجر في أبوظبي. يشير المؤلف إلى أن بن غبيشة، شأن الكثير من مجابليه، واللقاء معه تم وهو يوغل في السبعينات من عمره، كان يحرص على عادات محددة في تبادل التحية والإعراب عن الترحيب، يصفها المؤلف بأنها أقرب الطقوس، ويشير إلى أن هناك لغة صامتة تتسلل في إشارات اليدين وملامح الوجه والكلمات، توحي في البداية بفحص الآخر واختباره قبل إصدار حكم ضمني بالاطمئنان إليه أو التزام الحذر حياله. الطريف أن المؤلف يلاحظ أن بن غبيشة كرر «طقوس» التحية ذاتها عندما اتصل المؤلف هاتفياً بثيسجر الذي كان موجوداً في لندن وقتها وأعطى السماعة لبن غبيشة، الذي يلاحظ أن أساريره تهللت ونم صوته عن الود الشديد وهو يحادث ثيسجر، أو مبارك بن لندن كما يدعوه أبناء المنطقة، ويبلغه بأنه سيزوره في لندن في الصيف، وهي الزيارة التي تمت بالفعل.

ويقول المؤلف إن العرب، شأن معظم الناس، يحبون الأخبار وتجاذب أطراف الحديث الودي، بل إن صيغة التحية عندهم تشمل التساؤل عن «الأخبار والعلوم» والجديد فيها، لكن ذلك كله ليس إلا مدخلاً للتوصل إلى ذلك المنعطف من الحديث الذي يبدأ عنده تناول الأمور العملية، بعد أن يكون المتحدث قد تجاوز مرحلة الموقف الدفاعي والتشكك وتحسب الخطر.

كعادته، لا ينسى المؤلف أن يحملنا إلى رحاب تجربته الشخصية، وما مرَّ به في رحلاته التي لا تنتهي في الصحراء العربية، فيلفت نظرنا إلى أنه عندما كان جمع من العرب المنطلقين في الصحراء يلتقي جمعاً آخر، فإن من يبعثون به للتحية أو لتبادل التحية كان يحرص على أن يثير الرمال بقدمه، وكأنه يبعث برسالة ضمنية إلى من يقترب منهم مفادها أنه قدم إليهم مسالماً لا متربصاً.

ويختتم المؤلف هذا الفصل عن اللغة والإشارات عند العرب بأسطر قلائل من المحقق أنها تعلق في ذاكرة القارئ طويلاً، حيث يقول إن اللغة والإشارات الأخرى في الثقافة العربية تتمتع بقدر كبير من العمق والثقة بالنفس، وهي حساسة لما هو شخصي ولكنها على الدوام تجتذب الفرد نحو ما فيه صالح الجماعة.

هوية وجدت لتصمد

ليس من قبيل الصدفة أن المستقبليات تعد من أصعب العلوم الإنسانية، لأنها تستشرف آفاق المقبل انطلاقاً بالمعطيات المتوافرة التي ربما لا تتمتع بالحد الأدنى من التكامل والوضوح.

وهذا هو، على وجه الدقة، ما يجعل الأفكار التي يطرحها المؤلف في غمار حديثه عن مستقبل العالم العربي تتسم بقدر كبير من الحذر وتلمس مواضع الخطى. على الرغم من ذلك فإن المؤلف لا يتردد في صفحة 132 من الكتاب في الإعراب عن اعتقاده بأن الهوية العربية تظل قوية اليوم، وستواصل الاحتفاظ بهذه الصفة في الغد، وذلك على الرغم من كل الصعوبات والضغوط.

هذه الهوية الواضحة والصريحة والتي لا تحتمل اللبس ولا الخلط هي التي تميز عرب شمال إفريقيا عن الأوروبيين، الذين يفصلهم البحر عنهم شمالاً، وعن الأفارقة الذين تفصلهم الصحراء عنهم جنوباً.

يرجع جانب لا يستهان به من هذه القوة وذلك التماسك إلى أن الهوية العربية لها ماض عريق، ولكنها اليوم يكتنفها شعور بعدم التحقق، وربما بالنسبة لبعض العرب كذلك إحساس بأنهم أصبحوا ضحية للمشكلات المعقدة والمتشابكة التي تعاني منها المنطقة، وغالباً ما يجد اللامنتمون إلى المنطقة أنفسهم وقد احيطوا باتهام ضمني بأنهم هم صانعو هذه المشكلات ومدبروها.

والحقيقة القائلة إن المواقف القومية لم تعد في الصدارة اليوم بين المواقف الايديولوجية في المنطقة لا تعني أن العربي قد فقد إحساسه بالجماعة ولا شعوره بالغبن الواقع عليه من قبل الأجنبي.

وقائمة الأشياء التي ينبغي على العالم العربي المبادرة إلى القيام بها تمتد طويلاً، لكن المؤلف يحرص على المبادرة إلى الإشارة إلى أن العالم العربي ينبغي أن يترك ليقوم بنفسه بإيجاد الحلول التي يتصورها للمشكلات التي تفرض نفسها بإلحاح عليه. هذا التشديد من جانب المؤلف لا يمكن إلا أن يعكس وعياً، موجوداً شئنا أم أبينا، بأن هناك قائمة أجنبية بالأشياء التي يتعين القيام بها في العالم العربي.

ويربط سير مارك ألين قائمة الأشياء التي ينبغي على العالم العربي بضرورة النجاح في إيضاح مجموعة من الأفكار الضمنية وتحقيق المصالحة بينها، وفي مقدمة هذه الأفكار فكرة القابلية للمحاسبة. هذه الأولوية للقابلية للمحاسبة ترتبط بوجود الفساد، الذي يشبه بالجدار الذي يرتطم به من يعانون منه، وهذا الفساد لا يكاد يكون له وجود في ظل العائلة والقبيلة، لأنه إنكار للمساواة بين الأفراد، وبالتالي فإن الشخص الفاسد يجد سمعته وقد هوت إلى الحضيض، الأمر الذي يوجد كابحاً له ويؤدي إلى انتشار الأجسام المضادة له.

إن المجال العام هو الساحة التي يتاح للفساد التحرك فيها، حيث صعوبة إن لم يكن استحالة الاستدعاء للمساءلة، وهو يسود لأن الفاسدين يمكنهم الإفلات بما فعلوه وما جنوه من دون أن يحاسبهم أحد. وتأثيراته سرعان ما تصبح حقيقة قاسية أخرى من حقائق الحياة.والاقتصار إلى المحاسبة هو أمر يكمن في صميم المشكلة، حيث الصالح العام يفقد معناه عندما يفقد صفة عموميته.

وربما كان غياب الصالح العام كتجربة وفكرة مطبقة على أرض الواقع هو أحد الأسباب الكثيرة وراء انتشار الفساد في عدد ليس بالقليل من المجتمعات العربية.

الانتخابات ليست كافية

الإصلاح السياسي اصطلاح يتردد كثيراً من معرض الحديث عن الأبعاد السياسية للمستقبل العربي، والتشخيص المفضل لدى الكثير من المحللين خارج المنطقة هو أن هناك احتياجاً لكبح جماح السلطة في العديد من الدول العربية، وبالتالي فإن العلاج المطروح هو نفسه الذي يتكرر لدى معظم هؤلاء المحللين، وهو الديمقراطية.

هؤلاء المحللون يبادرون إلى الإعراب عن اعتقادهم بأن من شأن تفويض السلطة في العالم العربي أن يمنع امكانية وضع اليد عليها خارج إطار الشرعية عندما يسود الإحساس بالتهديد أو عندما تتاح فرصة الانقضاض. يعلق هؤلاء المحللون آمالاً على التخفيف من حدة الحواف القاطعة للسلطة في العالم العربي من خلال التوصل إلى أنظمة عمل تكبح جماح السلطة.

غير أن المؤلف يطرح هنا سؤالاً محدداً: هل الديمقراطية على نحو ما تتم ممارستها في الغرب مناسبة حقاً للمنطقة؟

إنه لا يتردد في معرض الإجابة عن هذا السؤال في الإشارة إلى أنه يظل معلقاً، وإن كان لا يمنع أن تبني نظام تعدد الأحزاب كإطار للديمقراطية العربية هو أمر ممكن إلى حد بعيد، بمعنى أن مثل هذه الأحزاب سيكون بمقدورها أن تتنافس على قدم المساواة، حتى بالنسبة لتلك الأحزاب التي تتبنى برنامجاً دينياً بطبيعته وتخاطب السكان على أرضية عقيدية، خاصة وأن حزباً من هذه النوعية إذا مني بالهزيمة في الانتخابات فإنه سيكون قانعاً برؤية برنامجه وقد أصبح منخرطاً وسط برامج المعارضة، وبالتالي يكون قد تقبل العملية الانتخابية كاطار لحركته السياسية.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن اجراء الانتخابات بعد سقوط الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي سيظل وحده كافياً، ذلك لأن الأنظمة الدكتاتورية في العالم العربي سيظل وحده كافياً، ذلك لأن الأمر الأكثر أهمية من ذلك سيظل متمثلاً بالضرورة في البحث عن إجابات عملية عن الأسئلة التي لابد من أن تطرح حول هيكل السلطة وبنيتها.

هذه الحقيقة ترجع إلى أنه ليس بالمشهد غير المألوف أن يتمسك سياسيون كثيرون بمواقعهم استناداً إلى أصوات شريحة محددة من الناخبين، والعواقب المترتبة على ذلك يمكن أن تكون وخيمة بكل المعايير، والتربص بالحريات الشخصية الكامن في بعض البرامج السياسية في المنطقة يثير القلق بالنسبة للعديد من شرائح الناخبين.

النموذج القومي

يشدد المؤلف على أن النموذج القومي العربي في التنمية السياسية يظل اليوم من النماذج ذات الأهمية المحددة في ضوء التطورات التي شهدتها الخارطة السياسية والايديولوجية العربية في العقود الأخيرة من الزمن، ولكنه يؤكد لنا أن هذا النموذج لا سبيل إلى الهرب منه تماماً كالظل في سنا الشمس.

مرجع ذلك إلى أن الدول التي كان يحكمها القوميون العرب كانت تجد طريقها إلى الخروج من مراحل السيطرة الكولونيالية أو شبه الكولونيالية. والقوميون أنفسهم وصلوا إلى السلطة في فترة «التجربة الليبرالية» التي تظل مثيرة للاهتمام تاريخياً، ولكنها لم يتم اختبارها على أرضية من التنافس الانتخابي المستمر.

أيا كان الأمر، فإن التطورات التي عصفت في النهاية بقدرات التيار القومي العربي، وجعلت من الصعب اليوم الحديث عن نظام إقليمي عربي بالمعنى الصحيح ذهب ضحيتها التيار الرئيسي للفكر السياسي العربي الذي كان يمكن أن يخاطب الأفكار الأكثر تجذراً المتعلقة بالحياة السياسية والعدالة الاجتماعية.

وكنتيجة لذلك فإن الحوارات التي تدور حول الحياة السياسية الدولية أكثر حيوية ودقة في العالم العربي من الحديث عن السياسة الداخلية.

على الرغم من الوضعية الراهنة لخارطة الحياة السياسية العربية اليوم، فإن العرب ـ حسب تأكيد المؤلف ـ لايزالون يتمتعون بنقاط قوة هائلة يتعين أن تكون معيناً لهم في مسيرتهم في المرحلة المقبلة على الرغم من وعورتها ومخاطرها ومتاعبها.

ربما كانت أولى هذه النقاط تتمثل في الثروة العربية من رأس المال البشري، خاصة إذا تم تعهد هذه الثروة بالتعليم والتدريب والصقل وتنمية القدرات.

وهناك أيضاً الحضور الكلي للعرب الذي لا ينقصه القوة ولا الاقتدار، ومع ابتعادهم عن المتاعب الجسيمة للمنعطف الأخير من القرن العشرين واستهلالهم لمسيرة العقد الأول من الألفية الثالثة فربما يقدر لهم تجديد وتحديث ثقافتهم ومؤسساتهم التي تكفل استمرار ما يقدرونه أكثر من غيره.

وقد يجد العرب في نهاية المطاف أن لديهم ما يجعلهم يحيون في ثقة، ويتصدون للتحديات التي تعترض طريق عيشهم في عالم حافل بالصراعات، خاصة إذا استطاعوا اتخاذ القرارات الصحيحة فيما يتعلق بالسلطة وقنوات نقلها وكبح جماحها ليتم توظيفها لصالح المجتمع بكامله.

عرض ومناقشة:كامل يوسف حسين